الأحد, 27 سبتمبر 2026
منصة إعلامية يمنية مستقلة متخصصة في تغطية شؤون المجتمع الريفي في اليمن تهدف إلى تسليط الضوء على الأبعاد الاجتماعية والثقافية والاقتصادية.
مياه

‹رداع تريد ماء›.. أزمة عطش مستمرة تخنق سكان البيضاء

📅 سبتمبر 27, 2026

تتأمل أم أحمد ‹40 عاماً› زاوية مطبخها بحسرة، حيث لا تجد قطرة ماء واحدة لطهي وجبة الإفطار لأطفالها الأربعة في قرية العرش بمديرية رداع في محافظة البيضاء وسط اليمن التي تشهد أزمة مياه خانقة منذ أشهر.

تقول أم أحمد لـ “ريف اليمن”: “يبدأ يومي وينتهي بالبحث عن الماء، أرسل أطفالي عند الفجر لحجز دور في طابور حنفية السبيل القريبة من منزلنا، وننتظر ساعات من أجل العودة بجالون يسد عطشنا واحتياجاتنا اليومية”.

ويواجه السكان في رداع أزمة خانقة في المياه مع ارتفاعاً حاداً في أسعار صهاريج المياه وتراجعاً في المعونات الخيرية، ما دفع ناشطين لإطلاق حملات إلكترونية على منصات التواصل الاجتماعي للمطالبة بوضع حلول عاجلة للحد من تفاقم المعاناة.


مواضيع مقترحة


طوابير العطش

وتضيف أم أحمد، أحياناً ينفد الماء من الخزان الخيري قبل أن يصل دورنا، فنعود خائبين، ونضطر لخفض الإنفاق على قوتنا اليومي أو ثمن الدواء لشراء وايت ماء بسعر يتجاوز قدرتنا المالية.

ومع الارتفاع الحاد لأسعار صهاريج المياه الوايتات، أصبحت حنفيات السبيل الملاذ الوحيد والأخير لغالبية السكان ذوي الدخل المحدود الذين يعيشون أوضاعا معيشية قاسية.

أنشأ الحنفيات فاعلو خير وشخصيات ووجاهات اجتماعية بجهود ذاتية أمام منازلهم وفي أزقة الأحياء السكنية لتخفيف الأزمة، وأمام تلك المنافذ المحدودة، تتشكل يومياً مشاهد صادمة لطوابير تمتد لأمتار.

وتتحمل النساء والأطفال أعباء مضاعفة، إذ يحمل الصغار أواني تفوق قدراتهم، وتنتظر النساء ساعات تحت أشعة الشمس للحصول على لترات معدودة تقي بيوتهن العطش.

وتؤكد أم عادل (60 عاماً) لـ “ريف اليمن” أن جلب مياه السبيل للطبخ والغسيل أصبح مهمة يومية شاقة لا بديل عنها، لأن شراء صهريج ماء يكلف 10 آلاف ريال على الأقل، وهي تكلفة تفوق قدراتهم ولا تكفي الأسرة حتى 15 يوماً.

أعباء المعيشة

في ظل تعثر شبكة المياه الحكومية ومحدودية حنفيات السبيل، وجد المواطن في رداع نفسه رهينة لارتفاع أسعار صهاريج المياه الوايتات، حيث تضاعف العبء مع التقلبات الاقتصادية وارتفاع أسعار المشتقات النفطية، لتتحول فاتورة المياه إلى رقم يستنزف دخل العائلات.

جلب مياه السبيل للطبخ والغسيل أصبح مهمة يومية شاقة لا بديل عنها (ريف اليمن)

يؤكد علي أمين وهو أحد السكان في حديثه لـ “ريف اليمن” أن أزمة المياه فاقمت المعاناة المعيشية للسكان، وهي مشكلة تتجاوز رداع لتشمل مناطق يمنية عدة. ويرى أن المواطن يرزح تحت أعباء متزايدة لتوفير الغذاء والماء والكهرباء والصحة والتعليم، في ظل تدهور شامل للمرافق والخدمات العامة.

ولا تقتصر التكاليف على صهاريج المياه، بل تمتد لتشمل المياه المعبأة مياه الكوثر التي ارتفع الطلب عليها كعبء إضافي، إذ تضطر نسبة كبيرة من السكان لشراء المياه لضمان الحصول على ماء صالح للشرب، مما يضاعف الضغط المالي على الأسر.

