الأحد, 18 أكتوبر 2026
منصة إعلامية يمنية مستقلة متخصصة في تغطية شؤون المجتمع الريفي في اليمن تهدف إلى تسليط الضوء على الأبعاد الاجتماعية والثقافية والاقتصادية.
حصن

قصة تفوق ‹غزة مهدي›: من مخيمات النزوح إلى أوائل الجمهورية

📅 أكتوبر 18, 2026

لم تكن رحلة النزوح الأولى للطفلة ‹غزة مهدي› من مسقط رأسها في مديرية المحابشة بمحافظة حجة عام 2017 مجرد مغادرة قسرية لبيتها، بل كانت بداية لمواجهة حياة جديدة وصعبة في مخيمات النزوح في مأرب، حيث يغيب الاستقرار ويصعب على الكثير من الطلاب مواصلة تعليمهم.

وفي ظل الظروف القاسية، عاشت غزة معاناة يومية بين ضيق العيش والازدحام الكبير داخل الفصول الدراسية، وهي صعوبات تجعل مجرد البقاء في المدرسة تحدياً كبيراً لكل طالب نازح.

لكن غزة قررت ألا تستسلم للظروف، وحوّلت صعوبة النزوح إلى دافع وقوة للتمسك بحلمها، مدعومة بتشجيع أسرتها وإيمانها بأن الظروف القاسية لا تمنع الإنسان من النجاح إذا اجتهد وعمل بجد.


مواضيع مقترحة


تخطيط وتنظيم

بدأت رحلة غزة نحو التميز بحلم واضح، وهو تحقيق تحصيل علمي متميز تخدم به وطنها وتُفرح به أسرتها، لتتوج به جهود سنوات من الدراسة، ولتحقيق ذلك اعتمدت منهجية قائمة على تنظيم الوقت والمتابعة اليومية المستمرة للدروس، مؤكدة على أسبقية الفهم والاستيعاب قبل الحفظ.

وتقول إن خطتها ارتكزت على التركيز الكامل أثناء الحصص الدراسية، ومراجعة الدروس فور العودة إلى المنزل مع حل التدريبات والأسئلة. كما حرصت على تخصيص أوقات منتظمة لمراجعة المواد السابقة أولاً بأول، لمنع تراكم المقررات الدراسية.

اعتمدت غزة على تحديد أهداف يومية وشهرية وخطة واضحة لإنجازها. وفي حال مواجهتها صعوبة في أي درس، كانت تلجأ فوراً إلى معلماتها أو تبحث عن وسائل توضيحية أخرى حتى تستوعب المادة بالكامل، دون إرجاء للحلول.

تضمن جدولها اليومي ترتيب المهام حسب الأولوية، وتوزيع الوقت بتوازن بين الاستيعاب، وحل التطبيقات، والاستعداد لدروس اليوم التالي. كما واظبت على الاستذكار اليومي دون انقطاع، مع تخصيص فترات راحة قصيرة لتجديد النشاط.

وتؤكد غزة لـ “ريف اليمن” أنها فضّلت التوازن الذكي على الحرمان، إذ خصصت وقتاً محدداً للراحة والتواصل مع الأسرة والصديقات، مع الحد من المشتتات التقنية بوضع الدراسة في صدارة الأولويات، وتجنب اقتناء هاتف خاص بها لتوفير وقتها وتركيزها لنيل هدفها.

الرعاية الأسرية

نشأت غزة في أسرة متعلمة كان للعلم والتربية فيها حضور كبير إذ أن والدها معلم متميز لمادة الفيزياء، ووالدتها معلمة مخضرمة لمادة اللغة العربية، فاجتمع في بيتها شغف العلوم وجمال اللغة وقيمة التعليم، لتنشأ على تقدير المعرفة والإيمان بأن العلم طريق لصناعة المستقبل.

رغم مرارة النزوح استطاعت غزة المهدي تحويل قسوة النزوح إلى دافعٍ للتفوق؛ لتنال المركز الأول بمأرب والثاني على مستوى الجمهورية

توضح مديرة مدرسة أروى للبنات، الأستاذة رشاء العبسي، أن غزة بدأت مسيرتها التعليمية من الصف الأول حتى الثالث في مديرية المحابشة بمحافظة حجة، ثم نزحت إثر الصراع إلى مأرب والتحقت بالصف الرابع في مدرسة اقرأ، ومن الصف الخامس واصلت رحلتها في مدرسة أروى التي احتضنت موهبتها حتى الثانوية.

وتضيف العبسي أن غزة كانت حاضرة في مقدمة صفها منذ سنواتها الأولى، ومحافظة على المركز الأول أو الثاني في مختلف المراحل.

