تواجه مديرية ماوية شرق محافظة تعز واحدة من أخطر الأزمات البيئية والاقتصادية في السنوات الأخيرة، إذ باتت مصادر المياه الجوفية تتراجع بوتيرة غير مسبوقة بسبب استنزاف القات، تاركة عشرات آلاف السكان أمام مأزق يومي في الحصول على احتياجهم من المياه.
وتزداد خطورة الأزمة كون المياه الجوفية هي الشريان الرئيسي للحياة والزراعة في اليمن، حيث تغطي ما يزيد عن 70% من إجمالي الاحتياجات المائية للبلاد، في ظل شح الأمطار وموسميتها ومحدودية المياه السطحية، ما يجعل الاعتماد عليها مصيرياً مقارنة بأي مصادر أخرى.
ورغم تعدد الأسباب التي أدت إلى غور المياه في باطن الأرض، من بينها التعميق العشوائي للآبار الارتوازية وضعف الرقابة الرسمية، إلا أن التوسع الكبير في زراعة القات يظل العامل الأبرز والأكثر تأثيراً في استنزاف هذا المخزون الحيوي.
ففي الوقت الذي تحولت فيه مزارع القات إلى المشهد الزراعي الأكثر حضوراً في ماوية بسبب مردوده الاقتصادي السريع؛ تراجعت المحاصيل الزراعية الأخرى.
مواضيع مقترحة
- عطش الأرض والإنسان: الجفاف يضاعف معاناة اليمنيين
- زراعة القات: تهديد للمحاصيل واستنزف للمياه الجوفية
- مبيدات شجرة القات: القاتل المتسلسل للنحل في اليمن
ويُعد القات المحصول النقدي الأول في اليمن، إذ يوفر فرص عمل ودخلاً يومياً للمزارعين يفوق بمراحل عائدات الحبوب والخضروات، إلا أن هذه “الجدوى الاقتصادية” الخاصة تأتي بكلفة مائية باهظة، حيث تستحوذ زراعته على نحو 40% من إجمالي المياه المستخدمة في الزراعة باليمن، مما زاد من حاجة المزارعين إلى تعميق الآبار بلا دراسات فنية، وأسهم في نزوح المياه من الطبقات الضحلة وارتفاع تكاليف استخراجها.
واقع صعب
ومع انحدار مستويات المياه عاماً بعد آخر، وجد السكان أنفسهم أمام واقع صعب يتطلب مراجعة عاجلة لسياسات الحفر والاستهلاك، قبل أن تصبح أزمة المياه في ماوية تهديداً دائماً للحياة والزراعة معاً، إذ أصبح عمق غالبية الآبار يتجاوز 800 متر، في حين تجاوز عمق بعضها 1200 متر.
توسّع المساحات المزروعة بالقات رفعت حاجة المزارعين للمياه، ما دفع الكثير منهم إلى البحث عن مصادر إضافية للري، وفي مقدمتها الآبار الارتوازية. وهنا بدأت المشكلة تأخذ منحى خطيراً، بعدما أصبح القات منافساً مباشراً لمياه الشرب، مستهلكاً النصيب الأكبر من المخزون الجوفي في المديرية.
يوضح المزارع محمد الشرماني أن شجرة القات تحتاج إلى كميات كبيرة من المياه على مدار العام، تفوق بكثير احتياجات المحاصيل الغذائية الأخرى كالذرة والخضروات، التي تعتمد غالباً على مواسم الأمطار أو الريّ المحدود.
في حين يؤكد طلال الشاووش أن التوسع في زراعة القات أدى إلى توجيه غالبية – إن لم تكن جميع – مصادر المياه لري هذا المحصول التجاري، على حساب المزروعات الغذائية التي بات كثير من المزارعين يتخلون عنها لعدم قدرتهم على مجاراة الاستنزاف المتزايد للمياه، الأمر الذي أسهم في تضييق المساحات المخصصة للغذاء وتحويل القطاع الزراعي في ماوية إلى نشاط يعتمد على محصول واحد شديد الاستهلاك للمياه.

يؤكد الشاووش في حديثه لـ”ريف اليمن”، أنه لم يتم حفر أي بئر جديدة في منطقته منذ عدة سنوات، وأن المشكلة القائمة سببها تعميق الآبار الارتوازية القديمة، لافتاً إلى أن حفر بئر جديدة اليوم أصبح يفوق القدرة على تحمل تكاليفها.
