إلى جانب سوء التغذية واقتلاعهم من منازلهم بالنزوح القسري، دفع عدد كبير جدًا من الأطفال في اليمن الثمن الأكبر للحرب خلال السنوات الماضية، ويتجدد الآن النزوح والمعاناة مرة أخرى.
‹طه› طفل يبلغ من العمر أربع سنوات، يعاني من سوء تغذية حاد، فرت أسرته إلى عدن هاربة من القتال في مديرية المخا، التي تبعد نحو 200 كيلومتر، تاركة منزلها وممتلكاتها خلفها.
هذه قصة واحده من 71 ألف طفل نزحوا خلال ثلاثة أسابيع جراء التصعيد العسكري، والتي كانت مفتتح حديث ممثل اليونيسف في اليمن، أخيل آير، للصحافيين الجمعة 25 سبتمبر في مقر الأمم المتحدة في جنيف.
وقالت والدة طه النازحة في مركز الفردوس للنازحين في عدن ‹هربنا من دون أي شيء. كان خوفي الوحيد أن أفقد ابني قبل أن أجد من يساعده›.
مواضيع مقترحة
- ‹اليمن لا يمكنه الانتظار› تحذيرات من تفاقم الكارثة الإنسانية
- أطفال اليمن: موجة النزوح الجديدة تحرمهم من التعليم
- نازحو تعز.. الفرار من القتال إلى العراء والجوع
وقال ممثل منظمة اليونيسف في اليمن، أخيل آير ‹للأسف ليست قصة طه حالة استثنائية، ما يمر به هو وعائلته يتكرر في مختلف أنحاء اليمن، ويطال سكانًا أنهكتهم بالفعل سنوات من أزمات الغذاء والتغذية المستمرة›.
وأضاف: ‹يقف أطفال اليمن مرة أخرى في الخطوط الأمامية للصراع، هناك حلقة مفرغة أخرى تتسارع وتيرتها ويعرفها أطفال اليمن جيدًا: فالصراع يولّد الجوع، والجوع يجعل الأطفال أكثر عرضة لتبعات الصراع›.

سوء التغذية
حذرت اليونيسف من التبعات القاسية للتصعيد العسكري الأخير على الأطفال والأسر في مختلف المناطق، حيث إن تجدد القتال يفاقم أزمة انعدام الأمن الغذائي والحلفة المفرغة للجوع، مما يجعل الفئات الأشد هشاشة يواجهون مخاطر مضاعفة تهدد حياتهم.
وأجرت فرق اليونيسف فحوصات شملت نحو 2,900 طفل في المناطق المتاحة إنسانيا، وأظهرت النتائح ‹أن طفل من بين كل أربعة يعاني من سوء التغذية، إلى جانب تسجيل أكثر من 200 حالة سوء تغذية حاد›.
ولا تعكس البيانات سوى جزء من حجم الأزمة على مستوى البلاد، إذ تشير تقديريات عام 2026 إلى أن أكثر من 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة يعانون من سوء التغذية الحاد، من بينهم نصف مليون طفل يواجهون الخطر الأشد فتكاً.
ويزيد تعطل الخدمات الصحية وصعوبة الحصول على العلاج أثناء التنقل والنزوح من تفاقم الحالة الصحية للأطفال والفئات الأكثر هشاشة من النساء الحوامل.
وباتت المناطق التي تعاني من أعلى الاحتياجات الصحية صعب الوصول إليها، وفق منظمة الصحة العالمية التي أفادت بأن أقل من 10% من المراكز الصحية مجهزة بخدمات علاج الإصابات ونظراً لقلة الموارد، تجري عملية فرز مؤلمة للمصابين.
وقال فرانشيسكو غالتيري من صندوق الأمم المتحدة للسكان إن عدد المرافق الصحية التي تتعامل مع حالات الطوارئ المتعلقة بالحمل، والتي كانت تودي بحياة ثلاث نساء يمنيات يومياً حتى قبل تصاعد الوضع، لم تعد تعمل معظمها.
وقال: ‹هناك حوالي 2000 امرأة حامل بحاجة إلى مستشفى للرعاية الصحية، ومن المتوقع أن تضع أكثر من 200 منهن مواليدهن في الأسبوع المقبل أو نحو ذلك›.

اتساع موجات النزوح
‹هيفاء› أم شابة فرت من مناطق الساحل الغربي قالت ‹كانت أصوات إطلاق النار تقترب منا، وكان المنزل يهتز، لم يكن لدي وقت للتفكير، كل ما عرفته هو أنه يجب أن أهرب مع عائلتي›.
اليوم تعيش هي وعائلتها في خيمة وسط حرارة شديدة، من دون مصدر دخل، وتكافح من أجل تأمين الغذاء والدواء. وتقول هيفاء: ‹لقد جرّدنا النزوح من كرامتنا›.
وعلق أخيل آير، ممثل اليونيسف في اليمن بالقول ‹هذا ما يفعله النزوح فهو لا يسلب الإنسان منزله فحسب، بل ينتزع منه مصدر رزقه ومجتمعه واستقلاليته وروتين حياته، وحتى شعوره باليقين بأن الغد سيشبه اليوم›.
أجبرت المواجهات أكثر 134 ألف شخص بينهم أكثر من 71 ألف طفل على النزوح خلال الأسابيع الثلاثة الماضية، وتركز غالبيتهم في محافظة تعز، حيث يواجهون صعوبة في الانتقال إلى مناطق أكثر أماناً بسبب القتال وانقطاع الطرق، علماً أن بعض الأسر تعرضت للنزوح القسري حتى ست مرات متتالية.
ممثل اليونيسف في اليمن: الأطفال لا يتحدثون عن الجغرافيا السياسية أو الحسابات الدولية إنهم يسألون عن منازلهم ومدارسهم والأشخاص الذين تركوهم خلفهم، ويسألون أين سينامون هذه الليل
كما أسفر التصعيد العسكري منذ 3 سبتمبر/أيلول عن مقتل 15 طفلاً وإصابة 14 آخرين وفقدان ثلاثة آخرين. كما أُغلقت 243 مدرسة أو عُلقت الدراسة فيها، ما حرم أكثر من 137 ألف طالب من التعليم.
يقول آخيل ‹الأطفال الذين التقيت بهم هنا 〈مدينة عدن〉 لا يتحدثون عن الجغرافيا السياسية أو الحسابات الدولية، إنهم يسألون عن منازلهم ومدارسهم والأشخاص الذين تركوهم خلفهم، ويسألون أين سينامون هذه الليلة›.
ويضيف ‹لا ينبغي أن تكون هذه الأسئلة هي التي تُعرّف مرحلة الطفولة› وقال: ‹لقد خسر أطفال اليمن الكثير بسبب الصراع، ولا ينبغي أن يُجبروا على خسارة المزيد›.
وتشتد الأزمة الإنسانية في ريف تعز ومناطق الساحل مع استمرار موجات النزوح من مديريات الوازعية والكدحة. وتتفاقم معاناة الأسر النازحة جراء شح الغذاء والمياه وأدوات التدفئة، واضطرار الكثيرين للنوم في العراء أو في منازل غير صالحة للسكن، بالتزامن مع هطول أمطار غزيرة.
وفي ظل ارتفاع معدلات النزوح، شددت منظمة اليونيسف على أن الاستجابة الإنسانية والمساعدات الإغاثية، رغم أهميتها، لا يمكن أن تشكل بديلاً عن حماية المدنيين، ودعت جميع أطراف النزاع لحماية الأطفال والبنية التحتية، وتسهيل الوصول الإنساني الآمن ودون عوائق لتقديم الرعاية الحيوية.





