في 12 أغسطس الماضي، شهدت مديرية الرضمة بمحافظة إب حادثة دامية بدأت بخلاف حول طريق ترابية مخصصة لمرور السيارات، وانتهت بمقتل أربعة أشخاص وإصابة آخر بجروح خطيرة، وفق رواية أحد أبناء المنطقة.
يقول محمد صالح، وهو من أبناء القرية التي شهدت الحادثة، لـ«ريف اليمن»، إن الخلاف بدأ بين أبناء عمومة، بعد إصرار أحد الطرفين على مرور «دينة» عبر طريق تقع ضمن ملكية الطرف الآخر، قبل أن يتطور إلى اشتباك أسفر عن مقتل أحدهما.
وبحسب صالح، رد أهل القتيل بإطلاق النار باتجاه منزل الطرف الآخر، ما أدى إلى مقتل ثلاث نساء وإصابة امرأة أخرى بجروح، في حادثة أثارت صدمة في المنطقة، خصوصًا أن طرفي الخلاف ينتميان إلى أسرة واحدة.
ولم تكن المشكلة جديدة؛ إذ يشير صالح إلى أن وجهاء سبق أن تدخلوا لاحتواء الخلاف، وانتهى تدخلهم إلى اتفاق يقضي بتخصيص طريق لكل طرف للوصول إلى منزله. لكن الخلاف تجدد مع مسألة مرور “الدينة”، وانتهى بالحادثة الدامية.
وتكشف هذه الحادثة المؤسفة جانبًا من مشكلة أوسع تواجه سكان الريف اليمني، حيث تتحول الطرق والمسارات التي تربط القرى بالمنازل والمزارع إلى مصدر للنزاعات، مع تداخل الملكيات الخاصة وغياب الحدود الواضحة لبعض الطرق القديمة.
مواضيع مقترحة
- طرق سامع الجبلية.. مصيدة موت تحصد أرواح السكان
- ‹الظهرة› في المحويت: قرية قاومت حصار التضاريس
- طريق العلقمة وراسن.. شريان معطّل يعزل آلاف السكان
ولا تقتصر النزاعات حول الطرق في الريف على مرور المركبات، بل تشمل مسارات السيارات وممرات المشاة وحتى المواشي، والطرق القديمة التي تربط القرى بالمزارع، فضلًا عن المسارات التي تتغير مع توسع البناء والزراعة وظهور احتياجات جديدة.
ومع مرور الوقت، تضيق بعض هذه الطرق أو تتغير طريقة استخدامها، فيما تظل ملكيتها وحدودها وحقوق المرور فيها محل خلاف، خصوصًا عندما تتداخل الملكيات الخاصة مع مسارات اعتاد السكان استخدامها لسنوات طويلة.
طريق قديمة وحاجة جديدة
في مرتفعات مديرية قعطبة بمحافظة الضالع، تتخذ المشكلة شكلًا آخر؛ فالمسار الذي كان يلبي احتياجات السكان في السابق لم يعد قادرًا على استيعاب متطلباتهم الجديدة، ففي قرية جبل الشامي، ضاق الطريق بين منزل شُيّد حديثًا من جهة وجدار مزرعة من الجهة الأخرى، ولم يعد الجزء المتبقي يتسع إلا لمرور السيارات.
وعندما يحتاج الأهالي إلى إدخال معدات ثقيلة لشق الطرق أو صيانتها، يضطرون أحيانًا إلى انتظار انتهاء الموسم الزراعي، ثم استخدام مسارات بديلة بعد الحصول على إذن من أصحاب الأراضي للسماح للمعدات بالمرور.
يقول محمد قاسم، من أهالي قرية جبل الشامي في مرتفعات قعطبة، لـ”ريف اليمن”، إن قريتهم “ليس لها أي حيلة” أمام هذه الظروف، في ظل غياب حلول من الجهات الحكومية.
ويوضح أن الطريق الذي اعتاد السكان استخدامه أصبح ضيقًا مع توسع البناء وزيادة عدد الأسر التي تسكن بمحاذاته، حتى بات بالكاد يسمح بمرور السيارات.
ولا تتوقف المشكلة عند ضيق المسار؛ إذ تتضرر الطريق أيضًا بفعل السيول، ما يجعلها بحاجة إلى أعمال مسح وصيانة متكررة. غير أن تنفيذ هذه الأعمال قد يتعطل عندما تكون الأراضي الزراعية الواقعة على المسارات البديلة مزروعة.

ويقول قاسم إن أبناء القرى يخسرون أحيانًا فرصًا لشق الطرق أو صيانتها عبر السلطات المحلية أو المنظمات، بسبب رفض بعض أصحاب الأراضي السماح بمرور المعدات الثقيلة خلال الموسم الزراعي.
