الخميس, 8 أكتوبر 2026
منصة إعلامية يمنية مستقلة متخصصة في تغطية شؤون المجتمع الريفي في اليمن تهدف إلى تسليط الضوء على الأبعاد الاجتماعية والثقافية والاقتصادية.
حوار

فؤاد الصيادي: سوء إدارة المياه يهدد مستقبل الأمن المائي 〈2-1〉

📅 أكتوبر 8, 2026

يعتقد المستشار فؤاد الصيادي المتخصص في تحسين سُبل العيش وإدارة المياه، إن أزمة المياه في اليمن ليست فقط بسبب ندرتها، بل هناك سوء إدارة للموارد المائية وهناك استنزاف كبير يهدد مستقبل الأمن الغذائي والأجيال القادمة.

فؤاد الصيادي
نبذة شخصية عن المستشار فؤاد الصيادي (ريف اليمن)

وفي مقابلة مع منصة «ريف اليمن» التي ننشرها في جزئيين استعرض مشكلة المياه المعقدة في اليمن. وقال ‹إن شحة المياه جزء من طبيعة اليمن، لكن النمو السكاني وارتفاع الطلب، إلى جانب ضعف الإدارة والاستنزاف غير المستدام، حوّل ندرة المياه إلى أزمة مائية حادة›.

وأعتبر الصيادي بأن سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي شهد مرحلة التسارع الحقيقي في استنزاف المياه الجوفية، حيث وصلت بعض الآبار إلى ‹نقطة اللاعودة› مشيرا أن ‹التعافي أصبح صعباً وبطيئاً›.

وقال: ‹معالجة هذا المسار اليوم يتطلب حوكمة أقوى تجعل استخدام المياه أكثر انضباطاً وعدالة واستدامة›، ويضيف بإن ‹أهم درس هو أن إدارة المياه ليست مسألة هندسية فقط، بل أيضاً قواعد وحقوق وتنظيم اجتماعي›.

وعن الإرث التقليدي في إدارة المياه قديما في اليمن. قال بأن الأجداد ‹كانوا يفهمون أن المياه والأرض والتربة لا تدار كعناصر منفصلة، بل كمنظومة مترابطة، كانوا يديرون مياه الأمطار والسيول من أعلى المسقط إلى أسفله، ويطبقون قواعد واضحة لتوزيع المياه›.

ولأن الزراعة هي أكبر مستهلك للمياه في اليمن. وقال الصيادي بأن ‹المشكلة ليست في عامل واحد، هي مزيج من نوع المحاصيل وكفاءة الري والنموذج الاقتصادي للزراعة، ولذلك يجب ربط السياسة الزراعية بوضع أحواض المياه›.

وأوضح بأن ‹اختزال الأزمة في القات وحده ليس دقيقاً، لكن من الخطأ التقليل من دوره، حيث يعد أكبر مصادر الضغط على المياه الجوفية، خاصة في الأحواض المرتفعة التي تعاني أصلاً من عجز مائي›.

إقتباسات من مقابلة المستشار فؤاد الصيادي (ريف اليمن)

إليكم نص المقابلة


  • حين نتحدث عن أزمة المياه في اليمن، هل نحن أمام أزمة ندرة مياه، أم أزمة إدارة للموارد المائية؟

أعتقد أن أزمة المياه في اليمن تجمع بين الندرة الطبيعية وضعف الإدارة. اليمن بلد جاف وشبه جاف، وموارده المائية المتجددة محدودة، لكن المجتمعات اليمنية استطاعت لقرون التكيف مع هذا الواقع عبر حصاد مياه الأمطار، والري السيلي، والمدرجات الزراعية، والعيون والغيول، إضافة إلى أنظمة عرفية تنظيم توزيع المياه.

تفاقمت الأزمة مع النمو السكاني وارتفاع الطلب، والتوسع في الزراعة المروية، والاعتماد المتزايد على المياه الجوفية، في ظل ضعف التخطيط والتنسيق المؤسسي وإنفاذ القوانين.

باختصار، الندرة جزء من طبيعة اليمن، لكن النمو السكاني وارتفاع الطلب، إلى جانب ضعف الإدارة والاستنزاف غير المستدام، حوّل هذه الندرة إلى أزمة مائية حادة.

