الأربعاء, 14 أكتوبر 2026
منصة إعلامية يمنية مستقلة متخصصة في تغطية شؤون المجتمع الريفي في اليمن تهدف إلى تسليط الضوء على الأبعاد الاجتماعية والثقافية والاقتصادية.
معيشة

ارتفاع أسعار الغذاء.. حرب خفية تضاعف معاناة اليمنيين

عبدالله علي 📅 أكتوبر 14, 2026

تفاجأ محمد سعيد 〈48 عاماً〉 بارتفاع سعر كيس الطحين سعة 50 كيلو غراماً إلى 15 ألف ريال يمني عند توجهه إلى البقالة في إحدى قرى محافظة إب وسط اليمن لتتحول الزيادة في الأسعار إلى صدمة جديدة تُضاف إلى معاناته اليومية.

يقف سعيد وهو أب لسبعة أطفال، عاجزاً عن سد النقص بين متطلبات بيته ودخله القليل، إذ يعتمد على العمل اليومي، وهي المهنة التي تعاني خصوصاً بعد تراجع حركة العمران بسبب الارتفاع الكبير في أسعار الحديد والأسمنت.

ومع عودة التصعيد العسكري في اليمن، تتضاعف الضغوط على الأسر الريفية بسبب غلاء السلع الأساسية واضطراب الأسواق، وسط مخاوف من تفاقم الأوضاع المتفاقمة أصلا طوال سنوات الحرب التي شهدتها البلاد منذ عام 2015.


مواضيع مقترحة


غلاء يضاعف المعاناة

على وقع الأزمات المعيشية وانعدام فرص العمل، يجد المواطنون أنفسهم أمام خيارات قاسية لتأمين المواد الغذائية، إذ يقول سعيد بأن: الوضع أصبح لا يُطاق، كيس الدقيق سعة 50 كيلوغراماً كان سعره 14 ألف ريال يمني، واليوم قفز إلى 15 ألف ريال، أي بزيادة ألف ريال دفعة واحدة.

ويضيف لـ “ريف اليمن”: حتى السكر سعة 10 كيلوغرامات ارتفع من 4 آلاف ريال إلى 4,400 ريال يمني، الأرقام تبدو بسيطة عند البعض لكنها تعني بالنسبة لنا اقتطاعاً مباشراً من طعام أطفالنا، ولم يعد بإمكاننا التخطيط لأكثر من يومنا همنا الوحيد هو توفير الدقيق فقط.

وشهد شهر يوليو/ تموز 2026 بداية تحول في الصراع في اليمن، حيث اشتعلت المواجهات مجدداً لتنهي مرحلة من الهدوء النسبي الذي استمر منذ هدنة أبريل/نيسان 2022. وفي 3 سبتمبر/ أيلول، أدى تصاعد العمليات العسكرية إلى تفاقم المواجهات في ريف تعز والساحل الغربي ومحيط باب المندب وذباب.

وانعكس التصعيد على الحياة اليومية للسكان، إذ تزامن مع قرار رفع أسعار الوقود في صنعاء بنسبة 10%، مما تسبب فوراً في ارتفاع أسعار المواد الغذائية وغيرها من الخدمات.

وحذّرت تقارير ومنظمات دولية خلال الاسابيع الماضية تدهور إضافي في الوضع الإنساني، مشيرة إلى أن التصعيد العسكري تسبب في نزوح أكثر من 174 ألف شخص منذ أغسطس/آب 2026، وسط ظروف ميدانية صعبة وتزايد كبير في الاحتياجات الأساسية.

وتنعكس الأوضاع بشكل كبير على عمال الأجر اليومي الذين يتراجع دخلهم باستمرار، حيث يخرج الكثير منهم في معظم الأيام ويعودون دون الحصول على العمل حيث يضطر البعض منهم إلى الاقتراض من الجيران.

ولم يعد الضغط يقتصر على المائدة فقط، إذ امتد ليتجاوز قدرة الأسر على الاقتراض، حيث تراكمت الديون لدى أصحاب البقالات في الأحياء، حتى باتو يتحرجون من المرور أمام المحلات، لاسيما أن التجار أنفسهم يعانون لتوفير البضائع في ظل عجز السكان عن السداد.