الحفر العشوائي
لم يكن التوسع في زراعة القات وحده المسؤول عن الوضع الحالي، فالحفر العشوائي للآبار الارتوازية لعب دوراً مسانداً في تسريع استنزاف المياه. فمع غياب الدراسات الفنية وعدم وجود رقابة صارمة من الجهات المختصة، اتجه كثير من المزارعين إلى حفر آبار أعمق من اللازم، في محاولة للوصول إلى المياه التي بدأت تنخفض بشكل واضح.
ويؤكد الدكتور أحمد الوادعي، الأستاذ المشارك بقسم الأراضي والمياه والبيئة بكلية الزراعة جامعة صنعاء، أن الأعماق الكبيرة للمياه في ماوية تعود لأسباب عملية واجتماعية وسياسية واقتصادية، وأولها الحفر العشوائي.
ويشير الدكتور الوادعي، في حديثه لـ”ريف اليمن”، إلى أن المشكلة تراكمت على مدى نحو 15 عاماً نتيجة التقلبات السياسية والفوضى، حيث استغل كثيرون غياب الرقابة والقانون وحفروا الآبار بكثافة، خصوصاً بين 2010 و2014، ما أدى لاستنزاف المياه الجوفية.
وتم حفر أكثر من 150 بئراً ارتوازية بشكل عشوائي خلال الأحداث التي شهدتها البلاد في عام 2011، ومع تصاعد النزاع وبداية الحرب خلال عامي 2015 و2016، وفق ما ذكره مسؤول في مكتب المياه بالمديرية.
وأشار المسؤول إلى أن هذه الفترة شهدت غياباً شبه كامل للرقابة الرسمية على الموارد المائية؛ ما أتاح للمواطنين والمستثمرين المحليين القيام بحفر الآبار دون الالتزام بالمعايير الفنية والقانونية المعتمدة، وهو ما أدى إلى انتشار الحفر العشوائية بشكل واسع في مختلف مناطق المديرية.
وأوضح المسؤول، الذي فضل عدم ذكر اسمه، أن أسباب توسع الحفر العشوائي لم تقتصر على ضعف الرقابة الحكومية فقط، بل امتدت لتشمل النفوذ الاجتماعي والمحسوبية التي ساعدت بعض الأفراد على تجاوز الإجراءات القانونية دون مواجهة أي عواقب.
توسّع المساحات المزروعة بالقات رفعت حاجة المزارعين للمياه، ما دفع الكثير منهم إلى البحث عن مصادر إضافية للري، وفي مقدمتها الآبار الارتوازية
ويؤكد أن هذا الوضع أدى إلى استنزاف طبقات المياه الجوفية بشكل كبير؛ مما أثر سلباً على توفر المياه للزراعة والاستخدام المنزلي، وزاد من حدة التحديات التي تواجه المديرية في إدارة مواردها المائية بشكل مستدام.
هذا الأسلوب غير المنظم أدى إلى زيادة الضغط على الطبقات المائية السطحية والعميقة معاً، وجعل كثيراً من الآبار التقليدية تجف كما لو أنها لم تكن موجودة أصلاً. كما تسبب الفارق الكبير في أعماق الآبار الحديثة بحدوث “مزاحمة مائية”، بحيث تستنزف الآبار العميقة ما تبقّى من مياه الآبار الضحلة المخصصة للشرب.
مخاوف بيئية
على المستوى البيئي، تبدو الصورة أكثر قتامة؛ فالبيانات المتاحة وشهادات الأهالي تؤكد أن منسوب المياه تراجع إلى مستويات غير مسبوقة، وأن بعض القرى اضطرت إلى ترك مصادرها التقليدية، والاعتماد على شراء المياه المنقولة عبر الشاحنات الصغيرة، ما رفع التكلفة وضاعف الأعباء.
جفافُ آبارٍ كانت تزوّد عشرات الأسر في الماضي، وتحوُّل مساحاتٍ زراعيةٍ إلى أرض غير قابلة للزراعة، يمثلان جزءاً فقط من المشهد. أما الجزء الآخر فهو المخاوف المتنامية من وصول الاستنزاف إلى مستويات لا يمكن تعويضها بسهولة، خصوصاً مع تراجع معدلات الأمطار في بعض المواسم، إضافة إلى الوصول إلى أعماق كبيرة تكون فيها المياه غير صالحة للشرب أو السقي.
ويؤكد الدكتور أحمد الوادعي، أن الخطر على الموارد المائية في المنطقة أصبح واضحاً وحاضراً، مشيراً إلى أن الحفر على أعماق تصل إلى 500 متر يُعد عمقاً كبيراً جداً وخطراً، بل وإن بلغ ألف متر فإنه يتطلب طاقة هائلة لعودة المياه إلى هذه الأعماق من جديد.