شحة المياه جزء من طبيعة اليمن لكن النمو السكاني وارتفاع الطلب إلى جانب ضعف الإدارة والاستنزاف غير المستدام حوّلها إلى أزمة مائية حادة

  • متى بدأت نقطة التحول في إدارة المياه في اليمن، وما العوامل التي قادت إلى الاستنزاف المتسارع للمياه الجوفية؟ وهل المشكلة اليوم تقنية فقط، أم أنها مرتبطة أيضاً بالحوكمة وبطريقة تقييم واستخدام المورد المائي؟

بدأت نقطة التحول تقنياً في ستينيات القرن الماضي مع انتشار حفر الآبار الأنبوبية واستخدام المضخات، لكن الاستنزاف المتسارع أصبح أكثر وضوحاً خلال السبعينيات والثمانينيات.

قبل ذلك، كان الاعتماد بدرجة كبيرة على الأمطار والسيول والعيون والغيول، وعلى نظم محلية لتنظيم المياه وتوزيعها. ومع انتشار تقنيات الحفر والضخ أصبحت المياه الجوفية أكثر سهولة في الوصول، ثم جاءت سياسات حكومية في السبعينيات والثمانينيات شجعت التوسع الزراعي من خلال القروض الميسرة لشراء مضخات المياه ومعدات استصلاح الأراضي، إلى جانب دعم أسعار الديزل.

وقد تناولت هذه التحولات بشكل موسع في رسالة الماجستير التي أعددتها عام 2024 بعنوان ‹حوكمة إدارة المياه باليمن في ضوء مبادئ منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية›. درست فيها التطور التاريخي لإدارة المياه، ثم قيّمت واقع الحوكمة المائية باستخدام مبادئ منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، واستندت إلى مراجعة الأدبيات وإلى مقابلات مع مسؤولين وفنيين من الجهات الرئيسية المعنية بالمياه في اليمن.

الصيادي: ما خسرناه ليس فقط بعض المنشآت التقليدية، بل جزءاً من ثقافة إدارة المياه باعتبارها مورداً محدوداً ومشتركاً يحتاج إلى تنظيم وعدالة بين المستخدمين والأجيال

ومن أبرز ما توصل إليه البحث أن أزمة المياه لا ترتبط بنقص الموارد فقط، بل بضعف القدرة على تحقيق التوازن بين ما يتجدد من المياه وما يتم سحبه سنوياً، إضافة إلى ضعف التخطيط المائي، وتماسك السياسات، والبيانات، وإنفاذ القوانين، والتنسيق بين الجهات المسؤولة.

كما كانت من أهم التوصيات ضرورة التعامل مع المياه باعتبارها مورداً له قيمة اقتصادية، وليس مورداً متاحاً بلا تكلفة. ولهذا ركزت على تفعيل مبدأي ‹المستخدم يدفع› و‹الملوث يدفع›.

المستخدم الذي يستهلك كميات كبيرة من المياه ينبغي أن يتحمل جزءاً من كلفة استخدام هذا المورد، بينما يتحمل الملوث كلفة الضرر الذي يسببه ومعالجة التلوث الناتج عنه.

والهدف من ذلك ليس تحصيل الرسوم بحد ذاته، بل تقليل الهدر وتغيير السلوك وتوفير موارد مالية يعاد استثمارها في حماية الأحواض، وتنمية الموارد المائية وصيانة المدرجات وحصاد مياه الأمطار وتحسين كفاءة الري.

لذلك أرى أن الستينيات تمثل بداية التحول التقني بينما تمثل السبعينيات والثمانينيات مرحلة التسارع الحقيقي في استنزاف المياه الجوفية. ومعالجة هذا المسار اليوم تتطلب ليس فقط مزيداً من البنية التحتية، بل أيضاً حوكمة أقوى تجعل استخدام المياه أكثر انضباطاً وعدالة واستدامة.

  • ما الذي كان اليمنيون القدماء يفهمونه عن إدارة المياه والأرض ولم نعد نطبقه اليوم؟

اليمنيون قديماً كانوا يفهمون أن المياه والأرض والتربة لا تدار كعناصر منفصلة بل كمنظومة مترابطة. كانوا يديرون مياه الأمطار والسيول من أعلى المسقط إلى أسفله، ويحافظون على المدرجات، وينظمون الري السيلي، ويستخدمون السدود والبرك والعيون، ويطبقون قواعد واضحة لتوزيع المياه.

