الأربعاء, 4 نوفمبر 2026
منصة إعلامية يمنية مستقلة متخصصة في تغطية شؤون المجتمع الريفي في اليمن تهدف إلى تسليط الضوء على الأبعاد الاجتماعية والثقافية والاقتصادية.
طرُق

طريق قعطبة – إب.. سفر محفوف بالموت وحوادث تحصد الأرواح

📅 نوفمبر 4, 2026

على امتداد أكثر من 65 كيلومترا، تحول طريق قعطبة بمحافظة الضالع الذي يربطها بمدينة إب، خلال السنوات الأخيرة إلى مصدر قلق يومي للمسافرين، مع تزايد الحوادث المرورية الناجمة عن الحفريات وتدهور طبقة الإسفلت وغياب الصيانة الدورية.

ولا يكاد يمر يوم، بحسب إفادات سكان وعابري الطريق، دون وقوع حادث مروري في أحد مقاطعه، نتيجة الحفر التي تتشكل بفعل تآكل الطريق ورداءة بعض المواد المستخدمة في رصفه، وتسرب المياه إلى طبقات التربة، فضلاً عن الأحمال الثقيلة وغياب الصيانة، وفقاً لتفسيرات مهندسين.

ومع انقطاع الطريق المؤدي إلى مركز مديرية قعطبة بسبب الحرب، اكتسب هذا الطريق أهمية إضافية، وأصبح شرياناً حيوياً لقطاع واسع من سكان المديرية، حيث أسهمت حركة النقل المتزايدة في تنشيط الأسواق الشعبية على امتداده، وجعلت مدينة إب وجهة رئيسية للأهالي لقضاء احتياجاتهم، ما ضاعف الازدحام على الطريق، وزاد من مخاطر التنقل فيه.

يربط خليل صالح، (35 عاماً)، من أبناء عزلة الأعشور، بين تزايد الحوادث المرورية على الطريق وكثرة الحفر والسرعة الزائدة، خصوصاً بين سائقي الدراجات النارية العاملين في نقل القات الطري إلى الأسواق.


مواضيع مقترحة


حوادث يومية

يقول خليل، الذي يعبر الطريق يومياً متجهاً إلى سوق القرين، لـ”ريف اليمن”، إن بعض سائقي الدراجات يندفعون بسرعة كبيرة للحاق بالسوق، وعندما يصادفون حفرة مفاجئة يفقدون السيطرة على دراجاتهم، ما يؤدي إلى انكسار الإطارات أو انقلاب الدراجات والاصطدام بمركبات أخرى أو بالمارة والحيوانات.

ويضيف: “أغلب الحوادث التي رأيتها كانت بسبب الحفر التي تملأ الطريق”.

من جانبه، يشير عبدالعزيز المعرشي،( 45 عاماً)، من أهالي عزلة الوحج، إلى عوامل أخرى تزيد من خطورة الطريق، أبرزها ضيق مساحته وكثرة المنعطفات الخطرة، إلى جانب تآكل الإسفلت وتزايد الحفر بفعل حركة المركبات والأمطار.

ويقول لـ”ريف اليمن”، إن بعض السائقين، سواء على متن السيارات أو الدراجات النارية، يقودون بسرعة عالية دون الانتباه إلى الحفر التي تظهر بصورة مفاجئة، الأمر الذي قد يؤدي إلى انكسار أجزاء من المركبات وفقدان السيطرة عليها وانقلابها إلى أسفل المنحدرات.

ويضيف أن بعض الحوادث تنتهي بانقلاب السيارات وتحطمها، ما يجعل إخراج الضحايا أمراً بالغ الصعوبة، فيما تتعرض الدراجات النارية لانفجار الإطارات، ويسقط سائقوها وركابها بقوة على الأرض.

ضحايا وخسائر

لا تقف مخاطر الطريق عند الأضرار المادية، بل تمتد إلى إصابات بالغة وإعاقات وخسائر في الأرواح، كما تكشف قصص الضحايا وشهود العيان الذين التقتهم منصة “ريف اليمن” خلال نزولها الميداني.

تم تسجيل نحو 86 حادثاً مرورياً خلال عام 2025، بينها 43 حادثاً للدراجات النارية (الصورة من : عبدالعزيز الجرموزي)

ومن بين هؤلاء صلاح، البالغ من العمر 18 عاماً، من أهالي قرية المقار بعزلة الأعشور، الذي يروي تفاصيل حادث مروري تعرض له أثناء نقله القات إلى السوق على متن دراجته النارية.

ويروي صلاح قصته المؤسفة، ويقول إنه كان يقود بسرعة، وعند وصوله إلى أحد المنعطفات فوجئ بحفر كبيرة لم تكن موجودة في زيارته السابقة للطريق، إذ كان قد انقطع عن المرور فيه نحو أسبوع. حاول الانتقال إلى المسار الآخر لتجنب الحفر، لكنه فوجئ بسيارة مسرعة اصطدمت به بقوة.

موضحا أن الحادث تسبب له في ثلاثة كسور في ساقيه، وكسر في الحوض، وكسرين في يده اليمنى، فضلاً عن إصابة في الرأس وخدوش في أنحاء متفرقة من جسمه. كما أصيب الشخص الذي كان برفقته بكسر في اليد وإصابة في الرأس وخدوش كبيرة.

لافتا أنه مكث في المستشفى 43 يوماً، ثم قضى عامين في المنزل خلال فترة التعافي، لكنه لا يزال يعاني آلاماً شديدة رغم تحسن حالته الصحية.

