ترتفع درجة حرارة المحيطات بوتيرة مثيرة للقلق، مما يؤدي إلى عواقب بعيدة المدى لم يكن العالم مستعداً لها،بحسب تقرير صادر عن أكثر من 100 عالم على مستوى العالم.
يستند التقرير العاشر لحالة المحيطات الصادر عن برنامج كوبرنيكوس، والذي نُشر مؤخراً، إلى أكثر من أربعة عقود من البيانات من الأقمار الصناعية والعوامات وأجهزة الاستشعار لقياس نبض محيطات العالم مقدماً ‹أشد تحذير حتى الآن› بشأن التغيرات العميقة التي تعاني منها، وفق شبكة «CNN».
‹المحيط يتحول أمام أعيننا، الاحترار وارتفاع منسوب البحار وتدهور النظام البيئي هي علامات مترابطة على تغيير كبير وطويل الأمد› هذا ما قاله بيير باهوريل، المدير العام لمؤسسة ميركاتور أوشن الدولية، وهي مؤسسة بحثية غير ربحية أصدرت التقرير.
مواضيع مقترحة
- تغير المناخ يُفاقم ظاهرة النينيو.. كيف ستتأثر أسعار الغذاء عام 2027؟
- ماذا تخبرنا موجات الحر عن تغير المناخ؟
- موجات الحرارة قد تقتل أكثر من الأوبئة مستقبلاً
حرارة المحيطات
إضافةً إلى التغيرات طويلة الأمد التي حددها التقرير، تضيف ظاهرة النينيو الهائلة مزيداً من الضغط. فهذا النمط المناخي الطبيعي، الذي يتسم بارتفاع درجة حرارة المياه على طول خط الاستواء في المحيط الهادئ عن المعدل الطبيعي، في طريقه ليكون الأقوى على الإطلاق.
وتمتص المحيطات العالمية ما يقرب من 90% من الحرارة الزائدة الناتجة عن حرق البشر للوقود الأحفوري، وهي ترتفع درجة حرارتها بوتيرة مقلقة. بحسب التقرير.
وقد تضاعف معدل ارتفاع درجة حرارة المحيطات على مدى السنوات العشرين الماضية، ووصلت درجات حرارة سطح البحر إلى مستويات قياسية ففي عامي 2023 و2024 ومرة أخرى في عام 2026.
وامتصّت محيطات العالم خلال 2025 نحو 23 زيتا جول، مسجلةً رقمًا قياسيًا جديدًا للعام التاسع على التوالي، ولتوضيح ذلك فإن هذه الكمية تعادل طاقة 12 قنبلة هيروشيما تنفجر كل ثانية لمدة عام، أو ما يقارب 40 ضعف الطاقة التي استهلكها العالم بأسره.
كل هذه الحرارة لها تأثيرات هائلة، فهي تؤدي إلى موجات حرارية بحرية، وتغذي عواصف أقوى وأكثر تدميراً، وتضر بالحياة البحرية وتزيد من ارتفاع مستوى سطح البحر، وذلك بسبب ذوبان الجليد ولأن المياه الدافئة تشغل مساحة أكبر.
وقد ارتفع متوسط مستوى سطح البحر العالمي بنحو 0.15 بوصة سنوياً 〈3.8 مليمترات〉 منذ عام 1999 ليصل إلى ما يقرب من 4 بوصات، مع تسارع المعدلات منذ عام 2012 مما يهدد مئات الملايين الذين يعيشون في المناطق الساحلية.

محيطات أكثر حمضية
كما أصبحت المحيطات أكثر حمضية بنسبة 17% تقريبًا منذ عام 1985، حيث تمتص كميات متزايدة من تلوث الكربون.ويُطلق على تحمض المحيطات أحيانًا اسم «التوأم الشرير لتغير المناخ» بسبب الضرر الذي يلحقه بالنظم البيئية تحت الماء، بما في ذلك جعل من الصعب على الحيوانات مثل المحار وجراد البحر والشعاب المرجانية بناء وصيانة الأصداف والهياكل العظمية.