كما استخدموا أنظمة عرفية مثل الأعلى فالأعلى، والأول فالأول، ونظام التوقيت في وادي زبيد، والأهم أنهم تعاملوا مع الندرة من خلال إدارة الطلب وتقاسم المورد المتاح من المياه.

ما خسرناه ليس فقط بعض المنشآت التقليدية، بل جزءاً من ثقافة إدارة المياه باعتبارها مورداً محدوداً ومشتركاً يحتاج إلى تنظيم وعدالة بين المستخدمين والأجيال.

  • هل كانت السدود والمدرجات وحصاد الأمطار تعمل كمنظومة واحدة، وما الذي خسرناه عندما تفككت هذه المنظومة؟

نعم، كانت السدود والمدرجات ومنشآت الري السيلي ووسائل حصاد مياه الأمطار تعمل ضمن منظومة مترابطة لإدارة المياه والأرض.

المدرجات تبطئ الجريان وتحافظ على التربة، والغطاء النباتي يقلل التعرية، والري السيلي يوزع مياه الأودية على الأراضي الزراعية، بينما تساعد السدود والبرك ومنشآت الحصاد على تنظيم الاستفادة من المياه.

وعندما تضعف هذه المنظومة تزداد سرعة الجريان السطحي والتعرية والرواسب وتتدهور المدرجات، ويزداد الضغط على المياه الجوفية، كما تنخفض كفاءة بعض المنشآت بسبب ضعف التشغيل والصيانة.

الصيادي: انهيار المدرجات لا يعني خسارة مشهد تراثي فقط، بل فقدان جزء من نظام إدارة المياه والمطلوب ليس فقط حجز السيول بل إدارتها من الجبل إلى الوادي

  • هل يمكن استعادة جزء من منظومة إدارة المياه التقليدية؟

لا أعتقد أن العودة إلى المنظومة القديمة كما كانت ممكنة أو مطلوبة، لأن السكان والاقتصاد والزراعة والمناخ تغيروا كثيراً خلال عقود طويلة.

لكن يمكن استعادة المبادئ التي أثبتت نجاحها ودمجها مع المعرفة والتقنيات الحديثة، مثل إعادة تأهيل المدرجات، وحماية الغطاء النباتي، وإدارة المساقط، وحصاد مياه الأمطار والسيول، ودعم الزراعة المطرية، وتحسين كفاءة الري، وتنظيم استخدام المياه الجوفية على مستوى الأحواض.

نحن لا نحتاج إلى العودة إلى الماضي، بل إلى استعادة ما كان ناجحاً فيه ودمجه مع العلم والتكنولوجيا والحوكمة الحديثة.

  • في مقال لك منشور على موقعنا، تقول إن الماء لا ينبغي أن يُدار بمعزل عن الأرض والتربة والغطاء النباتي. كيف نفهم هذه العلاقة؟

المياه تبدأ رحلتها منذ لحظة سقوط المطر على سطح الأرض. عندما تكون الأرض عارية، تتفكك التربة ويزداد الجريان السطحي وحمل الرواسب. وعندما يوجد غطاء نباتي جيد، تخف قوة قطرات المطر، وتتحسن بنية التربة وقدرتها على امتصاص المياه والاحتفاظ بجزء منها.

وتكمل المدرجات هذه الوظيفة عبر إبطاء حركة المياه وتقليل الانجراف، ثم تأتي الحواجز ومنشآت الحصاد والسدود في مراحل لاحقة.

ولهذا يجب أن تبدأ إدارة المسقط من أعلى الجبل، لا من أسفل الوادي فقط. أما التغذية الجوفية فتعتمد أيضاً على طبيعة التربة والصخور وعمق الخزان والظروف المحلية.

  • المدرجات الزراعية تُقدَّم غالباً باعتبارها تراثاً. لماذا يجب أن ننظر إليها أيضاً باعتبارها بنية تحتية مائية؟

لأن المدرجات لا تحفظ الأرض فقط، بل تدير حركة المياه على المنحدرات. هي تبطئ الجريان السطحي، وتقلل انجراف التربة، وتمنح مياه الأمطار وقتاً أطول للتسرب داخل التربة، وتساعد على الاحتفاظ بالرطوبة وتقليل انتقال الرواسب إلى الأودية.