وأضاف أن هذا الوضع سيؤدي إلى استنزاف كبير للمياه، وقد يصل الأمر إلى حد عدم قدرة السكان على الحصول على مياه الشرب، فضلاً عن تأثيره السلبي على ري المحاصيل؛ ما يزيد من تفاقم المشكلة بشكل كبير.
من جانب آخر، اشتكى المزارع محمد الشرماني في حديثه لـ”ريف اليمن” من أن تعميق الآبار أدى لصعود مياه حارة جداً أثرت بشكل كبير على شجرة القات، التي تتحمل الظروف، ناهيك عن المزروعات الأخرى.
ويشدد الدكتور الوادعي على ضرورة تحليل عناصر المياه الكيميائية إن كانت كبريتية أو غير ذلك، مؤكدا أن جودة المياه وعناصرها الغذائية تقل كلما زاد عمق الآبار، خصوصاً إذا كانت في مناطق مخزون المياه فيها قليل جداً.

ويحذر من التأثير الكبير لهذه المياه أيضاً على الجانب الصحي، من خلال ظهور أمراض في الكلى والكبد والأسنان والعظام نتيجة عدم توازن العناصر الموجودة في المياه.
قانون حاضر وتطبيق غائب
في إطار تنظيم حفر الآبار الجوفية، ينص قانون المياه اليمني رقم (33) لسنة 2002 على إخضاع عمليات الحفر والتجهيز لضوابط فنية صارمة، إذ جاء في المادة (46) منه:
“باستثناء الأعمال السابقة لصدور هذا القانون وبما لا يتعارض مع أحكام القانون المدني، تخضع لنظام المعايير والمواصفات الفنية العامة المقررة الأعمال التالية:
1 – حفر آبار المياه.
2 – (أ) المواقع والتصاميم العامة لمنشآت الري والمياه، (ب) محطات معالجة وتحلية المياه.
3 – محارم الآبار والعيون والغيول والينابيع الطبيعية.
4 – مستلزمات الحفارات ومواد الحفر وأغلفة الآبار.
5 – المضخات.
وتحدد اللائحة هذه المعايير والمواصفات الفنية العامة وسائر القواعد والإجراءات المنفذة لأحكام هذه المادة”.
غير أن المشهد المائي في مديرية ماوية يعكس مسافة واسعة بين النص القانوني والتطبيق العملي، حيث تشير شهادات السكان والمزارعين إلى انتشار الحفر العشوائي وتجاوز المعايير الفنية، لا سيما في ما يتعلق بتعميق الآبار إلى أعماق تتجاوز 1000 متر دون دراسات هيدرولوجية معتمدة أو رقابة فنية فعّالة، الأمر الذي أسهم في اختراق بعض الأحواض المائية، وتدهور جودة المياه، وظهور المياه الكبريتية التي باتت تهدد الزراعة وصحة السكان على حد سواء.
ويرى الدكتور الوادعي أن زيادة الحفر العشوائي وعدم التقيد بقوانين الهيئة العام للموارد المائية، التي تنظم عملية الحفر ومراقبتها وتنفيذ الأحكام الصادرة ضد المخالفين، أسهمت في غور المياه الجوفية إلى باطن الأرض، مؤكداً أن “هناك لوائح وقوانين لكن تطبيقها غائب”.
أعباء يومية
لا يتوقف تأثير الأزمة على الجانب الزراعي فقط، بل يمتد إلى حياة السكان اليومية، فالكثير من الأسر باتت تقطع مسافات طويلة للحصول على الماء، فيما ارتفعت أسعار صهاريج المياه بشكل لا يتناسب مع متوسط الدخل.
كما بدأت تظهر مشكلات اجتماعية مرتبطة بالنزاع على موارد المياه المحدودة، خاصة في القرى التي تشترك في بئر واحدة. ويشير عبدالرحمن الشغدري إلى أنه وأسرته يواجهون صعوبات كبيرة خلال موسم الجفاف للحصول على مياه الشرب، لكن هذ الأمر يزداد تعقيداً عندما يتعلق بسقي مزرعة القات الخاصة به.
الشرماني:القات يحتاج إلى كميات كبيرة من المياه على مدار العام، تفوق بكثير احتياجات المحاصيل الأخرى التي تعتمد على الأمطار والريّ المحدود.
يوضح الشغدري، في حديثه لـ”ريف اليمن” أن وضعهم المادي الصعب يمنعهم من الاشتراك في الآبار المتاحة، ما يضعهم تحت ضغط مستمر، ويجعلهم مضطرين للبحث عن حلول بديلة، غالباً باهظة الثمن، لتأمين أقل احتياجاتهم من المياه، واصفاً هذا الوضع بأنه معاناة يومية تتكرر عاماً بعد عام، تعكس هشاشة سبل المعيشة بالنسبة لكثير من الأسر في المنطقة.