تتعرض بعض المناطق لضغوط شديدة جراء التغيرات التي تحدث مع ارتفاع درجة حرارة العالم. وقالت كارينا فون شوكمان، مؤلفة التقرير وكبيرة المستشارين في منظمة «ميركاتور أوشن» الدولية ‹إن البحار الأوروبية تتعرض لضغوط شديدة›.
ووجد التقرير أن البحر الأبيض المتوسط والبحر الأسود شهدا موجات حرارة بحرية قياسية في عام 2024، حيث استمر بعضها لأكثر من 30 يومًا ورفع درجات حرارة المياه بأكثر من 8.3 درجة فهرنهايت 〈4.6 درجة مئوية〉 فوق المتوسط.
وكما قالت بلانكا فرنانديز ألفاريز، مؤلفة التقرير والباحثة في معهد البحر الأبيض المتوسط للدراسات المتقدمة ‹هذه ليست موجات حارة معزولة إنها تحدث في ظل خلفية من الاحترار المستمر للمحيطات الذي يغير الظروف التي تواجهها النظم البيئية البحرية›.
تُخلّف الظواهر البحرية المتطرفة آثاراً بالغة على الناس. وأشار التقرير إلى عاصفة لويس في عام 2024، التي جلبت أمواجاً بارتفاع 26 قدماً إلى أجزاء من الساحل الإسباني، مما تسبب في وفاة شخص وانقطاع واسع النطاق للتيار الكهربائي، وأضرارا في البنية التحتية.
في العام نفسه، جلبت عاصفة رياحاً عاتية ومستمرة إلى خليج بوثنيا، الواقع بين السويد وفنلندا، ودفعت كميات هائلة من المياه خارج الخليج، مما أدى إلى انخفاض مستوى سطح البحر بمقدار 60 بوصة، وأجبر العبّارات على التوقف عن العمل لمدة 18 ساعة.
أين تحدث أكبر التغييرات المحيطية؟
تشهد منطقة القطب الشمالي، التي تشهد ارتفاعاً سريعاً في درجات الحرارة، بعضاً من أكبر التغيرات المحيطية، حيث ارتفعت درجة حرارة سطح البحر بنحو 4.2 درجة مئوية 〈7.6 درجة فهرنهايت〉 خلال العقود الأربعة الماضية.
وانخفض متوسط مستوى الجليد البحري شهرياً بنحو 190 ألف ميل مربع لكل عقد بين عامي 1979 و2025، أي ما يعادل فقدان مساحة بحجم إسبانيا تقريباً كل عشر سنوات.
في الطرف الآخر من العالم، تزامن انخفاض مستوى الجليد البحري في القطب الجنوبي إلى مستوى قياسي عام 2022 مع أول فشل جماعي مسجل في تكاثر طيور البطريق الإمبراطور . وأشار التقرير إلى أن هذا ‹مؤشر على أن تغير المناخ يعيد تشكيل موائل الأنواع التي تعتمد على الجليد›.
لعل أكثر الدول تعرضاً لتغيرات المحيطات هي الدول الجزرية الصغيرة النامية التي تقع في الخطوط الأمامية لارتفاع مستوى سطح البحر، والأعاصير المتزايدة الشدة، والعواصف المدية، ونفوق الشعاب المرجانية.
وقال فون شوكمان: ‹بالنسبة للدول الجزرية، فإن تغير المحيط ليس قضية بيئية بعيدة، بل هو تحدٍ اقتصادي وتنموي وأمني فوري، وتحذير مما ستواجهه العديد من السواحل الأخرى في المستقبل›.
يدعو التقرير إلى مراقبة مستمرة للمحيطات لضمان حصول الحكومات والمجتمعات على المعلومات التي تحتاجها للاستعداد لما هو قادم. يؤكد باهوريل ‹إن مسؤوليتنا هي بناء القدرة الدائمة على توقع هذا التحول›.





