الاثنين, 7 سبتمبر 2026
منصة إعلامية يمنية مستقلة متخصصة في تغطية شؤون المجتمع الريفي في اليمن تهدف إلى تسليط الضوء على الأبعاد الاجتماعية والثقافية والاقتصادية.
نقيل

ريف تعز تحت وطأة النزوح: شتات جديد بلا مأوى

عبدالله علي 📅 سبتمبر 7, 2026

نزحت المئات من الأسر اليمنية في ريف تعز الغربي خلال الأيام الماضية إثر تجدد التصعيد والمواجهات العسكرية، في مأساة جديدة تعيد ذاكرة السكان إلى ذورة الحرب وغالبيتهم يكرر النزوح عدة مرات حيث تعد ذات المناطق مأوى للنازحيين.

وتتفاقم مخاوف الكارثة الإنسانية مع خروج أغلب النازحين بلا مستلزمات أساسية أو أمتعه الشخصية للعيش، مما يستدعي تدخلاً عاجلاً من الجهات المعنية والمنظمات الإنسانية لتقديم المساعدات والإنقاذ الطارئ.

واتجهت أعداد كبيرة من النازحين نحو مدينة تعز وغالبيتهم تعرضوا للنزوح عدة مرات ويعيشيون ظروف إنسانية ومعيشية سيئة للغاية


مواضيع مقترحة


توسع النزوح

أدى التصعيد العسكري الذي بدأته جماعة الحوثي إلى موجات نزوح جماعية متواصلة لم تتوقف على مدار الساعات الماضية، حيث رصدت الوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين نزوح نحو 1400 أسرة في محافظتي تعز والحديدة حتى مساء يوم الجمعة.

ومع استمرار المواجهات العسكرية يتوقع أن تزيد أعداد النازحين خلال الأيام القليلة القادمة مع اقتراب خطوط النار من القرى المأهولة بالسكان، والتي تحولت إلى ساحة معارك غير متكافئة لا تراعي فيها أدني المعايير الإنسانية.

وتركز الثقل الأكبر للكارثة الإنسانية في محافظة تعز، التي سجلت وحدها نزوح أكثر من 1140 أسرة توزعوا في مديريات مقبنة وجبل حبشي والمعافر وموزع والشمايتين للبحث عن مساكن جديدة.

نزوح مئات الأسر بريف تعز الغربي.. رحلة شتات جديدة بلا مأوى
أدى التصعيد العسكري إلى موجات نزوح جماعية متواصلة لم تتوقف (إعلام مديرية مقبنة)

و أشار مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا» أن التقديرات الأولية لحركة النازحين قد تتجاوز الأرقام المرصودة لتصل إلى أكثر من 1790 أسرة، جراء المواجهات المسلحة والقصف الصاروخي الذي تمركز في منطقتي مقبنة وجبل حبشي على وجه الخصوص.

كما امتدت المعاناة إلى محافظة الحديدة حيث وثقت الفرق الميدانية التابعة للوحدة التنفيذية نزوح مئات الأسر التي أُجبرت على الفرار باتجاه مديريات حيس والخوخة جنوب المحافظة، في ظروف سير شاقة وتحت خطر القصف المباشر، مما يؤكد اتساع رقعة التأثر والإنساني للنزاع المسلح في الساحل الغربي بأكمله.

معاناة مضاعفة

ونشر المصور الصحافي أحمد باشا، صورا لأسر نازحة وعلق قائلاً “هذه الاسرة التي تنصب خيمتها الجديدة قصة مأساة حقيقة، حيث يعتبر هذا نزوحهم السادس”.

وتابع متحدثاً عن الأسرة النازحة وكتب -على فيسبوك- “تركوا من منزلهم في منطقة الطوير بالكدحة بسبب القصف، وتنقلوا بين 5 مناطق نزوح خلال سنوات قبل ان تتبعه مليشيا الحوثي وتجبره على النزوح للمرة السادس هو واسرته”.

وعلق على صور أسرة أخرى تمشي مع الماشية بالقول “زحت هذه الاسرة من العفيرة مشياً على الاقدام، تركوا كل شيء خلفهم ماعدا مواشيهم اخذوها معهم وحملوا صغارها على اكتافهم فهي آخر ما يملكون بعد هجروا من منزلهم”.

في مديرية جبل حبشي، ينقل الناشط والإعلامي علاء خالد مشاهدات واقعية وصادمة تعكس طبيعة المأساة الإنسانية التي يمر بها السكان، مؤكداً أن الوضع الميداني هناك يتجاوز أي وصف بكارثيته القاسية.

ونقل عن عدد من الأسر النازحة، أن الكثير من المواطنين اضطروا لترك المخيمات التي لجأوا إليها في أوقات سابقة لتواجه عائلاتهم نزوحاً جديداً، إذ فرت أغلب الأسر دون أن تمكنها شدة القصف من أخذ أي قطعة من أمتعتها أو مستلزماتها الغذائية.

وأشار إلى أن هول الفجأة وحالة الارتباك الشديد أدت إلى خروج بعض العائلات بنصف أفرادها فقط وتشتت البقية في اتجاهات مختلفة تحت وطأة النيران. وما يزيد الوضع قسوة وتعقيداً هو أن كثافة القصف تمنع عشرات العائلات الأخرى من مغادرة منازلها، لتظل محاصرة وعالقة في قلب خطوط المواجهة المباشرة.

