في ريف محافظة تعز، تبدأ رحلة التعليم الجامعي للطالبات من طرق جبلية وعرة تختبر صبرهن وإرادتهن للمواصلة، كما هو الحال مع “أبرار عمر”، التي تغادر منزل أسرتها في منطقة نخلة بمديرية شرعب السلام، قبل أن تكتمل خيوط الفجر حاملة حقيبتها الجامعية، لتبدأ رحلة شاقة للكلية تمتد لأكثر من ثلاث ساعات ذهابا وإيابا.
أبرار ورفيقاتها يقطعن مسافات طويلة سيرا على الأقدام، وينتظرن أحيانا أخرى وسيلة نقل قد لا تأتي، وسط طرق جبلية وعرة، تتحول في موسم الأمطار إلى مسارات موحلة؛ ما يجعل الوصول إلى كلية التربية فرع المخلاف، مغامرة محفوفة بالإرهاق والمخاطر.
تقول أبرار وهي طالبة في المستوى الثالث بقسم مساعد طبيب لـ”ريف اليمن”: “نستيقظ قبل الخامسة صباحا كي لا نتأخر عن المحاضرات، وأحيانا لا نجد حافلة، فننتظر لساعات أو نمشي مسافات طويلة، ومع ذلك نضطر للمواصلة حتى لا نفقد حقنا في التعليم”.
مواضيع مقترحة
- التعليم الجامعي: حلم فتيات الريف الذي لا يتحقق
- إحياء خط المسند: “القاسمي” يُعلم الأطفال حروف أجدادهم
- التعليم في لحج.. تحذيرات من تفشي الأمية
وتوضح أن كلفة التنقل اليومية ذهابا وإيابا تتراوح بين 2500 و3000 ريال يمني (5 دولارات)، وهو مبلغ يفوق قدرة الكثير من الأسر على تحمله بشكل مستمر، لافتة إلى أن القرى التي تنطلق منها الطالبات تتفاوت مسافاتها ما بين 25 إلى 50 كيلومترا عن مقر الكلية.
خوف وإرهاق
لا تقل رحلة العودة قسوة عن الذهاب، إذ تضطر بعض الطالبات للعودة في ساعات متأخرة عبر طرق مظلمة وغير آمنة، وبحسب الطالبة “سمية العسالي”، تعود الطالبات مشيا على الأقدام، وتضيف: “نشعر بالخوف والإرهاق، فالطرق التي نسلكها غير آمنة، وكثير من زميلاتنا أصبحن يفكرن في ترك الدراسة بسبب الضغط اليومي والخوف المستمر”.
وتؤكد العسالي لـ”ريف اليمن” أن هذه الظروف تنعكس بشكل مباشر على التحصيل العلمي، موضحة أن التأخر عن المحاضرات أو مغادرتها مبكرا أصبح أمرا شائعا، ما يؤثر على مستوى الطالبات ويقلل من اندماجهن في الأنشطة الجامعية.
من داخل الكلية، تتكشف الصورة الأوسع لحجم المشكلة وتأثيرها على انتظام التعليم، إذ يوضح “إبراهيم محمد”، أستاذ في قسم اللغة الإنجليزية، أن الكلية التي تأسست عام 2005 م وفيها أكثر من ستة آلاف طالبة، تنحدر نسبة كبيرة منهن من مناطق ريفية متفرقة وبعيدة في شرعب السلام وشرعب الرونة.

