بين قريتي المحلة وجلاجل في مديرية تبن بمحافظة لحج، تعيش المواطنة زرعة بعسوس جندب، التي يناهز عمرها مئة عام، في عشة بسيطة تحيط بها الرمال، بعد حياة حافلة بالكفاح، وسنوات طويلة قضتها في الرعي والتنقل بين المراعي، وامتلاكها قطعانا كبيرة من الأغنام والأبقار والإبل.
لم تعد زرعة قادرة على سرد حكايتها كاملة، كانت محاولات الحديث معها تقتصر بالكاد على تبادل السلام والتحيات، لكن ما بقي من قصتها كما ترويه ابنتها وأشخاص عرفوها، يكشف جانبا من حياة المرأة الريفية التي بنت مكانتها الاقتصادية والاجتماعية من العمل والرعي وإدارة الثروة الحيوانية، ثم وجدت نفسها في مواجهة الشيخوخة وقسوة العجز.
لا تختصر حكايتها رحلة امرأة تقدمت في العمر فحسب، بل تفتح نافذة على واقع النساء الريفيات اللواتي اعتمدن على الزراعة وتربية الحيوانات لتأمين معيشة أسرهن، ووجدن أنفسهن في مواجهة قسوة العجز، وعلى التحديات التي تهدد استمرار هذا الدور مع تراجع القدرة على الإنتاج وارتفاع تكاليفه.
نشأت زرعة في بيئة ريفية ارتبط فيها الرزق بالأرض والحيوان، وبعد زواجها، انتقلت إلى قرى في محافظة لحج، قبل أن تختار منذ مطلع ثمانينيات القرن الماضي حياة الرعي المتنقل، متتبعة المراعي من منطقة إلى أخرى بحثًا عن الأعشاب التي تقتات عليها قطعانها.
مواضيع مقترحة
- الثروة الحيوانية.. ركيزة اقتصادية مهملة في اليمن
- العمّاري: الأعلاف والأمراض أبرز تحديات قطاع الثروة الحيوانية
- المواشي المهرّبة.. عدوى عابرة تهدد الثروة الحيوانية في اليمن
لم تكن رحلتها فردية؛ فقد رافقها زوجها وأبناؤها في نمط حياة يعتمد على حركة المواسم وتوافر الغذاء والماء، ويتطلب معرفة بمسارات الرعي وقدرة على تحمل مشاق التنقل. وتقول ابنتها إن والدتها لم تكن راعية تخرج ببضعة رؤوس من الأغنام إلى أطراف القرية ثم تعود عند المساء، بل كانت تمتلك ثروة حيوانية كبيرة.
وتضيف لـ”ريف اليمن”،: “في تلك السنوات لم تكن أمي امرأة تخرج ببضعة رؤوس من الأغنام إلى أطراف القرية، ثم تعود عند المساء؛ فقد كانت صاحبة ثروة حيوانية لافتة، امتلكت نحو مئتي رأس من الأغنام، وثلاثين رأسًا من الأبقار، وعشرة رؤوس من الإبل”.
مثلت هذه الحيوانات مصدر رزق للأسرة ووسيلة لتأمين احتياجاتها، كما منحت زرعة مكانة اقتصادية واجتماعية في محيطها، وكانت وفق المعلومات الواردة عنها، تشتري حقولًا كاملة لترعى فيها أغنامها، أو تستأجر بعضها بحسب احتياجات قطعانها.
ويقول صالح الزغبري، مرشد الري في مكتب الزراعة بمحافظة لحج، إن زرعة تنقلت بقطعانها بين مناطق عدة، منها خبت البقر وعابرين وعتيرة وبئر هادي وقعوة، وكانت تتبع ما تتيحه الطبيعة من أعشاب ومياه.
ويضيف:”مع مرور الوقت، استقرت في أطراف قرية المحلة، بمنطقة الدندار، حيث عرفت بشخصيتها الاجتماعية القوية، وكانت كلمتها مسموعة لدى المزارعين وملاك الأراضي والسكان، تولت البيع والشراء وإدارة شؤون ثروتها الحيوانية، مستندة إلى خبرتها في الرعي ومعرفتها بالمناطق والمراعي.

كانت زرعة نموذجا لامرأة ريفية منتجة تدير مواردها وتسهم في إعالة أسرتها، في عمل يتطلب جهدًا يوميًا ومعرفة عملية بالثروة الحيوانية والبيئة المحيطة بها، لكن الظروف التي ساعدتها على بناء هذه المكانة لم تستمر على حالها؛ إذ واجهت خسارات أسرية، وتقدمت في العمر، وأصبحت مواصلة الرعي والتنقل أكثر صعوبة.
الفقد وتراجع الثروة الحيوانية
ويوضح الزغبري أن زرعة فقدت زوجها، ثم توفي ابنها عام 2000، كما فقدت إحدى بناتها، وكانت هذه الخسارات محطات قاسية في حياة امرأة ارتبط عملها بالأسرة التي رافقتها في التنقل والرعي، ومع تقدمها في العمر وتراجع قدرتها على مواصلة العمل الشاق، ازدادت صعوبة المحافظة على قطعانها، خصوصًا مع تقلص المراعي وارتفاع أعباء توفير الأعلاف.
