الخميس, 17 سبتمبر 2026
منصة إعلامية يمنية مستقلة متخصصة في تغطية شؤون المجتمع الريفي في اليمن تهدف إلى تسليط الضوء على الأبعاد الاجتماعية والثقافية والاقتصادية.
مجتمع

نازحو تعز.. الفرار من القتال إلى العراء والجوع

📅 سبتمبر 17, 2026

تتسارع فصول الكارثة الإنسانية في ريف تعز على نحو غير مسبوق، حيث لم تعد تفاصيل النزوح تقتصر على فقدان المأوى والغذاء، بل تحولت إلى صراع يومي من أجل البقاء، مع استمرار موجات النزوح من مديريات الوازعية والكدحة ومناطق الساحل في ظل أوضاع إنسانية صعبة تتزامن مع استمرار هطول الأمطار.

وتكشف شهادات ميدانية لأسر نازحة عن ظروف قاسية رافقت رحلة فرارها، شملت التشتت والنوم في العراء، والاحتماء بمنازل غير صالحة للسكن، والتكدس المأساوي داخل مساحات ضيقة، إلى جانب نقص الغذاء والمياه ووسائل التدفئة، في ظل استمرار هطول الأمطار الغزيرة ليلاً ونهاراً.

خلال نزول منصة ريف اليمن، إلى الشمايتين واللقاء بعدد من هذه الأسر، برزت شهادات صادمة لآباء وأمهات أفادوا بأنهم وخلال لحظات الذعر الشديد والقصف والفرار الجماعي من قراهم، تشتتت عائلاتهم وفقدوا بعض أطفالهم على قارعة الطريق دون معرفة مصيرهم حتى اللحظة، يعيش هؤلاء الأهالي كابوساً مضاعفاً يمزج بين مرارة النزوح والتشرد، وبين رعب الجهل بمصير فلذات أكبادهم.


مواضيع مقترحة


​ومن بين الحالات التي رُصدت ميدانياً، حالة فاطمة المأساوية وهي أم ترعى طفلاً رضيعاً لم يتجاوز شهره الأول بعد، ينام مع إخوته في العراء التام دون مأوى أو غطاء يقيهم مياه الأمطار المتواصلة والبرد القارس، محاطين بالأتربة والوحل وسط عجز الأم عن توفير الغذاء أو التدفئة لرضيعها.

حياة قاسية

ويروي أبو رامز وهو رب أسرة كان يعيش مستقراً في الوازعية مع زوجاته الثلاث وأولاده، كيف تحولت حياتهم إلى جحيم مع اندلاع المواجهات، ويقول لـ”ريف اليمن”، أصيبت إحدى زوجاتي بمرض وصدمة نفسية حادة جراء الخوف الشديد”.

ويوضح أنه اضطر إلى بيع ما يملك لتغطية تكاليف علاجها، قبل أن ينتهي به الحال مع أسرته في ظروف نزوح قاسية، وتعيش الأسرة حالياً، بحسب إفادته، مع نحو ست أسر أخرى داخل خيمة واحدة متهالكة، في ظل انعدام العمل ونقص الغذاء والمياه الصالحة للشرب.

أما فائدة، وهي أم لثلاثة أطفال، فتروي قصتها بمرارة بعد أن نزحت للمرة الثانية؛ حيث نزحت في المرة الأولى قبل أربع سنوات وتوفي زوجها خلال تلك الفترة، لتعود بعدها إلى قريتها قبل أن تُجبر مجدداً على الفرار.

وصلت الأم وحيدة مع أطفالها دون أي معيل أو أقارب، لتجد مأوى مؤقتاً في منزل ضيق استضافهم فيه أحد الأشخاص، لكنها تعيش خوفاً دائماً من انعدام الغذاء وغياب المأوى المستقل.

رصدنا شهادات صادمة لآباء وأمهات تشتتت عائلاتهم وفقدوا بعض أطفالهم على قارعة الطريق (ريف اليمن)

وتروي أم محمد لـ “ريف اليمن”، كيف تفرقت أسرتها فور وصولها؛ إذ اضطر الزوج للذهاب والمبيت في مبنى مدرسة بعيدة لعدم توفر متسع يؤويهم جميعاً، بينما بقيت الأم وبناتها في صالة ضيقة ومكتظة بمنزل استضافهم، حيث تفترش الفتيات الأرض ويعانين من نقص الغذاء وشبح الخوف المستمر.

