الأربعاء, 4 نوفمبر 2026
منصة إعلامية يمنية مستقلة متخصصة في تغطية شؤون المجتمع الريفي في اليمن تهدف إلى تسليط الضوء على الأبعاد الاجتماعية والثقافية والاقتصادية.
كتابات

شبح تحت التربة.. هل تقضي آفة ‹نيماتودا› على محصول البطاطس؟

د. بازل حسين السُمين 📅 نوفمبر 4, 2026

لدى المرتفعات الوسطى والشمالية في اليمن إرث زراعي ضارب في القدم، وتمد الاسواق المحلية بأهم محاصيل الخضار الاستراتيجية ومنها البطاطس، وشكّل هذا المحصول أحد الاعمدة المهمة للاقتصاد الريفي وسلّة الغذاء الأساسية للسكان.

إلا أن هذا المشهد الزراعي الحالي في اليمن يواجه اليوم تهديداً صامتاً يزحف بخفاء تحت سطح الأرض، يتمثل في تفشي الديدان الخيطية المجهرية المعروفة بنيماتودا حوصلات البطاطس.

ووثّق باحثون في جامعة صنعاء انتشارها الواسع في ثلاث محافظات، والتي تُنذر بتدمير مواسم الحصاد وتهديد استدامة زراعة البطاطس والتي تعد من أهم المحاصيل الإستراتيجية للأمن الغذائي.


مواضيع مقترحة


ففي قيعان ذمار الرئيسة، لا يقتصر التهديد على انتاج البطاطس فقط، بل المصدر الرئيسي للبذور المعتمدة وفيها تقع الشركة العامة لإنتاج بذور البطاطس والعديد من المراكز التي تخصصت في انتاج البذور، وهذه الآفة تهديد لحقول صنعاء، وسفوح إب وعمران وصولا الى مأرب، حيث تتشابه معاناة المزارعين.

وكانت الحقول تجود بأطنان من درنات البطاطس عالية الجودة، لكن باتت الآن شتلاتها تعاني فجأة من الاصفرار والذبول المبكر، وكأنها تكابد العطش رغم ريها المستمر، وعند اقتلاع الجذور، تتكشف الكارثة ‹عقد، وأورام، وتشوهات نسيجية› تعيق امتصاص الماء والمغذيات لتخلف درنات متقزمة ومتقرحة تفقد قيمتها التسويقية

قد تعود جذور هذه المشكلة إلى تراكم الممارسات الزراعية الخاطئة، وعلى رأسها الزراعة الأحادية المتواصلة للبطاطس لسنوات طويلة، وتداول بذور ملوثة وغير مفحوصة، مما أدى إلى توطين النيماتودا في أخصب الأراضي الزراعية وتحويلها إلى بؤر وبائية مستعصية.

وأكدت هذا الخطر دراسة علمية حديثة شملت 145 حقلاً زراعياً متوزعة على 29 موقعاً في محافظات عمران، وذمار، وإب خلال موسم 2023، كشفت النتائج عن واقع صادم؛ إذ تم رصد حويصلات النيماتودا في تربة 121 حقلاً بنسبة إصابة بلغت 83.4 بالمئة.

وبرزت الكارثة الكارثة في محافظة إب التي سجلت تواجداً للآفة بنسبة 100%، تلتها بؤر شديدة في عمران، متسببة بخسائر فادحة في الغلة، وبلغت حد الفشل الكامل لزراعة البطاطس في بعض تلك المناطق، وفق دراسة كلية الزراعة في جامعة صنعاء.

دراسة حديثة شملت 145 حقلاً زراعياً في محافظات عمران، وذمار، وإب كشفت النتائج وجود حويصلات النيماتودا في تربة 121 حقلاً بنسبة إصابة بلغت 83.4%

وأمام هذا التراجع المقلق في الإنتاج، وبدافع الحفاظ على المحصول في ظل غياب الإرشاد الزراعي الكافي، لجأ بعض المزارعين إلى الاستخدام المفرط والعشوائي للمبيدات الكيميائية.

لم تقتصر تداعيات هذه الممارسة على الفشل في القضاء على النيماتودا المستقرة في أعماق التربة، بل امتدت لتشمل إبادة الكائنات الحية الدقيقة النافعة، والتأثير السلبي على البيئة والمياه الجوفية، ورفع كلفة الإنتاج إلى مستويات أثقلت كاهل الأسر الريفية، مما دفع بعض صغار المنتجين إلى هجر حقولهم.

