الأحد, 13 سبتمبر 2026
منصة إعلامية يمنية مستقلة متخصصة في تغطية شؤون المجتمع الريفي في اليمن تهدف إلى تسليط الضوء على الأبعاد الاجتماعية والثقافية والاقتصادية.
تعليم

السكن الجامعي.. ملاذ طالبات الأرياف

- 📅 سبتمبر 13, 2026

قبل أن تبدأ المحاضرات بساعات، كانت تستيقظ نادين سيف (19 عاما)، على عجل، تتهيأ ليوم دراسي طويل، ثم تغادر منزلها في منطقة النشمة متوجهة نحو جامعة تعز التي تبعد حوالي (35 كيلو)، في تحد يومي يختبر قدرتها على الاحتمال قبل أن تصل إلى مقاعد الدراسة.

أما العودة في الثانية ظهرا، فهي ليس مجرد طريق إلى المنزل، بل رحلة أخرى قد تمتد حتى الثالثة والنصف أو الرابعة عصراً، تصل نادين الطالبة في تخصص إدارة الأعمال منهكة، وقد استنزف الطريق ما تبقى من طاقتها، فلا تعود قادرة على فتح كتاب أو استيعاب معلومة، الأمر الذي كاد يتحول إلى عائق يهدد استمرارها في التعليم.

تقول نادين لـ “ريف اليمن”، التنقل اليومي كان يستهلك معظم وقتي، وكنت أصل إلى المنزل وانا في منتهى الإجهاد، إلى درجة أعجز معها عن المذاكرة أو التركيز”. لكن مع انتقالها إلى السكن الجامعي تغيرت حياتها الدراسية جذريا.


مواضيع مقترحة


وتضيف:” انتقالي للسكن غير كل شيئ، أصبح لدي وقت للمذاكرة ومساحة للراحة، وربحت الساعات الطويلة التي كنت أهدرها في الطريق”، وتختصر نادين أثر السكن عليها بعبارة تحمل ثقل التجربة: “لو لم أجلس في السكن لربما ما عدت قادرة على مواصلة دراستي نهائيا من شدة التعب والإرهاق المتراكم”.

طوق نجاة

تؤكد أن السكن منحها مساحة خاصة ومنتظمة، وأبعد عنها كابوس التأخير ومشقة الطرق الطويلة، وانعكس ذلك، على انتظام حضورها للمحاضرات وارتفاع مستوى تركيزها واستيعابها للمقررات الدراسية.

قصة نادين ليست حالة منفردة، بل تعكس مشكلة تواجهها طالبات كثيرات يأتين من المناطق الريفية إلى مدينة تعز لمواصلة تعليمهن الجامعي، فالجغرافيا هنا ليست مجرد مسافة تفصل القرية عن المدينة، إنها كلفة مالية، وإرهاق جسدي، وقلق أمني، وساعات طويلة تضيع يوميا بين الذهاب والإياب

لا يمثل الوصول إلى الجامعة تحديا يوميا فحسب، بل قد يهدد استمرار فتيات الريف في الدراسة، ما يجعل السكن الجامعي ليس مجرد مكان للإقامة، بل حل عملي لمشكلة المسافة، ووسيلة لاستعادة الوقت والطاقة، واستمرار الطالبات في تعليمهن الجامعي.

يقول أكرم صالح، وهو ولي أمر إحدى الطالبات إن بُعد المسافة وصعوبة الطرق والسفر المتكرر من الريف إلى المدينة كانت من أبرز مخاوفه حين فكر بتسجيل ابنته في الجامعة، لافتا أن موضوع السكن والأمان كان حاضرا بقوة عند اتخاذه قرار السماح لها الدراسة.

لم يعد السكن لبعض الأسر مجرد خدمة بل عاملا يساعد الفتيات الريفيات لمواصلة التعليم الجامعي (ريف اليمن)

يضيف صالح لـ”ريف اليمن”، أن وجود السكن الجامعي الحكومي خفف كثيرا من هذه المخاوف، فالطالبة تعيش مع زميلاتها في مكان مخصص لهن وبحوش الجامعة، بدلاً من التنقل اليومي أو البحث عن سكن قد لا يكون مناسبا.

