الخميس, 5 نوفمبر 2026
منصة إعلامية يمنية مستقلة متخصصة في تغطية شؤون المجتمع الريفي في اليمن تهدف إلى تسليط الضوء على الأبعاد الاجتماعية والثقافية والاقتصادية.
مياه

قرية تبالة.. واحة حضرموت بين شبح الجفاف وتحدي البقاء

📅 نوفمبر 5, 2026

تواجه قرية تبالة في مديرية الشحر بمحافظة حضرموت أزمة مائية خانقة، بعدما انحسرت مياه ينابيعها وجفّت مساحات واسعة من واحة كانت تضج بالخضرة والحياة، لتتحول اليوم إلى أرض يابسة تكافح تداعيات الجفاف.

وتقع القرية على بعد نحو سبعة كيلومترات شمال مدينة الشحر، وكانت في السابق وجهة يقصدها الزوار للاستجمام والاستشفاء بمياه ينابيعها الدافئة الستة، وقضاء أوقات بين بساتين النخيل والأشجار المتنوعة.

ويستعيد جمعان بخيت، أحد أبناء القرية، تلك الأيام قائلاً لـ”ريف اليمن”: «في الإجازات المدرسية، كانت تأتي العديد من الأسر لقضاء العطلة، مستمتعين بالاغتسال في الينابيع الحارة والتمتع بالخضرة».


مواضيع مقترحة


تبالة بين الماضي والحاضر

يؤكد بخيت أن إحدى الينابيع كان يصل ماؤها إلى مدينة الشحر عبر قناة ممتدة، يشرب منها الناس، وما زالت آثارها قائمة حتى اليوم، وفي سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، شكّلت القرية وجهة للزائرين من مختلف المناطق.

لافتا أن القرية لم تكن مجرد مقصد للعلاج والسياحة، بل كانت ترفد السوق المحلية بالخضار وجوز الهند والحمضيات والأعلاف، إلى جانب منتج الخل التبالي الذي اشتهرت به القرية، إذ يُستخرج الخل بطريقة تقليدية من ثمار نخلة جوز الهند عبر تقطيع الثمار لجمع عصارتها، ثم تُترك أربعين يوماً لتكتسب طعمها اللاذع، وتكتمل جودتها بعد التعتيق لستة أشهر.

تتذكر إحدى نساء القرية تلك الأيام قائلة لـ “ريف اليمن”: “ظلت جميع المنازل تستقي من الينابيع الحارة للشرب والاغتسال والاستخدامات كافة، ولم يدخل الماء عبر الشبكة العامة إلا في عام 2009 حين أُدمجت القرية ضمن مشروع مياه المدينة”.

ومع جفاف العيون وجد الأهالي أنفسهم أمام مواجهة صعبة لجلب المياه عبر الصهاريج، مما دفع كثيراً من العائلات إلى الانتقال نحو المدينة.

تسببت الأزمة بصعوبات كبيرة وتحولت المساحات الخضراء إلى أراضٍ يابسة وشهد إنتاج الخل التبالي تراجعاً كبيرا(ريف اليمن)

كما أدى الجفاف إلى اندثار بعض المهن التراثية؛ إذ تذكر سيدة أخرى من الأهالي لـ “ريف اليمن”: “كنا نعمل في صناعة الأواني من خوص النخيل، ومع انعدام الخوص المحلي وارتفاع سعر شرائه، تركت كثير من النساء المهنة وانتقلن للعمل في مصانع تعليب الأسماك بالمدينة”.

التنقيب والجفاف

في عام 1993، شهدت القرية تحولاً مفصلياً مع قدوم شركة أجنبية للتنقيب عن النفط والغاز. واستقرت تلك الفترة في ذاكرة الناس باسم أنبيرو نسبة إلى المهندس الأجنبي المشرف وهو الاسم الذي يربطه الأهالي ببداية شح المياه وجفافها.

ويوضح فضل بن مقيص، أحد سكان القرية، لـ “ريف اليمن” أن الأهالي وافقوا حينها على استخدام الشركة لمياه القرية في أعمالها المؤقتة غياباً للوعي بآثار ذلك مستقبلاً، وهو ما تسبب في نضوب الينابيع الأصلية وجفافها تماماً، بالتزامن مع جفاف آبار الشركة نفسها لاحقاً.

وأضاف بن مقيص: “فضل بعض الأهالي سد مكان الحفر، بينما فضل آخرون الاستفادة من التدفق الجديد للمياه لأنه أتاح لهم مساحات زراعية جديدة، وكانت الفئة الأكثر استفادة حينها هم من البدو”، قبل أن تختفي تلك المياه هي الأخرى في النهاية.

