الأربعاء, 28 أكتوبر 2026
منصة إعلامية يمنية مستقلة متخصصة في تغطية شؤون المجتمع الريفي في اليمن تهدف إلى تسليط الضوء على الأبعاد الاجتماعية والثقافية والاقتصادية.
تعليم

تصاعد المواجهات ونقص الكادر يهددان مستقبل الطلاب في صبر

📅 أكتوبر 28, 2026

تواجه مدرسة السعيد في قرية ذي عنقب بمديرية مشرعة وحدنان، جنوب محافظة تعز، تحديات تعليمية متفاقمة جراء النقص الحاد في كادرها التدريسي، الذي بلغ 19 معلماً ومعلمة، تفاقمن مع تصاعد المواجهات المسلحة ما يهدد العملية التعليمية ومستقبل مئات الطلاب.

ويأتي هذا العجز في ظل توقف التوظيف الحكومي وتفاقم أزمة الرواتب، الأمر الذي يضاعف الأعباء على إدارة المدرسة والمعلمين المتبقين، الذين يواجهون صعوبات في تغطية الاحتياجات التدريسية وضمان استمرار تدريس المواد الأساسية والعلمية.

وأمام هذه التحديات، تحاول إدارة المدرسة ومجلس الآباء الحفاظ على استمرار العملية التعليمية من خلال الاستعانة بالمتطوعين وإطلاق مبادرات مجتمعية محدودة، في مسعى لسد جزء من العجز وضمان عدم انقطاع الطلاب عن الدراسة، مع توجيه نداءات عاجلة للجهات الرسمية والدولية للتدخل السريع وإنقاذ المنظومة التعليمية قبل انهيارها الكامل.


مواضيع مقترحة


عزلة جغرافية

تفاقمت المعاناة خلال الأسابيع الماضية عقب توقف العملية التعليمية في العديد من قرى جبل صبر، نتيجة التطورات الميدانية والمواجهات المسلحة التي تشهدها المنطقة، ما أجبر المدارس على الإغلاق التام.

وتعد ذي عنقب إحدى القرى الحيوية التابعة لعزلة حدنان في مديرية مشرعة وحدنان أصغر مديريات تعز مساحةً والتي تقع على قمم جبل صبر. وتتكون القرية جغرافياً من محلات صغيرة متناثرة، منها: النجد، والجرادية، والرحاب، ووادي المشارقة، ودوسر، والرجيمة، والصلول.

وبحسب الإحصاءات الرسمية، يبلغ عدد سكان القرية نحو 2,400 نسمة. وتزداد المعاناة بسبب بُعد المديرية عن مركز مدينة تعز مسافة تُقدّر بنحو 10 كيلومترات عبر طرق جبلية وعرة، ما يجعل الحصول على خدمات تعليمية مستقرة أمراً بالغ الصعوبة في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.

تكشف بيانات إدارة المدرسة ومجلس الآباء عن عجز في الكادر التعليمي يصل إلى 19 معلماً ومعلمة، وهو رقم حرج لمؤسسة تعليمية ريفية تعتمد على الحد الأدنى من الكادر لتسيير الحصص اليومية.

بلغ العجز في الكادر التعليمي إلى 19 معلماً ومعلمة، وهو رقم حرج لمؤسسة تعليمية ريفية (ريف اليمن)

ولا يرجع النقص إلى خلل عارض، بل هو نتيجة تراكمية لغياب التوظيف الحكومي منذ عقود، إلى جانب خروج متسارع لعدد من المعلمين بسبب التقاعد، أو الوفاة، أو الأمراض المزمنة دون توفير أي بدائل. ويستمر هذا العجز في وقت تعتمد فيه المدرسة على كادر بدائل مؤقتة، ما يثير مخاوف أولياء الأمور بشأن القدرة على تدريس المناهج الأساسية، ولا سيما المواد العلمية.

نقص الكادر

يقول مدير مدرسة السعيد محمد الغالبي، إن الإدارة الحالية تعيش حالة من الإحباط لتوقف تدريس المواد العلمية مثل الفيزياء والكيمياء والأحياء، حيث يبلغ إجمالي العاملين الثابتين مع الإداريين 23 معلماً فقط، بينهم 7 معلمين بلغوا سن التقاعد ويستمرون طوعاً، و8 معلمين نازحين منقطعين عن المباشرة لغياب الرواتب والحوافز، بينما يغطي 12 متطوعاً ومتطوعة باقي الفراغ، في حين نحتاج فوراً إلى 15 معلماً لتغطية العجز.

