الخميس, 1 أكتوبر 2026
منصة إعلامية يمنية مستقلة متخصصة في تغطية شؤون المجتمع الريفي في اليمن تهدف إلى تسليط الضوء على الأبعاد الاجتماعية والثقافية والاقتصادية.
كتابات

ذهب حجة.. من الاستكشاف الأجنبي إلى التنقيب الأهلي

ريف اليمن 📅 أكتوبر 1, 2026

لا يزال التنقيب العشوائي عن الذهب في محافظة حجة شمال غربي اليمن يسبب أحداث مأساوية، ففي يوم الثلاثاء 29 سبتمبر/أيلول 2026، انهار أحد مناجم الذهب التقليدية، ما أدى إلى وفاة ستة أشخاص وفقدان 14 آخرين، فيما تتواصل عمليات البحث عن المفقودين.

لكن ما قصة الذهب في حجة؟ ومتى بدأت عمليات الاستكشاف الرسمية؟ وهل استفاد السكان من هذه الثروة؟ وهل هناك تنظيم لهذا القطاع؟ ولماذا شهدت أعمال التنقيب تصاعدًا لافتًا؟ في هذا المقال، نحاول الإجابة عن هذه التساؤلات.

دفعت مؤشرات معدن الذهب في عدد من مناطق محافظة حجة شركات أجنبية، منذ تسعينيات القرن الماضي، إلى الحصول على تراخيص للاستكشاف والتنقيب، وتركزت أعمالها في أفلح الشام ووادي شرس وعاهم وحرض وبعلان.

وكانت منطقة الحارقة في مديرية أفلح الشام أبرز مواقع البحث عن الذهب، حيث نفذت شركات أجنبية أعمال مسح جيولوجي وجيوكيميائي وجيوفيزيائي، وحفرت آباراً استكشافية وحللت عينات من الصخور قبل أن تتوقف معظم الأعمال مع الأحداث التي شهدها اليمن منذ عام 2011، ثم الحرب التي أدت إلى تعليق المشاريع.


مواضيع مقترحة


ومع توقف الشركات، لم يتوقف البحث عن الذهب. فقد احتفظ عدد من أبناء المنطقة بالخبرات التي اكتسبوها خلال سنوات العمل في مشاريع الاستكشاف، وانتقل بعضهم إلى التنقيب الحرفي بوسائل محدودة، فتحول النشاط إلى مصدر دخل لعدد من الأسر، لكنه بقي مرتبطاً بمخاطر الحفر واستخدام وسائل استخلاص غير آمنة وتسويق جزء من الإنتاج خارج القنوات الرسمية.

شركات تبحث عن الذهب في جبال حجة

خلال العقود الماضية منحت هيئة المساحة الجيولوجية والثروات المعدنية اليمنية عدداً من الشركات الأجنبية تراخيص للاستكشاف والتنقيب عن الذهب في محافظة حجة وفق قانون المناجم والمحاجر ولائحته التنفيذية.

وكانت شركة «كانتكس ماين ديفلوبمنت» الكندية من أقدم الشركات التي عملت في المحافظة، إذ بدأت عام 1997 أعمالاً استكشافية في منطقة الحارقة بمديرية أفلح الشام ضمن مساحة أولية بلغت 71 كيلومتراً مربعاً، قبل أن تمتد أعمال المسح إلى مناطق أوسع ظهرت فيها مؤشرات لتمعدن الذهب.

ودخلت شركة «دبليو سي بي» الأسترالية لاحقاً في شراكة مع «كانتكس» لتطوير مشروع الحارقة، واستمر العمل إلى أن أدت ظروف الحرب إلى تعليق النشاط الميداني.

وفي وادي شرس حصلت شركة «ثاني دبي للتعدين» الإماراتية عام 2005 على ترخيص للاستكشاف ضمن منطقة امتياز بلغت مساحتها 343 كيلومتراً مربعاً، قبل أن تتوقف أعمالها عقب أحداث عام 2011.