وحتى بعد انتهاء الموسم، قد يقتصر السماح على مرور المعدات مرة واحدة، ما يجعل تنفيذ الأعمال مرتبطًا بظروف الأراضي وموافقة ملاكها، بدلًا من الاحتكام إلى ترتيبات واضحة تضمن استمرار الوصول إلى القرى.
ويرى الناشط المجتمعي مجاهد الشوكي، في حديثه لـ”ريف اليمن”، أن هذه المشكلة ترتبط بطبيعة الطرق الريفية التي نشأت في أوقات مختلفة؛ فبعضها مسارات قديمة بين القرى والمزارع، وبعضها مخصص للسيارات أو المشاة أو المواشي، فيما تحولت مسارات أخرى بمرور الزمن إلى طرق رئيسية للوصول إلى القرى.
ويشير الشوكي إلى أن بعض الطرق القديمة التي كانت السيارات تمر عبرها لم تعد مستخدمة بالشكل نفسه، بعد أن زرع ملاك الأراضي أجزاء منها بأشجار القات. ونتيجة لذلك، أصبح المرور في بعض المناطق يتم عبر مسارات موسمية داخل الحقول التي لم تُزرع بالقات؛ إذ يسمح بعض الملاك باستخدامها خارج مواسم الزراعة، بينما يرفض آخرون مرور الناس عبر أراضيهم.
متر هنا.. ومتر هناك
لا يحدث تضييق الطرق دائمًا بصورة مفاجئة؛ ففي بعض المناطق يبدأ الأمر باقتطاع مساحة صغيرة من جانب الطريق، ثم يتكرر من الجهة المقابلة، حتى يتغير عرض المسار تدريجيًا، ويصبح المرور فيه أكثر صعوبة.
ويصف الشوكي هذه العملية بـ”الزحزحة”، مشيرًا إلى أن طريقًا كان عرضه في السابق نحو سبعة أمتار قد يتقلص مع مرور السنوات إلى متر أو متر ونصف أو مترين في بعض أجزائه، بما يجعل مرور سيارتين متقابلتين بالغ الصعوبة.
وفي إحدى الحالات التي يرويها، أعاد سيل كبير فتح مسار طريق كان قد ضاق مع الزمن في منطقتهم، ليظهر مجددًا بعرض قريب من وضعه السابق. وأتاح ذلك للأهالي رؤية حدود المسار الذي كان قائمًا قبل أن يتقدم البناء والأنشطة الزراعية نحوه.
من جانبه، يقول محمد سلمان، وهو مصلح اجتماعي في مديرية قعطبة، لـ”ريف اليمن”، إن بعض هذه التجاوزات تستمر لأن المجتمع يتعامل معها أحيانًا باعتبارها أمرًا عاديًا، خصوصًا عندما يرى الناس شخصًا يضيّق الطريق أو يغيّر مسارها دون أن يواجه اعتراضًا.
لا تقتصر النزاعات حول الطرق في الريف على مرور المركبات، بل تشمل مسارات السيارات وممرات المشاة وحتى المواشي
ويصف سلمان ذلك بأنه أشبه بـ”عدوى اجتماعية”، إذ يتحول التصرف الفردي إلى نموذج يقلده آخرون، ومع تكرار التعديات يصبح من الصعب تحديد الحدود التي كانت عليها الطريق في الأصل.
ويربط سلمان بين توسع الزراعة والبناء وزيادة الضغط على المسارات القديمة، لافتًا إلى أن التوسع في زراعة القات خلال العقود الماضية دفع بعض المزارعين إلى البحث عن مساحات إضافية، وأدى في بعض الحالات إلى التعدي على طرق أو مسارات للمياه والسيول والسواقي.
بين الطريق والأرض
في الريف اليمني، لا تمر جميع الطرق فوق أراضٍ مملوكة للدولة؛ فبعضها يقع بين ملكيات خاصة، وبعضها نشأ بوصفه حق مرور اعتاد السكان استخدامه، فيما توجد طرق عامة يستخدمها الناس بصورة مستمرة. ويؤثر اختلاف طبيعة كل طريق في تحديد الحقوق والالتزامات المتعلقة بها.
ويقول المحامي منصور الإدريسي، في حديثه إن النزاعات المتعلقة بالطرق ترتبط عادة بثلاث حالات: الطرق العامة، والطرق الخاصة، وحق المرور عبر ملكية شخص آخر.
ويوضح خلال حديثه لـ”ريف اليمن”، أن تحديد الحقوق في كل حالة يتطلب النظر في طبيعة الطريق ووضعها القانوني، والوثائق المتاحة، وما إذا كان المرور حقًا ثابتًا أم سماحًا مؤقتًا من مالك الأرض.