نداء استغاثة

مدير الوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين في الشمايتين، أسام المشرقي، أطلق نداء استغاثة، محذراً من تفاقم أوضاع النازحين، وقال المشرقي عبر صفحته بالفيس بوك، إن عشرات الأسر تعيش في العراء، لافتا أن تأخر التدخل الإغاثي، بالتزامن مع موسم الأمطار، قد يفاقم المخاطر التي تواجه النازحين.

تحكي مريم، وهي مسنة خرجت مع زوجها وأطفالها من الوازعية، أنهم فروا حفاة دون أن يحملوا معهم شيئاً سوى بقرة واحدة، وقاطعوا الطريق مشياً على الأقدام حتى وصلوا إلى سوق النشمة.

وتقول مريم لـ “ريف اليمن”، فور وصولنا اضطررنا لبيع البقرة بأقل سعر ممكن لتوفير لقمة عيش تسد رمقنا، لتنتهي بهم الرحلة بافتراش التراب في العراء بلا فراش ولا بطانية، وتؤكد المسنة أنها أصبحت تعاني من نوبات دوار وإغماء مستمرة بسبب سوء التغذية والإرهاق.

أما أم علي فتحكي قصة فرارها بمفردها بعدما تركت كل مقتنياتها خلفها، ولم تنجُ إلا بما ترتديه (“البالطو والمقرمة”). وتقول:” قطعت مسافات شاقة سيراً على الأقدام دون طعام أو ماء”، لتصل إلى المعافر وتفترش الأرض خلف جدران منازل المواطنين في العراء التام، دون أي سند أو رعاية.

كراتين في الظلام

ويوثق النازح زيد أحمد وزملاؤه رحلة هروبهم الشاقة، ويقول لـ”ريف اليمن”، :”خرجنا بعد ظهر الأربعاء 9 سبتمبر ولم نتمكن من حمل أي شيء من منازلنا، وصلنا المركز مساءً ولم نجد سكناً أو متسعاً حتى في مدرسة”.

دعوات للوكالات الأممية والمنظمات الإنسانية والجهات المانحة إلى تقديم تدخلات عاجلة للنازحين (ريف اليمن)

ويضيف:” انطلقنا ليلاً إلى الصافية ووجدنا منزلاً مهجوراً بلا نوافذ ولا حمام وأرضيته غير صالحة، قمنا بفرش قطع الكرتون للنساء والأطفال؛ ثماني أسر تعيش معاً في منزل واحد، وعشر أسر في منزل آخر مجاور، نعيش في ظلام دامس نضيء بهواتفنا، بلا مأوى حقيقي ولا غذاء”.

في المعافر، تحدث مدير الوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين، بسام الحداد، في منشور عبر صفحته على فيسبوك، عن وجود عشرات الأسر المشردة على الطرق، بينها أسر لا تزال عالقة بحثاً عن مكان آمن، وتعكس هذه الإفادة حجم الضغوط التي تواجهها مناطق الاستقبال، في ظل تدفق أسر نازحة تبحث عن مأوى ومكان آمن للإقامة.

أسر عالقة

وتأتي هذه الشهادات في وقت أظهرت فيه بيانات رسمية حجم موجة النزوح الأخيرة، وبحسب التقرير الموحد للنزوح الصادر عن الوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين في اليمن، بلغ عدد النازحين الذين جرى توثيقهم حتى 15 سبتمبر 2026، 122,297 فرداً، يمثلون 17,852 أسرة في ثماني محافظات هي: تعز، ولحج، والحديدة، وعدن، وأبين، وحضرموت، والمهرة، وشبوة، نتيجة تصاعد العمليات العسكرية وتدهور الأوضاع.

وتصدرت تعز قائمة المحافظات من حيث عدد الأسر النازحة، بإجمالي 9,562 أسرة، تلتها لحج بـ 4,511 أسرة، وفق البيانات نفسها، وأشارت الوحدة التنفيذية إلى أن معظم الأسر اضطرت إلى النزوح بشكل مفاجئ، دون توفر الاحتياجات الأساسية التي تمكنها من الاستقرار في مناطق النزوح.

​وجددت الوحدة التنفيذية دعوتها للوكالات الأممية والمنظمات الإنسانية والجهات المانحة إلى تقديم تدخلات عاجلة في قطاعات المأوى والغذاء والمياه والصرف الصحي والصحة والحماية، بالتوازي مع تقييم احتياجات الأسر النازحة.