وتفرض الظروف القاسية على عائلات كثيرة العيش تحت خط الفقر المائي، أما الأسر الأشد عجزاً، فيدفعها الضغط المالي والفقر إلى الاستعانة بمصادر مياه مكشوفة أو غير مضمونة، مما يفتح الباب أمام المخاطر الصحية وتفشي الأمراض.

وفي ظل أزمة المياه يدفع الأطفال الثمن مرتين: المرة الأولى حين يستنزف الوقوف الطويل في طوابير السبيل راحتهم وتحصيلهم العلمي، والمرة الثانية عندما تنال المياه الملوثة من صحتهم وأجسادهم الصغيرة.

يوضح الطبيب نبيل محمد لـ “ريف اليمن” أن أزمة المياه تدفع الأهالي إلى خيارات اضطرارية خطرة، مؤكداً أن استخدام المياه المكشوفة وغير النظيفة يمثل أحد أبرز الأسباب لتفشي الأوبئة والأمراض المعوية بين السكان.

حراك رقمي

تجاوزت أزمة المياه في رداع نطاق المعاناة اليومية لتتحول إلى حراك مدني ومطالبات شعبية؛ حيث أطلق ناشطون وإعلاميون ووجهاء مجتمعيون حملة للمطالبة بتوفير المياه الصالحة للشرب وتفعيل الخدمات الأساسية المتوقفة في المدينة.

وشهدت منصات التواصل الاجتماعي، تحت وسم #رداع_تريد_ماء، نشر شهادات ومقاطع فيديو توثق أزمة العطش في الأحياء السكنية. وتحولت الحملة الرقمية إلى خطوة تنظيمية صاغ فيها المحتجون مطالب موجهة إلى السلطة المحلية والجهات التنموية لإعادة تشغيل المؤسسات الخدمية.

22 مليون شخص يحتاجون إلى مساعدة إنسانية، ويفتقر 14.4 مليون شخص إلى خدمات المياه والصرف الصحي، بحسب الأمم المتحدة

وتشير البيانات الفنية إلى أن الأزمة تعود إلى أسباب بنيوية مزدوجة، تمكن في العجز الإداري والهندسي الذي أدى إلى تعثر شبكات الضخ الرسمية وتوقف الخزانات الرئيسية عن تغذية الأحياء بالمياه بشكل منتظم.

كما أن تدهور الوضع البيئي للحوض المائي لمدينة رداع، جراء الاستنزاف المستمر والحفر العشوائي للآبار، وهو ما تسبب في انخفاض المنسوب الجوفي إلى مستويات حادة تهدد المخزون المائي للمنطقة.

وتطالب المبادرة السلطات المعنية والمنظمات التنموية بالتدخل العاجل لإصلاح الأعطال الفنية في مشروع المياه الرسمي، وتفرض رقابة صارمة لحماية الحوض الجوفي من النزيف المستمر، للحد من اعتماد السكان الكامل على حنفيات السبيل وصهاريج المياه الخاصة.

ولا يزال اليمن يعاني من واحدة من أخطر الأزمات الإنسانية في العالم. فقد أدت سنوات من الصراع والانهيار الاقتصادي والصدمات المناخية وتدهور البنية التحتية إلى انعدام الأمن المائي المزمن في بلد كان أصلاً من بين أكثر دول العالم ندرة في المياه.

وتُظهر خطة الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في اليمن لعام 2026 أن 22 مليون شخص يحتاجون إلى مساعدة إنسانية. كما يفتقر 14.4 مليون شخص إلى خدمات المياه والصرف الصحي، مما يعكس أزمة حادة في تلبية الاحتياجات الأساسية.

وتعاني 59% من مراكز الرعاية الصحية الأولية في البلاد من غياب المياه الجارية. ويؤدي هذا العجز في المرافق الطبية والمجتمعات إلى تدهور الاشتراطات الصحية الوقائية.

ونتيجة لاستخدام المياه الملوثة، سجلت منظمة الصحة العالمية أكثر من 350 ألف حالة مشتبه بإصابتها بالكوليرا وأكثر من 1,100 حالة وفاة مرتبطة بها خلال 18 شهرًا، بين مارس 2024 ونوفمبر 2025.