عبء المعيشة في الريف

تزداد حدة الأزمة الاقتصادية في القرى الريفية؛ حيث تتسع الفجوة بين أسعار السلع في المدينة وسعرها النهائي للزَبون في الريف حيث تعد أجور النقل السبب الأساسي في الارتفاع، إذ تختلف أسعار القرى كثيراً عن مراكز المدن جراء وعورة الطرقات وانقطاعها، إلى جانب ارتفاع أسعار المشتقات النفطية.

تؤكد الصحفية خديجة خالد لـ “ريف اليمن” أن المواطن الريفي يخوض معركة يومية للبقاء في ظل عزلة جغرافية واقتصادية شديدة، إذ أن الريف الذي كان يوفر حداً أدنى من الاكتفاء الذاتي فقد معظم إمكانياته بسبب الجفاف وارتفاع أسعار الوقود والمدخلات الزراعية.

محمد سعيد: ارتفاع الاسعار تبدو بسيطة عند البعض لكنها تعني بالنسبة لنا اقتطاعاً مباشراً من طعام أطفالنا

ووفق محمد سعيد طال الغلاء معظم الاحتياجات والخدمات الأساسية، وفي مقدمتها حليب الأطفال والحفاضات، إلى جانب تكاليف الخدمات الطبية والنقل. ولا يقتصر أثر الارتفاع على سوء تغذيات الرضع، بل يتعداه إلى تجريد العائلات من أصولها المتبقية كالمواشي، مما يضعف أمانها المالي.

ويواجه تجار التجزئة والجملة صعوبات تمس استمرار أعمالهم، إذ يؤكد أحد التجار أن رفع الأسعار ليس ناتجاً عن الرغبة في زيادة الأرباح، بل بسبب ارتفاع تكاليف الشراء من الموردين وأجور النقل.

وأوضح أن رؤوس أموالهم تتآكل باستمرار؛ لكون بيع السلعة بسعرها الحالي لا يضمن القدرة على إعادة استيرادها بعد ارتفاع سعرها الجديد، لتصبح الأولوية لديهم هي الحفاظ على الحد الأدنى من المخزون وضمان بقاء محلاتهم مفتوحة.

تحذيرات من الجوع

تتضاعف الضغوط الاقتصادية في اليمن عقب التطورات العسكرية الأخيرة، وسط تحذيرات أممية ودولية من انعاكساتها المباشرة على حركة التجارة وأسواق السلع والوضع المعيشي للمواطنين.

وأدت التطورات الميدانية وإغلاق بعض الطرق الرئيسية إلى عرقلة نقل البضائع وإطالة مدة الشحن بين المحافظات، يأتي ذلك مع حدة تراجع الدعم الإنساني الدولي وارتفاع أسعار المشتقات النفطية، مما ضاعف من حدة الأزمة الاقتصادية.

وحذر برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، من أن تصاعد الصراع في اليمن قد قطع المساعدات المنقذة للحياة عن 800 ألف شخص في مدينة تعز وسط اليمن، والتي يوجد فيها أكبر عدد من النازحين داخلياً منذ بداية التصعيد.

وتُعيق خطوط المواجهة المتغيرة، والطرق المقطوعة، وتزايد انعدام الأمن، وصول المساعدات الإنسانية بشكل كبير إلى مدينة تعز وغيرها من المناطق المتضررة من الصراع، ووفق بيان المنظمة الدولية.

بحسب أحدث بيانات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «الفاو»، يواجه أكثر من 18.3 مليون شخص في اليمن نقصاً حاداً في الأمن الغذائي، جراء استمرار موجات النزوح، وتعثر سلاسل التوريد، وارتفاع أسعار الطاقة.

كما أكدت منظمة العمل ضد الجوع «ACF» في تقاريرها لعام 2026 أن اليمن يندرج ضمن أشد عشر مناطق معاناة من الجوع في العالم؛ إذ يحتل المرتبة السادسة عالمياً مع وجود نحو 16.7 مليون مواطن يواجهون صعوبات بالغة في تأمين غذائهم اليومي.

عبد الله علي، صحافي يمني مهتم بشؤون المجتمع عمل مراسل لعدد من المواقع المحلية والعربية.