يشير محمد لـ “ريف اليمن”، إلى أن الطالبات يأتين من أكثر من 15 عزلة، من بينها نخلة وسوق الربوع، إضافة إلى طالبات يقطعن مسافات طويلة للوصول إلى الخط الرئيسي في النجدين، في ظل وعورة الطرق وغياب النقل العام، موضحا أنه لا تتوفر حافلات تابعة للكلية أو الجامعة لنقل الطالبات، ويعتمد الجميع على وسائل نقل خاصة وغير منتظمة، وهو تحد حقيقي يؤثر على انتظام العملية التعليمية، خاصة بالنسبة للطالبات، مؤكدا أن العديد من الطالبات انقطعن عن الدراسة بسبب المسافة والأوضاع الاقتصادية.
هذه الصعوبات اليومية ليست طارئة، بل فاقتهما الحرب التي عقدت الأوضاع العامة في البلاد ورفعت أسعار المواصلات، ما جعل بعض الأسر عاجزة عن دفع تكاليف النقل اليومية، كما تؤكد “حليمة أحمد”، أم إحدى الطالبات الدارسات في الكلية.
غياب الدعم الحكومي
تقول حليمة لـ “ريف اليمن”: “الوضع المالي صعب جدا، وأحيانا نضطر للاختيار بين تعليم البنات وشراء احتياجات المنزل الأساسية”، وتشير إلى أن غياب الدعم الحكومي يزيد من احتمالات انقطاع الطالبات عن التعليم، خصوصا من الأسر محدودة الدخل.
د. المخلافي: نحذر من الآثار النفسية والاجتماعية المترتبة على هذه المعاناة وغياب أي دعم نفسي أو مجتمعي يزيد من تعقيد المشكلة
وتشير إلى أن الفتاة الريفية تواجه أكثر من تحد في آن واحد: طرق غير صالحة، وأجور نقل مرتفعة، وغياب أي دعم رسمي يخفف من هذه الأعباء يضع مستقبل تعليم الطالبات على المحك، مشيرة إلى أن وسائل النقل المحدودة تعكس حجم العجز المفروض على الجميع.
يوضح أسامة وهو أحد سائقي الباصات في المنطقة، تأثير الأوضاع الاقتصادية على استمرار تعليم الفتيات، ويقول لـ”ريف اليمن”: “نحاول تغطية مناطق الطالبات، لكن الطرق وعرة، والأسعار مرتفعة، وبعض الأسر لا تستطيع الدفع”.
ويضيف:” نتيجة هذه الأسباب أصبحنا مضطرين لتحديد أولويات النقل حسب القدرة المادية، وأحيانا نتلقى نداءات استغاثة من طالبات، لكن إمكانياتنا محدودة”.
تأثير نفسي واجتماعي
استاذ علم الاجتماع بجامعة تعز، الدكتور “عبدالله المخلافي”، حذّر من الآثار النفسية والاجتماعية المترتبة على هذه المعاناة اليومية، موضحا أن الطالبات يعانين من إرهاق جسدي مستمر نتيجة المشي الطويل أو الانتظار لساعات، إضافة إلى شعور دائم بعدم الأمان بسبب الطرق الخالية.
ويضيف المخلافي لـ “ريف اليمن” أن غياب وسائل النقل المنتظمة يضاعف الضغط النفسي على الطالبات، إذ إن كل يوم يصبح مصدر قلق متواصل، إضافة إلى تأثير ذلك على تحصيلهن الدراسي، وعلاوة على ذلك، يعاني بعضهن من قلة النوم والتوتر المستمر، ما يزيد من المشكلات النفسية على المدى الطويل.

يشير المخلافي إلى أن هذا الضغط يمتد ليؤثر على العلاقات الأسرية والاجتماعية للطالبات، إذ قد يؤدي الإحباط إلى الانطواء وصعوبات في التواصل مع الأسرة، مؤكدا أن غياب أي دعم نفسي أو مجتمعي يزيد من تعقيد المشكلة، ما يستدعي تدخلا عاجلا عبر برامج متابعة نفسية واستشارات أسرية وأنشطة مجتمعية تعزز شعور الفتيات بالأمان والانتماء.
أمام هذا الواقع، تبرز مسؤولية الجهات الرسمية عن الطرق والنقل التي تقع على عاتق مكتب النقل والأشغال، الذي أكد مصدر فيه لـ”ريف اليمن” أن المكتب وضع خطة لتحسين الطرق الرئيسية والفرعية التي تؤدي إلى الكلية، تشمل الصيانة وإزالة العوائق.
وقال المصدر إن الطرق المؤدية إلى الكلية تحتاج صيانة عاجلة، وأصبحت غير مؤهلة، منوها بأن المكتب وضع دراسة لإمكانية توفير حافلات مخصصة لنقل الطالبات من القرى البعيدة بما يخفف عنهن المعاناة اليومية ويضمن وصولهن بأمان، إلا أن الأمر يقع على عاتق السلطة المحلية والجهات الحكومية.
حلول ممكنة
ويرى مختصون أن تجاوز الأزمة يتطلب حلولا شاملة لا تقتصر على جانب واحد، وهو ما طرحه الخبير التربوي والمجتمعي الدكتور “عبدالله حمود القاضي”، حيث أكد أن الحل يكمن في نهج متكامل يراعي جميع الجوانب المرتبطة بالتعليم الجامعي للطالبات الريفيات.
وبحسب القاضي فإن الحل يبدأ من توفير نقل منتظم وآمن، وتحسين البنية التحتية للطرق الريفية، وصولا إلى تقديم دعم مالي للأسر محدودة الدخل، وتعزيز التوعية المجتمعية بأهمية تعليم الفتاة وحمايتها من الضغوط النفسية.

ويلفت إلى أن هذه الإجراءات مجتمعة تساهم في حماية الطالبات نفسيا وجسديا، وأن غياب أي عنصر منها قد يقلل من فعالية الحلول وعدم ضمان استمرار التعليم للفتيات، مشددا على أن تكون الجهود متزامنة ومنسقة بين الجهات المعنية والمجتمع المحلي.
ورغم قسوة المشهد، يواصل كثيرون الرهان على إرادة الفتيات وقدرتهن على الصمود، ويشير الناشط التربوي “خالد الشرعبي” إلى أن طالبات نخلة يواصلن تعليمهن رغم كل الصعوبات، ويظهرن إصرارا لافتا على الوصول إلى الجامعة ومواصلة التعلم.
ويلفت إلى أن هذه الإرادة انعكاس واضح لإيمانهن بأهمية التعليم لمستقبلهن رغم التحديات الاقتصادية والنقل غير المنتظم، مؤكدا أن دعم المجتمع المحلي والجهات الرسمية يبقى ضرورة ملحة لضمان استمرار هذا الصمود، وتحويل رحلة التعليم من معاناة يومية إلى طريق آمن ومستدام.

