الأحد, 11 أكتوبر 2026
منصة إعلامية يمنية مستقلة متخصصة في تغطية شؤون المجتمع الريفي في اليمن تهدف إلى تسليط الضوء على الأبعاد الاجتماعية والثقافية والاقتصادية.
طرُق

طريق القبلية بحضرموت.. شريان متعثر منذ 86 عاماً

📅 أكتوبر 11, 2026

في كل مرة يقرر فيها أحمد سالمين (25 عامًا) العودة من مدينة المكلا إلى قرية الدهماء، يجد نفسه أمام رحلة صعبة في طريق القبلية، حيث تتحول زيارته إلى معاناة حقيقية بسبب وعورة الطريق الترابي، الذي لايزال متعثرا من نحو 86 عاما.

ومع استمرار السير في الطريق الترابي المتهالكة، أصبحت سيارة أحمد القديمة تعاني دائمًا من أعطال كبيرة، فلا تكاد تنتهي الرحلة إلا وتكتشف مشكلة جديدة في أجزائها الميكانيكية بسبب قسوة الحفر والمطبات.

في آخر رحلة له، تسببت الحجارة والمطبات في سقوط بعض قطع الجوزة المهمة لتوجيه السيارة، ولم تتوقف الأعطال عند ذلك، بل سقط القزوز كاملاً في الطريق، واضطر لنقله فوق السيارة حتى وصل إلى المدينة لإصلاحه.


مواضيع مقترحة


معاناة أحمد هي صورة لما يعيشه السكان يوميا في قرى مرتفعات حضرموت حيث باتت مشكلة الطريق تؤرق أهالي قرى الدهماء ولبنة والحيسر وطويلة قرض، وتؤثر في حياتهم اليومية فهي تعيق وصول المرضى إلى المستشفيات والطلاب إلى مدارسهم.

ورغم مرور نحو 86 عامًا على شق الطريق ليربط المكلا بقرى وادي دوعن، إلا أنه لم يكتمل حتى اليوم؛ ليبقى الأهالي أمام خيارين أحلاهما مر، إما طريق ترابي قصير يرهق سياراتهم وأجسادهم، أو طريق آخر مسفلت لكنه طويل ويكلفهم مبالغ مالية كبيرة.

عقود من الانتظار

تعود البدايات الأولى لشريان القبلية إلى عام 1940، في عهد السلطان صالح بن غالب القعيطي وإبان فترة الحماية البريطانية؛ إذ شُق تحت اسم الطريق الغربية بهدف ربط العاصمة الساحلية المكلا بأريافها الممتدة حتى وادي دوعن، وتسهيل حركة التجارة والنقل البري.

طريق القبلية بحضرموت.. شريان متعثر يضاعف معاناة السكان منذ 86 عاماً
معاناة أحمد هي صورة لما يعيشه آلاف السكان يومياً في قرى مرتفعات حضرموت (ريف اليمن)

وتوثق أدبيات تاريخية، منها مجلة حضرموت الثقافية، أن جيش البادية الحضرمي اعتمد على هذا المسار في تحركاته الميدانية منذ سبتمبر 1941.

وعلى الرغم من تطور وسائل النقل وتوسع التجمعات السكانية عبر العقود، ظل هذا الشريان متعثر، وعلى الرغم من إنجاز مقاطع حيوية منه خلال السنوات الماضية في مقدمتها تأهيل وسفلتة عقبة شتنة التي كانت تُشكل أحد أكثر المقاطع خطورة أمام حركة السيارات إلا أن المشروع توقف مجددًا قبيل أمتاره الأخيرة.

ويوضح مدير مديرية وادي دوعن، عبدالله مقيبل، لـ”ريف اليمن”، أن الأوضاع والتطورات التي شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة أدت إلى تجميد العمل في المشروع، مشيرًا إلى أن الجزء المتبقي الذي يحتاج إلى سفلتة لا يتجاوز 20 كيلومترًا، لكنه يمثل الشريان العصبي الذي يعزل استكماله بقية المناطق عن محيطها الخدمي.

بدائل مكلفة

تضع المسافة المتبقية من الطريق السكان أمام معادلة صعبة في التنقل؛ حيث أن المرور عبر طريق القبلية غير المعبد يكبد السائقين خسائر مادية متكررة في صيانة مركباتهم نتيجة الأعطال المفاجئة، ناهيك عن انعدام ورش الصيانة والكوادر الفنية في تلك القرى الريفية، مما يضطر السائقين للقيادة بحذر شديد حتى الوصول إلى ورش مدينة المكلا.

تكلف الرحلة الواحدة للمركبة نحو 90 ألف ريال يمني فضلاً عن استغراق وقت طويل يصل إلى نحو ست ساعات

كما يمثل المسار البديل عبر طريق عبدالله غريب عبئًا ماليًا لا تطيقه معظم الأسر، إذ يتطلب المرور عبره قطع مسافات طويلة والتنقل بين منحدرات دوعن للوصول إلى المناطق الوسطى والهضبة، وهو ما يرفع تكلفة الرحلة الواحدة للمركبة إلى أكثر من 90 ألف ريال يمني، فضلاً عن استغراق وقت طويل يصل إلى نحو ست ساعات.