وأوضح الغالبي لـ “ريف اليمن” خاطبنا إدارة التربية والتعليم بالمديرية مراراً، ولم نتلقَ سوى وعود للاستعانة بالمتطوعين، وكأن التعليم رعاية تطوعية وليس مسؤولية الدولة. وقد استعانا برئيس مجلس الآباء لتوفير حوافز ضئيلة تُبقي أبواب المدرسة مفتوحة”، مكرراً نداءه إلى أبناء القرية والمغتربين لمد يد العون.

من جانبه، يوضح رئيس مجلس الآباء، محمد العزي أبعاد الأزمة قائلاً:”يشمل العجز معلمي الصفوف الابتدائية الثلاثة الأولى التي تُبنى عليها قواعد التعلم، إضافة إلى نقص حاد في المواد العلمية والأساسية من الصف الرابع وحتى الثالث الثانوي، وهي: الفيزياء، والكيمياء، والأحياء، والرياضيات، واللغة الإنجليزية.”

تكشف بيانات منظمة اليونيسيف والبنك الدولي عن وجود نحو 3.2 مليون طفل يمني خارج مقاعد الدراسة ما يعادل ربع الأطفال في سن التعليم

وعن المبادرات المجتمعية، يوضح العزي لـ” ريف اليمن”،” سبق أن استقطبنا خريجين غير عاملين، لكن معظمهم اضطر للترك بحثاً عن فرص عمل مجزية خارج المديرية، بينما واصل آخرون تطوعهم لتدريس الصفوف الأولى دون مقابل، باستثناء مساعدات موسمية شملت سللاً غذائية”.

وتابع: “حصلنا سابقاً على دعم مؤقت لثلاثة أشهر لسبعة متطوعين فقط، لكن بدعم انتهت المبادرة وعدنا إلى نقطة الصفر.”

ولا تعد مدرسة السعيد بمعزل عن أزمة أوسع يمر بها قطاع التعليم في اليمن، إذ تواجه المدارس الحكومية في القرى الريفية والمدن نقصاً حاداً في المعلمين في ظل وصول غالبية المدرسين إلى سن التقاعد القانوني دون توظيف كوادر جديدة، إثر توقف التوظيف الحكومي بالكامل منذ عام 2012.

وتفاقمت الأزمة مع تراجع أعداد الملتحقين بكليات التربية في الجامعات اليمنية إلى حد إغلاق بعض الأقسام تماماً؛ نتيجة انهيار القيمة الفعلية لرواتب المعلمين وغياب أي أفق وظيفي أو حافز مادي مجزٍ للخريجين، ما ينذر بجفاف منابع إعداد المعلمين.

الحلول المطلوبة

توجه إدارة المدرسة ومجلس الآباء رسالة إلى الجهات الحكومية تشدد على ضرورة التدخل السريع لتوفير الكتاب المدرسي، وفتح باب التوظيف الرسمي لخريجي كليات التربية، وتحسين رواتب المدرسين بما يواكب التضخم الاقتصادي؛ لإعادة جذب الطلاب إلى الأقسام التربوية ورفد المدارس بالكوادر المؤهلة.

تحاول إدارة المدرسة ومجلس الآباء الحفاظ على استمرار العملية التعليمية من خلال الاستعانة بالمتطوعين (ريف اليمن)

كما تطالب الرسالة السلطة المحلية بإيقاف نقل المعلمين للعمل الإداري في المراكز التعليمية أو انتدابهم خارج الميدان، وإعادة المفرغين إلى الفصول الدراسية لا سيما معلّمي المواد العلمية – مع استحداث نظام تكريم سنوي للمدرسين الصامدين في المناطق النائية.

وعلى نطاق أوسع، تعكس أزمة مدرسة السعيد واقعاً يعاني منه التعليم في اليمن تحت وطأة الحرب وتراجع التمويل. وتكشف بيانات منظمة اليونيسيف والبنك الدولي عن وجود نحو 3.2 مليون طفل يمني خارج مقاعد الدراسة ما يعادل ربع الأطفال في سن التعليم، فيما تفيد تقارير “كتلة التعليم” بأن آلاف المدارس تضررت كلياً أو جزئياً، وبات النظام يعتمد على المتطوعين في ظل انقطاع الرواتب.

وتحذر التقارير الدولية من أن استمرار العجز في الكوادر والكتب والمستلزمات في المدارس الريفية يهدد بضياع جيل كامل، ويدفع بمعدلات التسرب إلى مستويات غير مسبوقة؛ ما يرفع مخاطر عمالة الأطفال والفقر والتشظي الاجتماعي، لتظل استغاثات القرى النائية جرس إنذار أخير للتدخل العاجل وإنقاذ ما يمكن إنقاذه.