بدأت زرعة بيع بعض أغنامها، فيما نفق بعضها الآخر، حتى لم يتبقّ معها سوى خمسة رؤوس من الأغنام، وفق المعلومات التي جمعت عن حالتها الراهنة، وتعيش اليوم في عشة بسيطة، بينما يتولى أحفادها الأيتام رعاية ما تبقى من أغنامها.
تكشف هذه النهاية عن هشاشة سبل العيش التي تعتمد على العمل الجسدي والثروة الحيوانية؛ فعندما يتراجع العمر أو تتعرض الأسرة لفقدان معيلها، تصبح المحافظة على مصدر الدخل أكثر صعوبة، ولا سيما في ظل ارتفاع تكاليف التربية وتراجع الموارد الطبيعية.
وتزداد هذه الصعوبات بالنسبة إلى النساء اللواتي أمضين سنوات طويلة في العمل والإنتاج، من دون أن تتوافر لهن بالضرورة بدائل اقتصادية أو خدمات تضمن لهن الاستمرار في العيش بكرامة عند التقدم في العمر.
تراجع المراعي
في الذاكرة المحلية، ارتبطت لحج خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي بوصف لحج الخضيرة، في إشارة إلى نشاطها الزراعي واتساع المساحات المزروعة وتنوع الإنتاج. لكن المشهد المحيط بمسكن زرعة اليوم، حيث تتجاور الرمال والحشائش الشوكية، يثير تساؤلات بشأن التحولات التي شهدتها البيئة وسبل العيش في المنطقة.
ويقول منصور لجرب، وهو ناشط اجتماعي، إن الجفاف والتصحر والتغير المناخي من التحديات التي تهدد سبل العيش المعتمدة على الموارد الطبيعية، لكنه يشير إلى أن تحديد حجم تأثير كل عامل في مناطق المحلة وجلاجل يحتاج إلى بيانات بيئية ومناخية محلية.
لا تختصر حكايتها رحلة امرأة تقدمت في العمر فحسب، بل تفتح نافذة على واقع النساء الريفيات اللواتي اعتمدن على الزراعة وتربية الحيوانات لتأمين معيشة أسرهن، ووجدن أنفسهن في مواجهة قسوة العجز
ويضيف أن تراجع المراعي لا يؤثر في النباتات وحدها، بل يمتد إلى الحيوانات التي تعتمد عليها، ويرفع كلفة توفير الأعلاف، محولًا المشكلة البيئية إلى عبء اقتصادي على الأسر التي تعتمد على الرعي.
وبالنسبة إلى النساء الريفيات العاملات في تربية الحيوانات، يعني ارتفاع تكلفة الأعلاف وتراجع المراعي زيادة الأعباء اليومية والمالية، وقد يحد من قدرتهن على مواصلة النشاط الذي يشكل مصدر دخل لأسرهن.
وتبرز حكاية زرعة هذه العلاقة بين المرأة والموارد الطبيعية؛ فقد اعتمدت طوال سنوات على معرفتها بالمراعي وقدرتها على التنقل وإدارة قطعانها، لكن تراجع قدرتها على العمل وتغير الظروف المحيطة بالرعي جعلا المحافظة على ثروتها الحيوانية أكثر صعوبة.
ومع ذلك، لا يمكن إرجاع خسارة زرعة لقطعانها إلى التغيرات البيئية وحدها؛ إذ تتداخل في قصتها عوامل التقدم في العمر والفقد الأسري وصعوبة مواصلة الرعي وتكاليف تربية الحيوانات.
عمل طوال اليوم
لا تقتصر مشاركة المرأة الريفية في الاقتصاد المحلي على تربية الأغنام والأبقار والماعز، بل تشمل أيضا رعاية الدواجن، وجمع الأعلاف، وأعمال الزراعة والتصنيع الغذائي والتسويق والحرف التقليدية.
وتقول فتحية أرشد، مديرة تنمية المرأة الريفية في مكتب الزراعة بمحافظة لحج، إن المرأة تؤدي دورًا أساسيًا في تربية الحيوانات، وإن أعمال الرعاية والتغذية والتنظيف والحلب وجمع الأعلاف تستحوذ على جزء كبير من يومها.
وتوضح أرشد خلال حديثها لـ”ريف اليمن”، أن النساء يبدأن أعمالهن منذ ساعات الصباح الباكر، لكن استمرار هذه الأنشطة يواجه تحديات، من بينها نقص الأعلاف وارتفاع أسعارها، وغياب الرعاية البيطرية القريبة، وصعوبة الوصول إلى الأطباء المختصين، وضعف التدريب على الإسعافات الأولية للحيوانات، وهو ما قد يؤدي إلى نفوقها.