ويقول الشاووش إن أزمة المياه التي اجتاحت المنطقة العام الماضي دفعت العديد من الأسر إلى مغادرة منازلهم مؤقتاً والتوجه إلى مدينة تعز بحثاً عن الماء، حيث وجدوا أنفسهم مضطرين لمواجهة صعوبات السفر، ونقص الموارد، والتكيف مع ظروف جديدة، كل ذلك من أجل تأمين أبسط مقومات الحياة.
ويضيف أن هذه الهجرة المؤقتة تعكس حجم المعاناة اليومية التي يعيشها السكان، ومدى هشاشة حياتهم أمام شح المياه وتفاقم الأزمة.
مطالب مشروعة
ويطالب أهالي المديرية بضرورة تدخل الجهات المعنية بشكل عاجل لوضع حد لاستنزاف المياه الجوفية، مؤكدين أن استمرار الحفر العشوائي وتعميق الآبار يهدد مستقبلهم ويزيد من معاناتهم اليومية.
ويشير السكان إلى أن الوضع أصبح لا يحتمل، حيث يجدون أنفسهم مضطرين لدفع مبالغ كبيرة للحصول على كميات محدودة من المياه، بينما يرى البعض أن الحل يكمن في فرض رقابة صارمة على جميع عمليات التعميق، ومتابعة الالتزام بالقوانين واللوائح المعمول بها.
يضيف الأهالي أن التأخر في وضع الحلول يؤدي إلى تفاقم المشكلة بشكل أكبر، خصوصاً مع استمرار التوسع في زراعة القات، التي تستهلك كميات كبيرة من المياه؛ ما يترك الأسر غير القادرة مالياً في مواجهة أزمة حادة خلال مواسم الجفاف.
ويؤكد الشرماني، أنه “مع استمرار استنزاف البئر، أصبح من الصعب تأمين ما يكفي لسقي المزروعات، ناهيك عن توفير مياه الشرب لأسرنا”، مطالباً بوضع حد لهذا الهدر الكبير للمياه.
ويتفق معه الشاووش، الذي دعا الشيوخ والمجتمع المحلي الجهات الرسمية إلى إجراء مسح شامل للآبار الموجودة، وتحديد أعماقها وملكيتها ومعدل الاستخدام اليومي، لضمان إدارة عادلة ومستدامة للمياه، ومنع أي استنزاف إضافي قد يهدد حياة السكان والزراعة في المستقبل.
تحذيرات وحلول
يرى الخبراء أن الأزمة قابلة للحد من أثرها إذا تم اتخاذ إجراءات عاجلة، في مقدمتها وقف الآبار، إلزام أصحاب المزارع باستخدام الري الحديث، والحد من زراعة القات في المناطق الأكثر تأثراً.

كما يدعو الأهالي إلى إنشاء لجان مجتمعية محلية لمراقبة استهلاك المياه، وتنسيق الجهود بين المزارعين للحد من الممارسات التي تُسرّع نضوب المخزون الجوفي.
ويشدد الدكتور الوادعي على أن الحل الإستراتيجي الأول للحد من التدهور هو إيقاف التوسع في زراعة القات بشكل نهائي، واستبداله بمحاصيل تحتاج إلى مياه قليلة، كالشعير والذرة والقمح والأعلاف، ومنع الحفر العشوائي بحيث لا يتم منح تراخيص الحفر أو التعميق إلا بترخيص رسمي من الهيئة العامة للموارد المائية، يُمنح بعد إجراء دراسة مستفيضة حول إمكانية الحفر من عدمه.
في حين ينصح المزارع الشاووش بإنشاء حواجز مائية يتم عزل المياه فيها بمادة الـ”بولي إيثيلين”، يتم فيها جمع المياه من الآبار وخلال موسم الأمطار، وهي تجربة ناجحة طبقها بنفسه قبل عدة سنوات، أدت لقيام العديد من أبناء المنطقة بتطبيقها، ولا يزالون يستفيدون منها حتى اليوم.
ويشدد الدكتور الوادعي، في ختام حديثه، على أن الحلول العاجلة ضرورية، مؤكداً على ضرورة وضع لائحة صارمة تمنع الحفر غير القانوني وتعميق الآبار. كما أوصى بعمل مسح شامل للمنطقة يشمل عدداً دقيقاً للآبار (أعماقها، ملكيتها، ومعدل الاستخدام اليومي لكل بئر)؛ بهدف وضع خطة علمية وعملية لإدارة الموارد المائية وحمايتها من الاستنزاف.