موضحا أن نظرة الناس إلى انتقال الفتاة من الريف للمدينة تغيرت بعدما رأوا الطالبات يستقرين في السكن ويذهبن إلى جامعاتهن ويعدن إليه بأمان ومن هنا، لم يعد السكن بالنسبة لبعض الأسر مجرد خدمة، بل عاملا يساعد على مساعدة الفتيات الريفيات لمواصلة التعليم الجامعي.

ووجه صالح رسالة إلى أولياء الأمور حثهم فيها على مساعدة فتياتهم لمواصلة التعليم، قائلا:” لا تحرموا بناتكم من التعليم الجامعي بسبب بعد المكان أو صعوبة الظروف، خاصة إذا توفرت لهن بيئة آمنة وسكن مناسب، مثل السكن الجامعي الحكومي.

مرحلة مختلفة

داخل السكن، تبدأ قصة الانتقال من الغربة والخوف إلى الألفة، هديل الصبري، طالبة تمريض في كلية الطب بجامعة تعز، القادمة من مديرية صبر الموادم، تتذكر بدايتها في السكن بوصفها مرحلة مختلفة تماما عن اللحظات التي عاشتها بعد أن اعتادت المكان.

تقول لـ “ريف اليمن”، إن أكثر موقف جعلها تشعر بأن السكن أصبح بيتا ثانيا لها لم يكن حدثا واحدا بقدر ما كان تراكم تفاصيل صغيرة، أشخاص يساندونها في أوقات التعب والضغط، ويشاركونها لحظات الفرح والنجاح ومع مرور الوقت، تغير معنى الغرفة في حياتها.

وتضيف: “لم تعد الغرفة مجرد مكان أنام فيه، بل أصبحت مساحة عشت فيها تفاصيل كثيرة وكونت فيها ذكريات وعلاقات جميلة، وهذا الشعور لا تصنعه الجدران وحدها، بل العلاقات التي تتشكل داخلها، طالبات قادمات من مناطق مختلفة، لكل واحدة منهن ظروفها وحكايتها، يجدن أنفسهن في مساحة مشتركة تجمعهن على الدراسة والقلق والأمل.

صباح راجح: الطالبة الريفية تواجه تحديات مختلفة والسكن الجامعي يمثل إحدى الأدوات الجوهرية لتحقيق العدالة في الوصول إلى التعليم

تصف هديل أثر هذا الاستقرار بأنه منحها شعورا بالأمان والراحة، وساعدها على التركيز في دراستها بدلا من الانشغال بمشقة الطريق والبحث عن مكان مناسب للإقامة ، ومع الاستقرار، ارتفعت ثقتها بنفسها واتسعت طموحاتها للمستقبل.

في المساء، حين تهدأ حركة اليوم، يتحول السكن إلى ما يشبه البيت الصغير؛ تجتمع الزميلات، يشربن القهوة، ويتبادلن تفاصيل يومهن، لحظات بسيطة، لكنها تمنح المكان معنى يتجاوز وظيفة السكن، تقول إحدى الطالبات إن هذا المشهد، تحديدا، يلخص معنى السكن بالنسبة إليها، كأنها في عائلة واحدة، بيت يجمعنا على الأمل والمحبة بعيدا عن أهلنا وقرانا.

حماية واستقرار

تؤكد حليمة حمادي، مدير عام سكن الطالبات بجامعة تعز، أن السكن صُمّم كبيئة آمنة تمنح الأولوية للقادمات من المناطق الأبعد، ويضم المبنى المكون من خمسة أدوار أجنحة متكاملة (غرفتان، حمامان، مطبخ، وصالة) تتسع لـ 6 إلى 8 طالبات مع تجهيز أسرتهن وخزاناتهن بالكامل.