ولم تقتصر خسائره على الإصابة، إذ خسر حمولة القات التي كان يأمل بيعها بنحو 700 ألف ريال، بعدما تلفت واحترق جزء منها، فيما لم يُبع الجزء الذي وصل متأخراً إلى السوق إلا بمبلغ 150 ألف ريال. كما تحطمت دراجته النارية وتكبد نفقات علاج بلغت ستة ملايين ريال، إضافة إلى ثلاثة ملايين ريال تكبدها صاحب السيارة، وفقاً لروايته.

تزايدت الحوادث المرورية بسبب كثرة الحفريات وتدهور طبقة الإسفلت وغياب الصيانة الدورية للطريق(الصورة من: عبدالعزيز الجرموزي)

وفي حادثة أخرى، يروي محمد الجرموزي، البالغ من العمر 47 عاماً، من أهالي قرية شعور، مشاهدته حادثاً مميتاً تعرض له أحد سائقي الدراجات النارية أثناء هطول الأمطار.

ويقول لـ”ريف اليمن” إنه كان يقود سيارته أثناء نزول المطر، عندما شاهد دراجة نارية مسرعة في منتصف المنحدر، وعلى بعد نحو 20 متراً منها حفرة كبيرة لم ينتبه إليها سائقها، البالغ من العمر 21 عاماً.

ويضيف أن السائق حاول تجاوز الحفرة قبل الوصول إليها، لكنه لم يتمكن من ذلك، فسقطت الدراجة فيها وانكسر إطارها، ما أدى إلى انقلابها وارتطام رأس الشاب بالأرض، ليفارق الحياة متأثراً بإصابته.

حقائق وأرقام

تكشف البيانات المتاحة عن حجم المخاطر التي يشهدها طريق قعطبة – إب، فقد سجلت إدارة المرور بمحافظة الضالع نحو 86 حادثاً مرورياً خلال عام 2025، بينها 43 حادثاً للدراجات النارية، بحسب مدير قسم الحوادث بإدارة المرور، العقيد مصلح الضحياني.

وعن الخسائر البشرية، يقول مدير مكتب الصحة والسكان بالمحافظة، الدكتور عبدالملك الغرباني إن المكتب لا يمتلك إحصاءات دقيقة عن ضحايا الحوادث على هذا الطريق، موضحاً أن معظم الحالات تُنقل إلى مستشفيات إب وذمار.

وخلال زيارة ميدانية إلى المركز الطبي في سوق القرين، الواقع على الطريق بين قعطبة وإب، قال مدير المركز، الدكتور محمد عياش، لـ”ريف اليمن”، إن المركز سجل خلال العام الماضي نحو 82 حالة إصابة مرتبطة بالحوادث المرورية.

سجلت إدارة المرور بمحافظة الضالع نحو 86 حادثاً مرورياً خلال عام 2025، بينها 43 حادثاً للدراجات النارية

وأوضح أن 54 حالة منها كانت إصابات بكسور وخدوش ناتجة عن التصادم أو انفجار إطارات الدراجات النارية، فيما سُجلت 13 حالة دهس للمواشي على جانب الطريق، سواء بواسطة الدراجات النارية أو السيارات التي تعرضت أعطالاً في أذرعها، إضافة إلى 15 إصابة ناجمة عن انقلاب السيارات.

وبشأن الوفيات، أوضح عياش أن المركز لا يحتفظ بإحصاءات عنها، لأن الحالات التي تفارق الحياة تُنقل مباشرة إلى ذويها للدفن، أو إلى مستشفيات إب للتأكد من الوفاة.

مناشدات لصيانة الطريق

في ظل تكرار الحوادث وتفاقم مخاطر الحفر والمنعطفات، تتزايد مطالبات المواطنين للجهات المختصة بالتدخل العاجل لصيانة الطريق وترميم الأجزاء المتضررة، ووضع اللوحات الإرشادية ووسائل الحماية في المنعطفات والمنحدرات الخطرة حفاظاً على سلامة مستخدميه.

سجل المركز الطبي في سوق القرين 82 حالة إصابة مرتبطة بالحوادث المرورية خلال العام الماضي (الصورة من : عبدالعزيز الجرموزي)

وكانت  الجهات المختصة بالمحافظة فد بدأت أعمال صيانة في أجزاء من الطريق، إذ جرى إصلاح نحو 12 كيلومتراً من إجمالي 22 كيلومتراً مستهدفة، في المقطع الممتد من منطقة شعور حتى سوق الليل، بتكلفة بلغت 250 مليون ريال، بحسب مدير الوحدة التنفيذية لصيانة الطرق بالمحافظة، حافظ الضحياني.

ورغم ذلك لا تزال الطريق بحسب إفادات المواطنين، غير كافية لمعالجة المشكلة بصورة شاملة، إذ تستمر الحفر والأجزاء المتضررة على امتداد الطريق وصولاً إلى مدينة إب، ما يستدعي استكمال أعمال الصيانة باعتباره طريقاً رئيسياً يشهد حركة نقل كثيفة.

وبينما تظل صيانة الطريق مسؤولية الجهات المختصة، تبقى سلامة مستخدميه مرتبطة أيضاً بمدى التزام السائقين بقواعد المرور واتخاذ الاحتياطات اللازمة، خصوصاً أن الطريق يضم منحدرات ومنعطفات خطرة وعقبات مرتفعة ومطبات إسمنتية.

وبين مطالبات السكان بصيانة الطريق وضرورة التزام السائقين بإجراءات السلامة، تبقى حياة المسافرين رهينة معالجة الحفر والتدهور الذي يهدد هذا الشريان الحيوي، إلى جانب تعزيز الوعي المروري، حتى لا تتحول رحلة البحث عن الرزق أو قضاء الحاجات إلى مأساة جديدة.