وفي عام 2006 بدأت شركة «فولروك» السعودية نشاطاً استكشافياً في منطقة عاهم ووادي حرض ضمن مساحة امتياز قدرت بنحو 432 كيلومتراً مربعاً، لكنها أوقفت أعمالها أيضاً بعد أحداث 2011.

كما حصلت شركتا «في تي جي هولدنج» و«وسينا جروب» التركيتان في بداية عام 2013 على ترخيص للاستكشاف في بلوك حرض ومنطقة بعلان، إلا أن الظروف الأمنية حالت دون بدء أعمالهما الميدانية.

وجاء اهتمام الشركات بهذه المناطق استناداً إلى دراسات جيولوجية أشارت إلى وجود مؤشرات معدنية في أفلح الشام وحرض وشرس وكشر وعبس والشرفين. وتشمل هذه المؤشرات، إلى جانب الذهب، النحاس والنيكل والكوبالت، فضلاً عن أنواع من أحجار الزينة والرخام والجرانيت.

عمليات تنقيب في منجم أفلح الشام بمحافظة حجة محمية بقوات أمنية (الصورة: فيسبوك)

الحارقة.. سنوات من المسح والحفر

من قمة جبل نعمان، حيث يقع المركز الإداري لمديرية أفلح الشام، تتفرع طرق ترابية متعرجة وممرات جبلية شاقة تقود إلى منطقة الحارقة، التي تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى وجهة رئيسية للباحثين عن الذهب.

ولا تزال آثار الحفريات والأخاديد التي نفذت خلال مراحل الاستكشاف ظاهرة في أجزاء من المنطقة وعلى جوانب بعض الطرق المؤدية إلى مواقع العمل.

وبحسب مقابلة أجرتها مجلة «الإعلام الاقتصادي» مع المدير الجيولوجي الميداني لشركة كانتكس، بدأت أعمال اكتشاف تمعدنات الذهب في الحارقة وما حولها عام 1997 بواسطة شركة «كنديان ماونتين»، التي أصبحت لاحقاً «كانتكس».

وخلال الفترة من 1997 إلى 2011 نفذت الشركة دراسات شملت المسح الجيولوجي والجيوكيميائي والجيوفيزيائي، إلى جانب مسوحات للصخور السطحية وتحليل عينات مأخوذة من مواقع مختلفة.

وركزت الأعمال على منطقة الحارقة ومواقع مجاورة أظهرت مؤشرات لتمعدن الذهب، كما حفرت الشركة 202 بئر استكشافية بأعماق متفاوتة، بلغ مجموع أطوالها 24,291 متراً.

وشملت الأعمال تحليل عينات سطحية وتحت سطحية، إلى جانب دراسات تفصيلية لأربعة مواقع مجاورة ظهرت فيها مؤشرات إضافية للذهب.

ووفق البيانات الواردة في الدراسات، قدرت الكميات الأولية للصخور الحاملة لتمعدن الذهب في الحارقة بنحو 40 مليون طن، بمتوسط يتراوح بين 1.6 و2 جرام من الذهب في الطن الواحد.

وبقي المشروع في مرحلة الاستكشاف والتقييم الفني، ولم ينتقل إلى إنتاج تجاري للذهب قبل توقف أعمال الشركات.

سكان أفلح الشام يمواقع الاستكشاف

نفذ جزء من أعمال الشركة في أراضٍ مملوكة لمواطنين وأسر في المنطقة، ما أدى في بعض المراحل إلى اعتراضات ارتبطت بحقوق الملكية وطبيعة أعمال التعدين.

وترافقت تلك الإشكالات مع محدودية معرفة السكان بالتشريعات المنظمة للمناجم والمحاجر، وبالعلاقة بين ملكية الأرض وحقوق استغلال الثروات المعدنية الموجودة في باطنها.

واعتمدت الشركة على عمالة من أبناء المنطقة في عدد من الأعمال المرتبطة بالاستكشاف. ووفق البيانات التي أطلعنا عليها، شكل السكان المحليون نحو 95 في المائة من العاملين في إحدى مراحل المشروع.