مع جفاف العيون وجد الأهالي أنفسهم أمام مواجهة صعبة لجلب المياه والكثير منهم انتقالوا نحو المدينة(ريف اليمن)

ويقول الخبير الجيولوجي الدكتور عبدالغني جغمان لـ “ريف اليمن”: “إن البئر النفطية ذاتها متى التزمت بالمعايير الهندسية عبر تغليفها بالفولاذ والأسمنت العازل لطبقات المياه الجوفية لا تشكل سبباً مباشراً لجفاف العيون، وإنما يكمن الخطر الحقيقي في الاستنزاف المتواصل لآبار المياه المصاحبة للعمليات التشغيلية، بالتوازي مع التوسع العشوائي في حفر الآبار الزراعية والأهلية التي فاقت معدلات التغذية الطبيعية”.

ويوافقه في الرأي الخبير الجيولوجي فهد البراق، قائلاً لـ “ريف اليمن” إن السبب الرئيسي للجفاف يعود إلى تراجع معدلات هطول الأمطار، وحجم الاستنزاف المفرط للمياه الجوفية عبر حفر الآبار المتناثرة، فضلاً عن غياب الصيانة والدراسات الهيدرولوجية الشاملة.

التداعيات والتعافي

تسببت الأزمة المائية في صعوبات قاسية طالت حياة الأهالي، حيث تحولت المساحات الخضراء إلى أراضٍ يابسة وشهد إنتاج الخل التبالي تراجعاً حاداً ويقول أحد تجار مدينة الشحر لـ “ريف اليمن”: “قبل وصول الخل التبالي إلى السوق، وأصبحنا نعتمد على خل مناطق أخرى رغم إقبال الناس على الخل التبالي لجودته العالية”.

ورافقت ذلك مخاطر بيئية وصحية؛ إذ يوضح أحد المزارعين لـ “ريف اليمن” سبب لجوئهم إلى مياه الصرف الصحي أو المياه المنزلية المستعملة لسقي شتلاتهم بقوله: “نلجأ لذلك لقلة المياه وحفاظاً على ما تبقى من المزروعات»، مما يهدد بآثار صحية خطيرة في وقت تستمر فيه هجرة العائلات عن القرية.

يقترح خبراء إجراء مسح شامل لتقييم المخزون المائي بدقة، وإقامة سدود على الأودية الكبيرة(ريف اليمن)

ورغم الواقع المرير، تظهر محاولات لإعادة الأمل عبر مشاريع دولية ومحلية، حيث يشير عاقل القرية عمر سالم باناعمه لـ “ريف اليمن” إلى أن مشروع إعادة استنهاض الينابيع الحارة وإحياء قنوات الري “ممول من البنك الدولي عبر مشروع الأشغال العامة بالمحافظة، حيث يتم استخراج المياه عبر أنابيب بسعة إنش واحد، واستفاد منه حتى الآن ثلاثة ينابيع واستُغلت المياه في السقي والاستخدام المنزلي”.

وأكد مسؤول محلي لـ “ريف اليمن” أن “الجفاف طال العديد من أرياف الشحر، وأن المشروع نُفذ بدعم من الصندوق الدولي عبر الأشغال العامة وتحت إشراف السلطة المحلية والمشرف الهندسي، واستهدف مناطق الديسة والحامي وتبالة، مع استمرار الإشراف والدعم لمثل هذه المبادرات”.

الحلول والاستدامة

وبحسب خبراء، تحتاج تبالة إلى خطة عمل إنقاذية تتوزع على مرحلتين لتدارك الوضع المائي، ففي السنوات الثلاث الأولى تشمل الخطوات العاجلة صيانة وإعادة تأهيل الينابيع الحارة بأساليب هندسية صحيحة، وتوقيف حفر الآبار الجديدة مؤقتاً للحد من السحب العشوائي.

كما تطلب فرض رقابة على كميات الاستهلاك في المزارع والشركات، إلى جانب نشر وسائل حصاد مياه الأمطار في المنازل وبناء حواجز مائية صغيرة على مجاري السيول لتغذية المياه الجوفية.

ويقترح الخبراء إجراء مسح شامل لتقييم المخزون المائي بدقة، وإقامة سدود على الأودية الكبيرة، والتوسع في زراعة الأشجار، إلى جانب تنظيم استخدام الآبار وترخيصها وتفعيل دور المجالس المحلية في حماية البيئة.