جانب من قاع الحقل في منطقة كتاب حيث يزرع بمحصول البطاطس بمديرية يريم في محافظة إب (الصورة: مروان البعداني)

الاستجابة الزراعية لمواجهة الآفات المستوطنة

تعتمد غالبا خطط الاستجابة الناجحة في المنظمات والمراكز البحثية الدولية على خمس خطوات تنفيذية مترابطة، تنقل إدارة المشكلة من العشوائية الفردية إلى الاستجابة المؤسسية المنظمة، لمكافحة الآفات وحماية الإنتاج الزراعي.

  • المسوحات الميدانية وتحديد بؤر التفشي

المسح المنهجي للتربة لتحديد التفشي، بإجراء عمليات أخذ عينات منتظمة من التربة لتقدير عدد الأكياس 〈الحويصلات〉 الحيوية لكل غرام من التربة، مع تصنيف الأراضي كالتالي:

  1. عالية التلوث: وهذه الأراضي يُحظر فيها تماماً زراعة البطاطس، سواء كانت بطاطس تحفظ كبذور أو للاستهلاك المحلي.
  2. أودية ذات إصابة متوسطة أو منخفضة: تخضع هذه الأراضي لتدابير الإدارة المتكاملة للآفات واستخدام أصناف مقاومة.
  3. حقول نظيفة وغير ملوثة: تُخصص هذه الأراضي الزراعية كمناطق لإنتاج بذور البطاطس، وتخضع لعمليات رصد دورية صارمة.
  • الحجر الزراعي الداخلي وحماية مناطق إكثار البذور

– حماية استمرارية الإنتاج: بفصل البذور عن بطاطس المائدة المستخدمة للاستهلاك، بحيث يتم عزل المناطق المخصصة لإنتاج بذور البطاطس المعتمدة وضمان خلو مزارع الإكثار تماماً من النيماتودا.

– نظام اعتماد البذور: حظر تداول أو تسويق أي درنات بذرور في الأسواق ما لم تكن مصحوبة بشهادة تؤكد خلوها من أكياس النيماتودا، وعقد الجذور، ومرض الذبول البكتيري.

– تعقيم الآلات ومواد التعبئة: تنظيف الآلات الزراعية، والجرارات، وصناديق الحصاد باستخدام المياه المضغوطة قبل نقلها من حقل إلى آخر، وذلك لمنع انتقال التربة الملوثة.

  • الإدارة المتكاملة للآفات للمزارعين

– اتباع دورة زراعية صارمة (لمدة 3–4 سنوات): إدخال محاصيل لا تنتمي إلى الفصيلة الباذنجانية (مثل القمح، أو الشعير، أو الذرة، أو البقوليات)؛ مما يؤدي إلى كسر دورة حياة النيماتودا وحرمان الأكياس الكامنة في التربة من مصدر غذائها.

– المعالجة الشمسية: تتضمن هذه العملية حرث التربة، وخلطها بسماد عضوي متحلل جيداً أو بقايا المحاصيل، ثم تغطية سطح التربة بالاغطية البلاستيكية (بولي إيثيلين) خلال أشهر الصيف الحارة لمدة تتراوح بين 4 إلى 6 أسابيع. تؤدي هذه الخطوة إلى رفع درجة حرارة التربة إلى مستويات تقضي على يرقات النيماتودا وبذور الأعشاب الضارة.

– عوامل المكافحة الحيوية: تلقيح التربة بفطريات تتغذى على بيض ويرقات النيماتودا أو رش مستخلصات تحفز فقس البيض في غياب نبات البطاطس فتموت اليرقات جوعاً داخل التربة.

– تطوير وإدخال أصناف مقاومة: استنباط سلالات وراثية جديدة مقاومة لنيماتودا الحويصلات مع ضمان قدرتها على التكيف مع الظروف البيئية المحلية.

  • مدارس المزارعين الحقلية وتغيير الممارسات الزراعية

التعلم من خلال الممارسة عبر المدارس الحقلية للمزارعين، وإنشاء حقول إيضاحية للمقارنة بين حقول تُدار وفق الممارسات التقليدية واستخدام المبيدات، وحقول أخرى تُطبق فيها دورات زراعية، ومعالجة شمسية، وتُستخدم فيها بذور معتمدة وذلك لتمكين المزارعين من معاينة الفروق في المحصول وتكاليف الإنتاج بشكل مباشر.

وفق دراسة سجلت محافظة إب التي سجلت تواجد آفة نيماتودا حوصلات البطاطس بنسبة 100% (الصورة: الوجيه أبو أمير/ فيسبوك)

عمل حملات التوعية الميدانية، عبر توزيع ملصقات إرشادية وبث رسائل عبر الإذاعات المحلية لتوضيح أسباب فشل المبيدات في القضاء على النيماتودا المحمية داخل الحويصلات، وكيف يؤدي الإفراط في استخدام الكيماويات إلى تسميم التربة وهدر أموال المزارعين دون جدوى.