ويشير الإدريسي إلى أن مرور طريق عامة داخل ملكية خاصة لا يعني بالضرورة زوال حق المالك في أرضه، مؤكدًا أن الملكية الخاصة مصونة قانونًا، وأن تخصيص العقارات للمنفعة العامة يخضع للإجراءات القانونية المقررة، بما فيها التعويض العادل حيث يوجبه القانون.
وفي المقابل، فإن وجود حق مرور ثابت أو طريق عامة قائمة يختلف عن مجرد السماح المؤقت بالعبور؛ إذ لا يجوز التعامل مع هذه الحالات بالطريقة نفسها، بل يتعين تحديد طبيعة الحق وحدوده قبل الحكم على أي تصرف بالتضييق أو المنع.
وتزداد الخلافات عندما تكون الطريق قديمة ومعروفة بين السكان، لكنها غير موثقة بحدود واضحة. فقد يرى صاحب الأرض أن الجزء الواقع ضمن ملكيته خاص به، بينما يعدّه السكان مسارًا اعتادوا استخدامه منذ سنوات طويلة.

ويؤكد الإدريسي أن وجود حق مرور لا يمنح المستفيد منه حق توسيع الطريق أو تغيير مسارها بصورة منفردة، كما أن حقوق مالك الأرض لا تُحسم بمعزل عن الحقوق القائمة للآخرين. ويظل تحديد ما يجوز لكل طرف فعله مرتبطًا بطبيعة الطريق، وأصل الحق، والأدلة المتاحة.
ويشير إلى أن بعض النزاعات يمكن حلها عبر تدخل الوجهاء والصلح، لكن عندما يتعذر التوصل إلى اتفاق، يمكن اللجوء إلى القضاء للفصل في الحقوق، وطلب إجراءات تحفظ الوضع القائم في الحالات المستعجلة، وفقًا لما يسمح به القانون.
الطريق التي تُفتح ثم تضيق
حتى شق الطريق أو توسعتها لا يعني بالضرورة انتهاء المشكلة؛ إذ يروي سلمان تجربة جرى خلالها توسيع طريق عامة لم تكن تسمح إلا بمرور سيارة واحدة، بالتعاون مع السلطة المحلية ووحدة التدخلات المركزية، لتصبح قادرة على استيعاب سيارتين.
وبحسب روايته، تجاوزت تكلفة العمل عشرة ملايين ريال، لكن بعض الاستحداثات عادت إلى الطريق بعد شهرين أو ثلاثة، فتقلص عرض أجزاء منها مجددًا، ولم تعد تسمح إلا بمرور سيارة واحدة.
ويقول سلمان إن التجربة أظهرت أن فتح الطريق لا يكفي وحده، ما لم تصاحبه إجراءات تحمي ما أُنجز وتمنع تكرار التعديات.ويشير إلى أنه يعتزم توثيق التجاوزات ورفعها إلى السلطة المحلية للمطالبة بإزالتها وإعادة الطريق إلى وضعها السابق.
ويستشهد سلمان بتجربة محلية أخرى جرى خلالها توقيع اتفاق بين الأهالي وتشكيل لجنة لمتابعة تنفيذه، لكن المخالفات عادت لاحقًا، بعدما بدأ بعض السكان يتعاملون مع التجاوزات السابقة باعتبارها أمرًا مقبولًا.
ويرى أن التدخل المبكر، وتوثيق مسارات الطرق وحدودها، وحمايتها بعد تنفيذ المشاريع، ومتابعة الاتفاقات، من شأنها الحد من الاستحداثات قبل تراكمها وتحولها إلى نزاعات أكبر.
وبين طريق قديمة ضاقت مع توسع الزراعة والبناء، ومسار يحتاجه السكان لمرور السيارات والمعدات، تتشكل نزاعات الطرق في الريف اليمني من تغيّرات صغيرة تتراكم مع الوقت، وتتداخل فيها الملكيات الخاصة مع احتياجات المجتمع.
وفي ظل هذه الظروف، لا يقتصر الحل على فتح الطرق أو توسعتها، بل يتطلب أيضًا توثيق المسارات القائمة، وتوضيح حقوق المرور، وحماية الطرق بعد تنفيذ المشاريع، والتدخل عند ظهور التجاوزات. فكلما تأخر التعامل مع التغييرات الصغيرة، ازدادت صعوبة احتواء الخلافات، وقد يتحول نزاع يبدأ بأمتار قليلة إلى مواجهة تهدد سلامة السكان وعلاقاتهم الاجتماعية.