وتؤكد على أهمية تدريب النساء العاملات في تربية الحيوانات، وتوفير وحدات بيطرية قريبة من القرى، بما يساعدهن على التعامل مع الأمراض والإصابات وتقليل الخسائر التي قد تتعرض لها قطعانهن.
بدورها تقول عائدة عاشور، رئيسة دائرة المرأة في لحج، إن المرأة الريفية ظلت حاضرة في تفاصيل الحياة الاجتماعية والاقتصادية بالمحافظة، من خلال مساهمتها في تنمية المجتمع وممارسة أنشطة متنوعة، شملت الزراعة وتربية الثروة الحيوانية والصيد والأعمال الحرفية.
وتشير إلى أن هذه الأنشطة تشمل صناعة المنتجات من سعف النخيل والأواني الطينية، وإنتاج الألبان ومشتقاتها وتسويقها، لكنها تواجه تحديات مرتبطة بارتفاع الأسعار وتراجع الإقبال على بعض المنتجات التقليدية.

وتوضح لـ”ريف اليمن”، أن هذه الأعمال تؤكد أن دور المرأة الريفية لا يتوقف عند المساعدة في الإنتاج، بل يمتد إلى إدارة موارد الأسرة، وتوفير الغذاء، وتحويل المنتجات الزراعية والحيوانية إلى مصادر للدخل، غير أن استمرار هذه الأدوار يتطلب خدمات وتدريبًا وفرصًا اقتصادية تساعد النساء على مواجهة الأعباء المتزايدة.
من التاريخ إلى الحلول
يستعيد الخبير الزراعي فضل محسن جانبا من تاريخ مشاركة المرأة في العمل الزراعي في جنوب اليمن، مستندًا إلى أرقام قال إنها تعكس حضور النساء في سوق العمل خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي.
وبحسب الأرقام التي أوردها محسن، شكلت النساء نحو 16 في المائة من إجمالي القوى العاملة في البلاد في سبتمبر 1977، وبلغ عدد النساء العاملات رسميًا في القطاع الزراعي المنظم نحو 1800 امرأة في العام نفسه.
كما ارتفع عدد النساء العاملات في مختلف القطاعات إلى نحو 26 ألف امرأة بحلول عام 1980، وحصلت قرابة ثلاثة آلاف امرأة ريفية على تدريب وتأهيل تقني زراعي وفني بين عامي 1975 و1980.
ويرى محسن أن دعم المرأة الريفية يتطلب برامج تتعامل معها بوصفها منتجة تمتلك خبرة عملية، لا مجرد متلقية للمساعدات.
ويقول لـ”ريف اليمن”، إن التدخلات المطلوبة تشمل تدريب مربيات الحيوانات على التغذية والصحة الحيوانية، وتطوير مهارات التسمين والتسويق، والتوسع في زراعة الأعلاف المقاومة للجفاف، وإنشاء وحدات بيطرية قريبة من القرى.
دعم المرأة الريفية يتطلب برامج تتعامل معها بوصفها منتجة تمتلك خبرة عملية، لا مجرد متلقية للمساعدات
ومن شأن هذه التدخلات، إذا نفذت وفق احتياجات المجتمعات المحلية، أن تساعد النساء على تقليل الخسائر وتحسين إدارة الثروة الحيوانية، إلى جانب توفير فرص للحفاظ على مصادر الدخل وتنويعها، وفقا لمحسن.
كما تحتاج هذه الجهود إلى مراعاة أوضاع النساء الأكبر سنًا، والنساء اللاتي فقدن معيل الأسرة أو تراجعت قدرتهن على العمل، بحيث لا يقتصر الدعم على زيادة الإنتاج، بل يشمل حماية سبل العيش وتوفير ما يلزم للحياة الكريمة.
حكاية تتجاوز امرأة واحدة
حين غادرت مسكن زرعة، بقيت صورتها حاضرة، امرأة قضت سنوات طويلة في الرعي وإدارة قطعانها، ثم وجدت نفسها في نهاية العمر وقد خسرت معظم ثروتها الحيوانية، ولم يتبقَّ معها سوى خمسة رؤوس من الأغنام، وفق المعلومات المتاحة عن حالتها.
ليست زرعة مجرد راعية تقدمت في العمر وتراجعت ثروتها، بل تمثل قصتها مدخلًا لفهم التحديات التي تواجه نساء ريفيات بنين معيشتهن على العمل والإنتاج، وارتبطت خبراتهن بالأرض والحيوانات، قبل أن تضيق أمامهن الخيارات مع تغير الظروف الصحية والاقتصادية والبيئية.
وفي محيط قريتي المحلة وجلاجل، تطرح حكايتها سؤالًا أمام الجهات المعنية بالزراعة والبيئة والتنمية الاجتماعية كيف يمكن حماية سبل العيش الريفية، ومساندة النساء اللواتي أمضين أعمارهن في الإنتاج، خصوصًا عندما يتقدمن في العمر أو يفقدن القدرة على مواصلة العمل؟