ولهذا فإن انهيار المدرجات لا يعني خسارة مشهد تراثي فقط بل فقدان جزء من نظام إدارة المياه في المسقط المائي، صيانتها استثمار في المياه والتربة وتقليل مخاطر السيول.

  • هل يمكن أن تكون إعادة تأهيل المدرجات أكثر أهمية في بعض المناطق من بناء سدود جديدة؟

نعم. المدرجات تعمل في أعلى المسقط حيث تبدأ المشكلة، بينما يأتي السد في مرحلة لاحقة بعد أن تكون المياه قد تجمعت وحملت معها التربة والرواسب.

لذلك لا ينبغي أن يكون السؤال دائماً: أين نبني سداً جديداً؟ بل: أين تبدأ المشكلة، وما التدخل الأكثر فاعلية وأقل كلفة؟

في بعض المناطق قد يكون إصلاح المدرجات وحماية التربة والغطاء النباتي أكثر استدامة من إضافة منشأة مياة جديدة جديدة تحتاج لاحقاً إلى صيانة وإزالة رسوبيات.

  • لماذا لا نتعامل مع الغطاء النباتي والتربة باعتبارهما جزءاً من البنية التحتية لإدارة المياه؟

لأن مفهوم البنية التحتية لدينا ما زال مرتبطاً غالباً بالخرسانة والمنشآت. لكن التربة والغطاء النباتي يؤديان وظائف مائية أساسية. فهما يخففان الجريان السريع والتعرية، ويقللان الرواسب، ويساعدان الأرض على الاحتفاظ بالمياه مدة أطول.

لذلك أرى أن حماية التربة والغطاء النباتي ليست عملاً بيئياً جانبياً، بل جزء من البنية التحتية المائية الطبيعية، ويجب أن تدخل في التخطيط والتمويل بجدية مماثلة للمنشآت الهندسية.

  • هل يمكن تحويل السيول من خطر يهدد القرى والأراضي إلى مورد استراتيجي للمياه؟ وما الذي يمنعنا من ذلك؟

نعم، وهذا أحد أهم التحديات والفرص في اليمن، عندما نترك المياه تتجمع بسرعة ثم تمر في الأودية دون إدارة، تتحول إلى قوة مدمرة. أما عندما نبطئها ونوزعها ونستخدم المدرجات والحواجز والري السيلي والخزانات والسدود في المواقع المناسبة، فإن جزءاً كبيراً من الخطر يتحول إلى مورد.

ما يمنعنا اليوم هو ضعف إدارة المساقط، وتدهور المدرجات، وضعف صيانة المنشآت، ونقص البيانات والتخطيط والتنسيق.

المطلوب ليس فقط ‹حجز السيول› بل إدارة رحلتها منذ سقوط المطر وحتى وصول المياه إلى الوادي.

  • ما الذي يمكن أن نتعلمه اليوم من أنظمة الري السيلي التي طورها اليمنيون عبر قرون؟

أهم درس هو أن إدارة المياه ليست مسألة هندسية فقط، بل أيضاً قواعد وحقوق وتنظيم اجتماعي.

أنظمة الري السيلي اعتمدت على تحويل مياه السيول إلى الأراضي الزراعية، لكن نجاحها ارتبط أيضاً بقواعد واضحة لتوزيع المياه وتحديد الأولويات والحقوق.

ويمكن تلخيص الدرس في ثلاثة أمور: إدارة الموارد على مستوى الوادي كله، ووجود قواعد عادلة وواضحة للتوزيع، وإشراك المستخدمين في التشغيل والصيانة وحل النزاعات. التكنولوجيا وحدها لا تكفي.

بالنسبة لإستنزاف المياه الجوفية بإستخدام الطاقة الشمسية تكمن المشكلة في ضخ مورد محدود من دون قياس أو حصص أو رقابة

  • هل أخطأنا عندما ركزنا على بناء منشآت مائية منفردة، بدلاً من إدارة الحوض المائي بأكمله من المنبع إلى المصب؟

نعم، في كثير من الحالات كان هذا جزءاً من المشكلة. بناء سد أو حاجز لا يكفي إذا كانت المدرجات متدهورة، والغطاء النباتي ضعيفاً، والتربة معرضة للانجراف.