وتلقى عدد منهم تدريباً على الحفر والتعامل مع الصخور والعينات والتعرف على مؤشرات التمعدن، ما منحهم خبرة عملية استمرت بعد توقف الشركة.

كما وفر المشروع خلال فترة عمله فرص دخل لسكان مناطق ريفية كانت تعتمد بصورة أساسية على الزراعة والرعي والعمل خارج المنطقة.

لكن الحرب أوقفت المشروع قبل الانتقال إلى مرحلة إنشاء منجم منتج، وبقيت الخبرة التي اكتسبها العاملون المحليون بعد مغادرة الشركات وتعليق أعمالها.

جانب من الجبال الشاهقة والوعرة في مديرية أفلح الشام بمحافظة حجة غربي اليمن (الصورة: عبد الرحمن راشد)

مهمة البحث عن الذهب

استفاد بعض العمال السابقين وسكان مديرية أفلح الشام من معرفتهم بالمواقع والصخور التي سبق أن خضعت للاستكشاف، وبدأ عدد منهم ممارسة التنقيب الحرفي بصورة فردية.

وتحول هذا النشاط إلى مصدر دخل لبعض الأسر، خصوصاً في القرى القريبة من مواقع الحفر والاستكشاف السابقة.

ويستخدم المنقبون أدوات محدودة للوصول إلى الصخور والمواد التي يعتقدون أنها تحتوي على الذهب، فيما يعمل بعضهم خلال ساعات الليل باستخدام الفوانيس والكشافات.

وتجري عمليات الحفر في مواقع جبلية لا تتوفر في كثير منها وسائل التدعيم الهندسي أو معدات السلامة، ما يعرض العاملين لخطر انهيار الأتربة والصخور داخل الحفر.

كما تزيد وعورة الطرق وبعد بعض المواقع عن مراكز الخدمات من صعوبة الوصول إلى العاملين عند وقوع الحوادث.

ويختلف هذا النشاط عن أعمال الشركات التي اعتمدت على المسوحات والدراسات والآبار الاستكشافية، إذ يعتمد المنقب الحرفي بدرجة كبيرة على خبرته بالموقع والصخور التي سبق أن ظهرت فيها مؤشرات للذهب.

الزئبق في عمليات الاستخلاص

لا تقتصر المخاطر على مرحلة الحفر، ووفق سكان محليون من المنطقة، تستخدم بعض الأسر مادة الزئبق في عمليات تقليدية لفصل الذهب عن بقية المواد.

ويعرض التعامل مع الزئبق دون وسائل حماية العاملين وأفراد الأسر لمخاطر صحية، كما يمكن أن يؤدي التخلص غير المنظم من مخلفاته إلى تلوث التربة والمياه.

وتشارك نساء في بعض مراحل استخلاص الذهب، ما يجعل التعامل مع المادة داخل نطاق الأسرة وليس في مواقع الحفر فقط.

ويحتاج استمرار نشاط التنقيب الحرفي إلى وسائل استخلاص أكثر أماناً، إلى جانب تدريب العاملين على التعامل مع المواد المستخدمة في معالجة الخام والتخلص من مخلفاتها.

العمل خارج السوق الرسمية

أدى انتشار التنقيب الفردي دون تنظيم كافٍ إلى ظهور سلسلة من الوسطاء الذين يشترون الذهب من المنقبين وينقلونه إلى أسواق أخرى.

وفي ظل غياب قنوات بيع موثقة، يصعب تحديد حجم الذهب المستخرج فعلياً أو الكميات التي تباع وقيمتها المالية.

كما يصعب تحديد حجم العائد الذي يصل إلى الأسر العاملة في التنقيب أو الإيرادات التي يمكن أن تحصل عليها الدولة والسلطات المحلية من النشاط.

ويرتبط ذلك بضعف حضور الجهات المنظمة للتعدين في المناطق الريفية، ومحدودية معرفة السكان بإجراءات الحصول على تراخيص لممارسة التنقيب الحرفي.