  • الإطار المؤسسي والتنسيق في حالات الطوارئ

إنشاء غرفة عمليات مشتركة، تضم ممثلين عن وزارة الزراعة، ومراكز البحوث الزراعية مثل الهيئة العامة للبحوث والإرشاد الزراعي، والشركة العامة لإنتاج تقاوي البطاطس، والتعاونيات الزراعية المختلفة في المحافظات اليمنية.

أيضاً التعاون من الشركاء الدوليين بالتنسيق مع منظمة الأغذية والزراعة 〈FAO〉 والمركز الدولي للبطاطس 〈CIP〉 للحصول على مواد وراثية مقاومة، وتحديث تجهيزات مختبرات علم النيماتودا 〈الديدان الثعبانية〉 لضمان التشخيص الدقيق لأنواع وسلالات النيماتودا باستخدام تقنيات التشخيص الجزيئي.

كيف روّضت بلدان نامية شبح النيماتودا؟

لا تنفرد المرتفعات اليمنية بمواجهة هذا الآفات الزراعية المختلفة، فقد مرت دول نامية رئيسية أخرى بأزمات مشابهة، ونجحت في تجاوزها من خلال تدخلات علمية واجتماعية ذكية لمكافحة.

ففي كينيا ومرتفعات شرق أفريقيا، دمرت الديدان الخيطية 〈النيماتودا〉 أكثر من 60% من محاصيل صغار المزارعين، لم يستسلم المعنيون لخطر الانهيار الاقتصادي أو مخاطر المبيدات السامة، بل شكلوا تحالفاً وطنياً، بالشراكة مع مراكز أبحاث دولية، أثمر حلولاً منخفضة التكلفة، مثل تغليف الدرنات والجذور بأوراق ألياف الموز واستخدام بذور مقاومة وراثياً، مما أدى إلى خفض انتشار هذه الآفة إلى النصف.

وبالمثل، في مرتفعات نيلجيري بالهند، ساهم تطبيق تدابير صارمة للحجر الزراعي الداخلي في إنقاذ قطاع البطاطس؛ إذ تمكنوا، من خلال عزل المناطق المصابة تماماً وفرض دورة زراعية تتضمن محاصيل حقلية بديلة، من استعادة سلامة التربة ووقف انتشار الآفة.

تُظهر هذه التجارب أن تجاوز هذه الازمة لا يمكن أن يتحقق بجهود فردية، بل يتطلب الأمر صياغة خطة استجابة وطنية عاجلة. وينبغي أن تبدأ هذه الخطة بتخصيص المناطق الرئيسية لإنتاج تقاوي البطاطس كمحميات زراعية تخضع لإجراءات حجر صحي داخلي صارمة، تمنع نقل التربة أو الدرنات غير المفحوصة من هذه المناطق أو إليها.

كما يجب أن تتضمن الخطة مبادرات مدعومة مجتمعياً، مثل استخدام الطاقة الشمسية لتعقيم التربة خلال ذروة حرارة الصيف، وتفعيل مدارس المزارعين الحقلية لتعزيز الممارسات الزراعية المسؤولة.

وتؤكد النجاحات المُحققة في بلدان أخرى أن النيماتودا، رغم خطورتها، ليست قدراً محتوماً، بل تحدٍ يحتاج إرادة مؤسسية قادرة على تحويل الممارسات الزراعية من الاعتماد العشوائي على المبيدات الفتاكة إلى تبنّي نظام الإدارة المتكاملة للآفات، بما يضمن حماية الأرض وسكانها على حد سواء.

إن إنقاذ محصول البطاطس في المرتفعات اليمنية ليس وقاية نباتية فقط، بل مهمة للحفاظ على سبل العيش وصمود المزارعين في الريف لحماية ما تبقى من شبكات الأمان الغذائي والاقتصادي في ظل الظروف الصعبة التي تعيشها البلاد.

وإذا استمر تجاهل هذا الوباء الخفي تحت التربة، فإن الثمن لن يكون مجرد تراجع في الإنتاجية، بل انهيار قطاع زراعي حيوي تعتمد عليه مئات الآلاف من الأسر، وهو ما يستدعي تحركاً تكاملياً قبل فوات الأوان.

بازل حسين السُمين، حاصل على الدكتوراه في علوم المحاصيل والإنتاج النباتي من جامعة الملك سعود، باحث في المركز الوطني للاصول الوراثية، نشرت عدة أبحاث علمية محكمة في دوريات دولية متخصصة في الزراعة المستدامة والممارسات الزراعية وإدارة المحاصيل.