كما أن بعض المنشآت نُفذت من دون ربط واضح بالتشغيل والصيانة وتوزيع المياه وحقوق المستخدمين.

النهج الأفضل هو إدارة الحوض كوحدة واحدة: حماية المنحدرات والمدرجات والغطاء النباتي في الأعلى، وتنظيم الجريان في الوسط، ثم استخدام الحواجز والري السيلي والسدود والخزانات في المواقع المناسبة.

  • لماذا أصبحت المياه الجوفية محوراً رئيسياً للأزمة المائية في اليمن؟ وهل وصل بعض الأحواض إلى مرحلة يصعب معها التعافي؟

أصبحت المياه الجوفية محور الأزمة لأن اليمن انتقل خلال العقود الأخيرة إلى اعتماد متزايد على الآبار، بالتزامن مع التوسع في الزراعة المروية والنمو السكاني وارتفاع الطلب.

في عدد من الأحواض تجاوز السحب ما يتجدد طبيعياً فانخفض منسوب المياه فيها وأصبحت بعض الآبار أعمق وأكثر كلفة بعض الأحواض مثل صنعاء وعمران وذمار وصعدة وتعز وصلت إلى أوضاع حرجة.

ولا أفضل القول إنها وصلت إلى ‹نقطة اللاعودة› والأدق أن التعافي أصبح صعباً وبطيئاً، ويحتاج إلى خفض السحب وحماية مناطق التغذية وإدارة الحوض على أساس موازنة مائية حقيقية.

  • هل المشكلة اليوم في كثرة الآبار، أم في كمية المياه التي تُضخ من كل بئر، أم في غياب الرقابة؟

المشكلة في الإثنين معاً وتزداد بسبب ضعف الرقابة. كثرة الآبار تزيد نقاط السحب، لكن عدد الآبار وحده لا يوضح حجم الاستنزاف. بئر يعمل لساعات طويلة قد يسحب أكثر من عدة آبار تعمل لفترات محدودة.

لذلك نحتاج إلى معرفة عدد الآبار وكمية الضخ وساعات التشغيل والغرض من الاستخدام، والسؤال الأهم ليس فقط: كم بئراً لدينا؟ بل: كم متراً مكعباً نسحب من كل حوض سنوياً، وهل يتجاوز ذلك قدرته على التجدد؟

  • إلى أي مدى غيّرت الطاقة الشمسية معادلة المياه الجوفية، وهل يمكن أن تتحول من حل لأزمة في تسريع استنزاف المياه؟

الطاقة الشمسية غيّرت معادلة الضخ بشكل كبير، في السابق كان توفر الوقود وسعره يحدان من ساعات التشغيل، أما اليوم فأصبح المزارع قادراً على الضخ لساعات أطول وبتكلفة أقل.

هذا مفيد من ناحية خفض تكاليف الإنتاج، لكنه يصبح خطراً عندما لا يرتبط بتنظيم كمية المياه المسحوبة. المشكلة ليست في الطاقة الشمسية نفسها، بل في استخدامها لضخ مورد محدود من دون قياس أو حصص أو رقابة.

لذلك يجب ربط استخدامها بكفاءة الري، ونوع المحصول، ووضع الحوض، وكمية المياه المسموح بسحبها.

  • هل يمكن أن نستمر في ضخ المياه الجوفية بالمعدلات الحالية ونحافظ في الوقت نفسه على الزراعة والأمن الغذائي؟

لا، ليس على المدى الطويل. إذا استمر السحب بمعدل يفوق التجدد، سيواصل منسوب المياه الانخفاض، وترتفع تكلفة الضخ، وتجف الآبار الأقل عمقاً أولاً، ويتضرر صغار المزارعين والزراعة نفسها.

الحل ليس إيقاف الزراعة، بل تغيير نموذجها: دعم الزراعة المطرية، وتحسين كفاءة الري، وتشجيع المحاصيل الأقل استهلاكاً للمياه، وربط الإنتاج الزراعي بوضع كل حوض مائي.

لا يمكن حماية الأمن الغذائي عبر استنزاف المصدر المائي الذي تعتمد عليه الزراعة.