الأمم المتحدة: التقديرات الأولية لحركة النازحين بتعز والحديدة قد تتجاوز 1,790 أسرة

وفي منطقة الكدحة ينقل إدريس الزعزي مأساة ‹النزوح المتكرر› الذي أصبح يتجدد كما لو انه كابوس يلاحق أبناء المنطقة منذ عام 2015، حيث وصف تلك المعاناة اليومية بقوله إن النزوح يتجدد والوجع لا ينتهي.

وأجبرت نحو 380 أسرة مجدداً على إخلاء مخيمات الكدحة هرباً من القصف المتواصل -وفق ما كتب إدريس على «فيسبوك»- حيث غادرت العائلات على عجل وبما استطاعت حمله فقط من متاع بسيط أو مواشٍ، لتبدأ رحلة جديدة من البحث عن الأمان في مخيمات نزوح بديلة في مديرية المعافر.

وأكدت تقارير أممية بحدوث عمليات نزوح ثانوي واسعة وإخلاء كامل لعدد من مواقع ومخيمات اللجوء السابقة بشكل كلي، ومن بينها مواقع الحجاب والراجحي بالإضافة إلى مخيمات الكدحة التي أصبحت خاوية تماماً من النازحين.

استغاثات عاجلة

أمام التدفق المتسارع للنازحين وتفاقم المعاناة أطلقت جهات حكومية ومحلية نداءات استغاثة عاجلة ومباشرة؛ إذ وجهت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل من مقرها في مدينة عدن نداءً إنسانياً طارئاً لإنقاذ المتضررين والنازحين في المديريات المتأثرة بمحافظتي تعز والحديدة.

وشددت الوزارة في بيانها على أن الاستهداف المستمر للمناطق السكنية ومخيمات الإيواء أحال حياة الآلاف من المدنيين العزل والفئات الأشد ضعفاً، وفي مقدمتهم الأطفال والنساء وكبار السن، إلى كابوس يومي من التهجير والفقدان والتشتت الأسري.

وعلى المستوى المحلي داخل محافظة تعز، دعا مكتب الشؤون الاجتماعية، إلى حشد الإمكانيات والقدرات الإغاثية المتاحة وتقديم مختلف أشكال المساعدات الطارئة الغذائية والإيوائية للنازحين، وضمان وصول الدعم إلى كافة الأسر المتضررة دون ازدواجية أو فجوات إغاثية.

كما أطلقت السلطة المحلية بمديرية مقبنة نداء استغاثة طارئاً لمواجهة الشتات وصون كرامة النازحين، جراء موجة النزوح القسري الجماعي التي طالت قرى وعزلاً بأكملها في المديرية.

وقالت -في بيان- ‹إن المأساة الأشد قسوة تتجلى في حالة الضياع والشتات التي يعيشها النازحون، أصبحوا لا يدرون إلى أين يذهبون بعد أن فقدوا المأوى والأمان، واضطر الأغلبية إلى الانتشار واللجوء إلى مدينة تعز، والبيرين، والنشمة، وجبل حبشي، إضافة إلى بعض القرى والأماكن الآمنة›.

ومما يضاعف الكارثة ويحذر من فاجعة إنسانية وصحية وشيكة، أن الطاقة الاستيعابية للأسر المستضيفة قد بلغت أقصاها؛ حيث آوت عدد من الأسر المقيمة ما يصل إلى ست أسر نازحة داخل منزل واحد، في مشهد يجسد أعلى درجات التكافل، ولكنه يضع عبئاً معيشياً ونفسياً لا يُطاق على الجميع في ظل غياب شبه تام لمتطلبات الحياة الأساسية.

وتتركز الأولويات الميدانية المطلوبة بحسب النداءات الرسمية والمحلية في تمكين الأسر النازحة من تغطية تكاليف النقل والنزوح الطارئة وتأمين الإيجارات والمستلزمات الأساسية بما يضمن صون كرامتها وحفظ مقامها الإنساني.

أطلقت جهات حكومية ومحلية نداءات استغاثة عاجلة بسرعة حشد الإمكانيات والقدرات الإغاثية المتاحة وتقديم مختلف أشكال المساعدات الطارئة الغذائية والإيوائية للنازحين

كما تتضمن الأولويات تقديم مواد ودعم الإيواء الملائم الذي يلبي احتياجات الأسر الكريمة ويرعى الخصوصية، عبر تزويد النازحين بخيام ومستلزمات إيواء وسلال غذائية سريعة الاستهلاك، وبما يحد من التكدس الخانق في منازل الأسر المستضيفة وفي نقاط التجمع الجديدة.

بالإضافة إلى ذلك تبرز الحاجة الماسة إلى ضخ الأدوية والمستلزمات الطبية للوحدات والمستشفيات القريبة وإنشاء فرق ميدانية صحية للعناية بالجرحى والمصابين، فضلاً عن توفير مصادر مياه صالحة للشرب وخدمات إصحاح بيئي بديلة في مخيمات النزوح لمنع تفشي الأمراض والأوبئة التي تهدد التجمعات السكانية العشوائية.

عبد الله علي، صحافي يمني مهتم بشؤون المجتمع عمل مراسل لعدد من المواقع المحلية والعربية.