وتضيف حلمية لـ”ريف اليمن قائلة”: إلى جانب موقع السكن داخل الحرم الجامعي وتوفر الحراسة والإشراف الدوري صباحا ومساءا، يوفر السكن خدمات النظافة، والمياه، ومكتبة مذاكرة في كل دور، بالإضافة إلى دعم غذائي يشمل وجبة غداء وسلة غذائية بالشراكة مع منظمة وقف الواقفين.

مشيرة أن الطالبة قد تدخل السكن في البداية وهي تحمل شيئاً من الخوف بسبب تنوع الخلفيات والانتماءات، لكن مع الوقت تتعلم الطالبات احترام النظام المتبادل والتعايش، ليتحول السكن تدريجيا إلى بيت ثانٍ  يهيئهن لمستقبلهن العلمي والأكاديمي.

من زاوية تنموية، ترى صباح راجح، رئيس اتحاد نساء اليمن، أن السكن الجامعي الحكومي يمثل إحدى الأدوات الجوهرية لتحقيق العدالة في الوصول إلى التعليم، فالطالبة الريفية، بحسب راجح، لا تواجه تحديا واحدا، بل مجموعة من التحديات المتداخلة.

مديرة السكن:وجود سكن نسائي منظم تحكمه ضوابط للدخول والخروج وتتوفر فيه الحراسة والإشراف يساعد الأسر على الاطمئنان (ريف اليمن)

وتوضح أن تلك التحديات تتنوع بين تكاليف التعليم، والإقامة، والتنقل، ومخاوف الأسرة المرتبطة بالأمان، إلى جانب بعد المسافة وصعوبة الطريق، وتوفير سكن جامعي آمن ومناسب وبتكلفة ميسرة يزيل أحد أكبر العوائق التي تقف أمام استمرار الفتاة في التعليم.

تضيف راجح، “:في المجتمع الريفي لا يتوقف قرار الأسرة عند المستوى الأكاديمي للجامعة، بل يرتبط بدرجة كبيرة بالثقة والأمان والبيئة التي ستعيش فيها الفتاة، ولهذا فإن وجود سكن نسائي منظم، تحكمه ضوابط للدخول والخروج وتتوفر فيه الحراسة والإشراف، يساعد الأسر على الاطمئنان إلى بناته.

بالنسبة إلى نادين، لا ينتهي حلمها عند الحصول على الشهادة، فهي تتطلع إلى العودة إلى قريتها بعد التخرج كنموذج للمرأة التي لم تستسلم لوعورة الظروف أو قلة الإمكانات، وأن تسهم في نشر الوعي بأهمية التعليم وتمكين الأجيال القادمة.

هنا يتجاوز السكن الجامعي وظيفته المباشرة، فالطالبة التي تستفيد منه اليوم قد تعود غدا إلى مجتمعها معلمة أو ممرضة أو طبيبة أو موظفة أو رائدة في مجالها، حاملة معها معرفة يمكن أن تنتقل إلى آخرين.

تتفق معها صباح راجح إذ ترى أن الاستثمار في طالبة الريف لا ينتهي عند حصولها على الشهادة الجامعية، بل تبدأ ثماره الحقيقية عندما تعود إلى مجتمعها وتشارك في توفير الخدمات التي يحتاج إليها الريف، وتصبح نموذجاً حيا لفتيات أخريات بأن التعليم قادر على تغيير المستقبل.

الحديث عن السكن الجامعي في تعز لا ينبغي أن يتوقف عند عدد الغرف أو الأسرّة أو الخدمات المقدمة، فالأمر أعمق من ذلك، يتعلق بسؤال من يستطيع الوصول إلى التعليم، ومن يضطر إلى التخلي عنه لأن الطريق طويلة، ولأن كلفة البقاء في المدينة أكبر من قدرة أسرته، فالسكن الجامعي لا يؤوي الطالبة فقط، إنه يحمي وقتها، وطمأنينتها، وتعليمها، وربما يحمي حلماً كاملاً من الإنطفاء.