ولم يكن التفوق لدى غزة مجرد درجات، بل انعكاس لشغف حقيقي؛ حيث تقول: “البحث والاطلاع، خاصة في المواد العلمية، ومتابعة كل جديد في الجوانب العلمية كان شغفاً يتجاوز حدود الكتاب المدرسي”.

وتذكر العبسي أن الشغف انعكس في مشاركاتها العلمية، حيث مثلت المدرسة في الملتقى العلمي لطلاب الصف الثاني الثانوي في مادة الفيزياء، وكانت ضمن الطالبات الممثلات للمدرسة في المسابقة المنهجية للصف الثالث الثانوي، وشاركت كذلك في المسابقة المنهجية للصف التاسع.

التحديات والإصرار

أتت فترة الاختبارات وقد أتمت غزة مذاكرة ومراجعة الكتب كافة بكل جهد وحماس رغم التحديات الكثيرة. إذ تؤكد غزة أن أبرز التحديات تمثلت في ظروف النزوح وعدم الاستقرار، النازح لا يعيش دائماً في ظروف تساعده على الدراسة مكانياً ومعيشياً، إلا أن أسرتها جعلت جل اهتمامها منصباً على تعليمها رغم الظروف المعيشية القاسية.

وتشير غزة إلى أنه مع ظروف النزوح لم يكن كل يوم يسير بالشكل المثالي، لكن المهم هو العودة والمواصلة وعدم السماح لليوم الصعب بالتخلي عن الهدف.

وتقول: “كنت أقول لنفسي دائماً: إذا كانت الظروف صعبة، فهذا يعني أن عليَّ أن أتمسك بحلمي أكثر، وأن أجعل نجاحي رسالة بأن الظروف مهما كانت قاسية لا تمنع الإنسان من الوصول إذا اجتهد واستعان بالله”.

وتصف غزة شعورها لحظة إعلان النتيجة بأنه لا يوصف وخليط من الدهشة والفرح؛ إذ تمالكت نفسها وسجدت لله شكراً قبل أن تستوعب تحقيق النتيجة التي طالما حلمت بها.

في لحظة جميلة شاركت فيها الفرحة مع أسرتها وتذكرت معلماتها وزميلاتها وكل من وقف بجانبها، مؤكدة تلقيها دعماً وتشجيعاً من أسرتها ومدرستها وتكريمات وهدايا من جهات ومؤسسات وصديقات كان لها أثر جميل.

الطموح والمستقبل

تعبر رشاء العبسي، عن فخر الإدارة قائلة: “شعورنا كإدارة لا يمكن اختصاره بكلمة فرح، نحن نشعر بالفخر والامتنان، فعندما تصل إحدى طالباتك إلى المركز الأول على مستوى المحافظة والثاني على مستوى الجمهورية، فأنت لا ترى مجرد رقم في كشف نتائج، بل ترى سنوات من التعب والاجتهاد تحولت إلى إنجاز يرفع اسم المدرسة والمحافظة”.

وتضيف العبسي لـ “ريف اليمن” أن تجربة غزة أثبتت عملياً أن المدارس الحكومية في مأرب تمتلك طاقات علمية استثنائية قادرة على الوصول إلى أعلى المراتب رغم كل التحديات.

تؤكد النازحة غزة المهدي أن القيود لا تصنع المستحيل؛ فبدعم والديها المعلمين وبإرادة لا تلين، قفزت من مخيمات الشتات لتتربع على عرش التفوق الجمهوري

وفي حديثها للطلاب، حثت غزة على الانطلاق من واقعهم دون استسلام، قائلة: “ابدؤوا من المكان الذي أنتم فيه وبالإمكانات المتاحة، ونظموا أوقاتكم وذاكروا أولاً بأول، ولا تخجلوا من سؤال المعلم حين يستغلق عليكم فهم أمر”.

كما تشدد على أهمية التنافس الذاتي والتوكل على الله، موجهة نصيحتها: “لا تقارنوا أنفسكم بالآخرين بل قارنوا أنفسكم بأنفسكم: هل أنتم اليوم أفضل من الأمس، مؤكدة أن النجاح اقتران بين التوكل والأخذ بالأسباب والصبر والمثابرة.

وتتطلع غزة إلى نيل الدعم والمنح الدراسية لمواصلة تعليمها الجامعي وخدمة وطنها، معتبرة أن رعاية المتفوقين الذين قهروا ظروف النزوح ليست مجرد دعم لفرد، بل هي استثمار حقيقي في مستقبل اليمن.