وينظم قانون المناجم والمحاجر أعمال التعدين، ويتيح ممارسة أنشطة حرفية وفق تراخيص وضوابط محددة، ما يوفر أساساً قانونياً لتنظيم النشاط القائم بدلاً من بقائه خارج القنوات الرسمية.

ويتطلب ذلك تحديد مواقع العمل، وتنظيم العلاقة مع أصحاب الأراضي، وإلزام المنقبين بوسائل السلامة، وضبط استخدام المواد الكيميائية، وتوثيق إنتاج الذهب ومسارات بيعه.

وتقول السلطات الأمنية في حجة أنها تضبط وتمنع اعمال التعدين غير القانونية، وفي يونيو 2025، أعلنت إنها ضبط معدات لاستخراج وطحن الذهب، منها 27 كيس تراب ذهب و4 طواحين ذهب.

وفي عام 2023 أغلقت 165 معمل وطاحونة، توزعت كالتالي 66 معملا بمديرية أفلح الشام و46 في كعيدنة و23 معملا في كشر و11في بني قيس و9 معامل وطاحونتين في مديرية عبس، وتوزعت البقية في مناطق أخرى.

وادي شرس في حجة تشير مسوحات ميدانية أنه غني بالثروات المعدنية (الصورة: عبد الرحمن راشد)

الذهب يغير مصادر الدخل

رغم المخاطر المرتبطة بالتنقيب، وفر النشاط مصدراً جديداً للدخل لعدد من الأسر في مناطق أفلح الشام.

وكان سكان أجزاء من هذه المناطق يعتمدون على الرعي وزراعة القات والعمل خارج المنطقة، فيما هاجر آخرون للعمل في السعودية بحثاً عن مصادر دخل.

ومع انتشار التنقيب الأهلي أصبح بعض السكان يعملون في قراهم ومحيطها، وارتبطت أعمال الحفر واستخلاص الذهب وبيعه بمصادر دخل لم تكن موجودة قبل بدء أنشطة الاستكشاف.

أدى دخول بعض الأسر إلى نشاط التنقيب إلى ظهور تغيرات في عدد من القرى، من بينها بناء مساكن جديدة وتحسن مستوى الإنفاق لدى أسر استفادت من بيع الذهب.

لكن هذه التغيرات ترتبط بنشاط غير منظم تتفاوت عوائده، فيما يتحمل العاملون مخاطر الحفر والتعامل مع الزئبق وتقلب أسعار البيع لدى الوسطاء والاستغلال، وحالة العشوائية التي تهدد هذا القطاع.

وإذا أردنا تلخيص ذلك، فقد بدأت قصة الذهب في أفلح الشام بشركات أجنبية حملت معدات المسح والحفر إلى المنطقة، ثم انتقلت بعد توقفها إلى منقبين محليين استفادوا من الخبرة التي اكتسبوها خلال سنوات العمل معها.

وبين المرحلتين بقي الذهب مورداً لم يصل إلى إنتاج صناعي منظم، بينما أصبح التنقيب الحرفي جزءاً من مصادر الدخل في بعض القرى، إلى جانب المخاطر التي ترتبط بانهيارات المناجم المتكررة.

ويعتمد انتقال هذا النشاط إلى وضع أكثر أماناً وتنظيماً على تطبيق إجراءات الترخيص، وتحسين وسائل الحفر والاستخلاص، وتنظيم بيع الذهب وتوثيق إنتاجه، بما يحفظ حقوق العاملين وأصحاب الأراضي والدولة.


المراجع

  • دراسة الوضع الجيولوجي والهيدرولوجي وتقييم ثروات الذهب والصخور الصناعية في محافظة حجة، عام 1921م. هيئة المساحة الجيولوجية – صنعاء.
  • نتائج المسح السياحي لمحافظة حجة، 1999م – الهيئة العامة للتنمية السياحية – صنعاء.
  • دراسات علمية جيولوجية، عام 1922م – هيئة المساحة الجيولوجية- حجة.
  • مجلة الإعلام الاقتصادي، العدد (12)، ديسمبر 2014م.
  • مجلة السياحة الفصلية، عدد مايو – يوليو 1996م.

ريف اليمن