اختزال أزمة المياه في زراعة في القات وحده ليس دقيقاً، لكن من الخطأ التقليل من دوره لأنه من أكبر مصادر الضغط على المياه الجوفية

  • الزراعة هي أكبر مستهلك للمياه في اليمن. فهل المشكلة في نوع المحاصيل، أم في أساليب الري، أم في النموذج الاقتصادي للزراعة؟

المشكلة ليست في عامل واحد. هي مزيج من نوع المحاصيل وكفاءة الري والنموذج الاقتصادي للزراعة.

بعض المحاصيل تستهلك كميات كبيرة من المياه، وما تزال أساليب الري في مناطق كثيرة منخفضة الكفاءة، بينما يشجع النموذج الاقتصادي المزارع على تعظيم الإنتاج حتى في الأحواض التي تعاني من العجز.

لذلك يجب ربط السياسة الزراعية بوضع كل حوض، وتشجيع الزراعة المطرية والمحاصيل الأعلى قيمة والأقل استهلاكاً للمياه.

  • هل اختزال أزمة المياه في زراعة القات يبعدنا عن الأسباب الأعمق للأزمة؟

اختزال الأزمة في زراعة القات وحده ليس دقيقاً، لكن من الخطأ التقليل من دوره، القات من أكبر مصادر الضغط على المياه الجوفية، خاصة في الأحواض المرتفعة التي تعاني أصلاً من عجز مائي.

المشكلة لا تتعلق فقط بالمساحات المزروعة، بل أيضاً بتغير نمط خدمته وحصاده. ففي السابق كان يُقطف عادة مرتين أو ثلاث مرات في العام، بينما أصبح في كثير من المناطق يُقطف مرات أكثر قد تصل إلى نحو عشر مرات سنوياً، وكل دورة إضافية تعني مزيداً من الري.

نحن نستخدم مورداً نادراً ومهدداً بالنضوب لإنتاج محصول غير غذائي. لذلك أرى ضرورة وقف أي توسع جديد في القات داخل الأحواض الحرجة، ووضع قيود تدريجية على استهلاكه للمياه، مع توفير بدائل اقتصادية حقيقية للمزارعين.

ومع ذلك، تبقى الأزمة أوسع من محصول واحد، وتشمل الحفر غير المنظم، والضخ غير المنضبط، وضعف كفاءة الري والحوكمة.

  • كيف يمكن إقناع المزارع بالانتقال إلى محاصيل أقل استهلاكاً للمياه إذا كان المحصول الحالي هو مصدر دخله الأساسي؟

لا يمكن إقناع المزارع بالرسائل التوعوية وحدها. المزارع سيتغير عندما يرى أن البديل يحافظ على دخله أو يحسنه ويقلل مخاطره.

أتذكر أن مزارعين سمعوا في جلسة توعية عبارة: «حافظوا على المياه من أجل مستقبل الأجيال»، فردوا ببساطة: «وماذا نأكل غداً؟». وهذا يلخص المشكلة.

لذلك يجب أن يأتي التحول ضمن حزمة متكاملة تشمل محاصيل أقل استهلاكاً وأعلى قيمة، ومدخلات مناسبة، ووصولاً أفضل إلى السوق، ورياً أكثر كفاءة، وحوافز خلال فترة الانتقال. الاستدامة يجب أن تكون مجدية اقتصادياً للمزارع.

  • ما الذي تستطيع الزراعة الذكية مناخياً والزراعة التجديدية أن تقدماه فعلياً للمزارع اليمني، وليس فقط على مستوى المفاهيم؟

الفائدة تظهر عندما تتحول المفاهيم إلى ممارسات في الحقل. الزراعة الذكية مناخياً تساعد المزارع على التعامل مع تقلب الأمطار والحرارة عبر اختيار أصناف ملائمة، وتحسين إدارة مياه الري، وتعديل مواعيد الزراعة، وتقليل المخاطر.

أما الزراعة التجديدية فتركز على استعادة صحة التربة وزيادة قدرتها على الاحتفاظ بالرطوبة وتقليل التعرية، من خلال تغطية التربة، وزيادة المادة العضوية، وتقليل الحراثة المفرطة، وتنويع المحاصيل.

بالنسبة للمزارع اليمني، القيمة الحقيقية هي خفض كلفة الإنتاج، والاحتفاظ بالرطوبة مدة أطول، وتقليل فقدان التربة، وتحسين القدرة على الصمود أمام الجفاف والأمطار الشديدة.