ويؤكد محمد بارشيد وهو أحد أعيان منطقة الحيسر الريفية، لـ”ريف اليمن”، أن إنجاز سفلتة طريق القبلية سيختصر زمن الرحلة إلى نحو ساعتين فقط، متسائلًا عن أسباب استمرار تهميش المناطق ومطالبًا السلطات المحلية بوضع معالجة جذرية لهذا الخط الحيوي الذي يربط أكثر من 30 قرية وتجمعًا سكانيًا.

تعطيل الخدمات

لا تتوقف آثار تعثر الطريق عند مشقة التنقل فحسب إذ تتسبب في تعطيل الخدمات الأساسية ففي قرية الدهماء، يقف المبنى الحكومي للمستوصف الطبي المقام منذ عام 2004 خاليًا من الكوادر والمستلزمات، نتيجة امتناع الأطباء والكوادر الصحية عن الاستقرار في المنطقة بسبب وعورة الطريق.

طريق القبلية بحضرموت.. شريان متعثر يضاعف معاناة السكان منذ 86 عاماً
وتعكس معاناة سكان سكان القرى الريفية في حضرموت واقع أزمة البنية التحتية الشاملة بمختلف المحافظات اليمنية (ريف اليمن)

يقول مدير مدرسة الدهماء، عبدالرحمن باراس، لـ”ريف اليمن” إن الطريق أصبحت مانعًا رئيسيًا أمام وصول الخدمة الطبية نفسها، حيث يفضل الأطباء التراجع عن العمل هناك حتى تأهيل الخط. ويضيف أن الوضع يضاعف معانات المرضى والنساء الحوامل اللائي يضطررن لقطع مسافات شاقة للوصول إلى مشافي دوعن.

ولا يسلم قطاع التعليم من المعاناة، حيث يضطر مئات الطلاب لقطع مسافات تصل إلى 16 كيلومترًا يوميًا عبر طرق وعرة للوصول إلى مدارسهم، مثل مدرسة لبنة بارشيد التي تستوعب وحدها أكثر من 1400 طالب وطالبة، مما يجعل تحسين شبكة الطرق مطلبًا أساسيًا لاستمرار العملية التعليمية.

حراك مجتمعي

مع استمرار المعاناة التي يكابدونها منذ سنوات طويلة نظم أهالي مناطق لبنة، والحيسر، والمناطق المجاورة بمديرية دوعن وقفات احتجاجية للمطالبة بضرورة إدراج طريق القبلية، أو خط الفرضحة دوعن، ضمن خطة المشاريع المعتمدة لدى وزارة الأشغال العامة والطرق والسلطة المحلية بمحافظة حضرموت.

 

ويرى الأهالي والسلطة المحلية بالمديرية أن الشروع في تنفيذ طريق رحاب – الفرضحة كحل إسعافي مؤقت، يمكن أن يخفف جزءًا كبيرًا من وطأة العزلة، ويؤمن ممرًا حيويًا لنقل البضائع والمستلزمات الطبية والغذائية إلى القرى الريفية.

ويشدد ممثلو المجتمعات المحلية على أن استمرار توقف المشروع يتنافى مع الكثافة السكانية والإنتاجية الزراعية لهذه القرى، مشيرين إلى أن مطالبتهم بفك العزلة أصبحت حقًا رئيسيًا للحصول على أدنى الممارسات الخدمية والإنسانية.

وتعكس معاناة سكان سكان القرى الريفية في حضرموت واقع أزمة البنية التحتية الشاملة بمختلف المحافظات اليمنية؛ حيث يشير مكتب الأمم المتحدة لخدمات المشاريع UNOPS إلى أن أكثر من 70% من السكان يواجهون صعوبات بالغة في الوصول إلى الخدمات الأساسية وفي مقدمتها الصحة والتعليم، في حين يعمل نحو نصف المرافق الصحية فقط بصورة كاملة.

طريق القبلية بحضرموت.. شريان متعثر يضاعف معاناة السكان منذ 86 عاماً
لا تتوقف آثار تعثر الطريق عند مشقة التنقل فحسب إذ تتسبب في تعطيل الخدمات الأساسية (ريف اليمن)

وتؤكد تقارير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن إعادة تأهيل وتعبيد الطرق الريفية لا تقتصر أهميتها على تقليل زمن السفر فحسب، بل تُعد شريانًا حاسمًا لربط المجتمعات بالأسواق، وتمكين المزارعين من نقل منتجاتهم، وضمان استمرار تدفق الرعاية الطبية إلى أشد المناطق الريفية.

ويشكل افتقار سكان الريف لشبكة الطرق تحديا كبيرا لتنمية المجتمعات هناك وتحسين ظروف الحياة. وحتى الوقت الحالي، لم تُعبّد إلا ٣٧٤٤ كم من الطرق الريفية وهذا لا يمثل سوى ٦.٤ في المائة من إجمالي شبكة الطرق و ٢١.٦ في المائة من إجمالي الطرق المُعبّدة بحسب دراسة نشرتها مبادرة إعادة تصور إقتصاد اليمن.