يُعد الحصول على المياه النظيفة أمراً ضرورياً للصحة العامة والكرامة والاستقرار، ومع ذلك في اليمن باتت أنظمة المياه معرضة ليس فقط للصراعات المحلية ولكن أيضًا لعدم الاستقرار الجيوسياسي العالمي.
ومن الحرب إلى ندرة المياه، استعرضت منظمة مسلم هاندز «Muslim Hands» كيف يهدد الصراع الجيوسياسي وصول المساعدات الإنسانية إلى المياه في اليمن، وخاصة أن البلاد تعيش أزمة مستمرة، وفق تقرير نشرته الشبكة البريطانية لمنظمات التنمية الدولية «Bond».
وخلال الأزمات توفر المساعدات المنقذة للحياة وتبرز الخدمات الإنسانية المتعلقة بالمياه والصرف الصحي والنظافة الصحية كأولوية، مثل توفير المياه الصالحة للشرب، وتعزيز النظافة الصحية، وخدمات الصرف الصحي الآمنة، بالإضافة إلى الصدمات المناخية.
وهذا يعتمد أنظمة مترابطة تشمل الطاقة واللوجستيات والتجارة الدولية والتمويل المقدم من الجهات المانحة، فالآبار تتطلب مضخات، والمضخات تتطلب وقودًا أو كهرباءً، كما تعتمد أنظمة المعالجة على المواد الكيميائية المستوردة وقطع الغيار والمعدات التقنية.
مواضيع مقترحة
- حروب المياه: نزاع يهدد النسيج المجتمعي في الريف
- الضالع: مياه الصرف الصحي تهدد بكارثة صحية وبيئية
- إدارة المياه في اليمن: بين حكمة الأجداد وجهل الأحفاد
وأدت التوترات الأخيرة في الشرق الأوسط إلى تفاقم المخاوف بشأن أمن طرق الشحن الاستراتيجية، مثل مضيق هرمز وممر البحر الأحمر، وأدت التوترات الإقليمية إلى ارتفاع الأسعار، والتدهور الاقتصادي الذي يقوض سبل العيش.
أما بالنسبة لليمن، حيث تعتمد أنظمة المياه الإنسانية بشكل كبير على الوقود المستورد ودعم المانحين، فإن عدم الاستقرار الجيوسياسي كهذا يُهدد بشكل مباشر حصول ملايين الأشخاص على المياه النظيفة. وفق التقرير.

أزمة المياه في اليمن
لا يزال اليمن يعاني من واحدة من أخطر الأزمات الإنسانية في العالم. فقد أدت سنوات من الصراع والانهيار الاقتصادي والصدمات المناخية وتدهور البنية التحتية إلى انعدام الأمن المائي المزمن في بلد كان أصلاً من بين أكثر دول العالم ندرة في المياه.
وفقًا لخطة الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في اليمن بشأن الاحتياجات الإنسانية والاستجابة لهذا لعام 2026:
• 22 مليون شخص يحتاجون مساعدة الإنسانية.
• 14,4 مليون شخص يحتاجون إلى دعم في مجال المياه والصرف الصحي.
• 59 بالمئة من مراكز الرعاية الصحية الأولية تفتقر إلى المياه الجارية.
ووفق تقارير منظمة الصحة العالمية في اليمن، تم تسجيل أكثر من 350 ألف حالة مشتبه بها بالكوليرا وأكثر من 1100 حالة وفاة مرتبطة خلال 18 شهراً فقط، بين مارس 2024 ونوفمبر 2025.
ومع استمرار تدهور شبكات المياه الحكومية، يعتمد ملايين اليمنيين على التدخلات الطارئة، بما في ذلك نقل المياه بالشاحنات، وإعادة تأهيل الآبار، وأنظمة الكلورة، وخدمات الصرف الصحي، وبرامج دعم النظافة.
وحذر تقرير الشبكة البريطانية، ولا تزال هذه الخدمات تعتمد بشكل كبير على توفر الوقود، وكفاءة سلاسل الإمداد، واستقرار تمويل الجهات المانحة.
ووتتسع فجوات التمويل والقيود التشغيلية، حيث أظهرت البيانات الصادرة عن مجموعة المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية في اليمن أنه في عام 2025 كانت النتائج كالتالي:
• 58 بالمئة من السكان المستهدفين لم يحصلوا على دعمًا مستدامًا لنظام المياه.
• 21 بالمئة فقط حصلوا على خدمات الصرف الصحي المستدامة.
• 39 بالمئة من السكان حصلوا على دعماً في مجال النظافة.
كما لا تزال جهود الاستجابة لأزمة المياه والصرف الصحي والنظافة في اليمن تعاني من نقص حاد في التمويل، فقد كان من المطلوب حوالي 176.9 مليون دولار أمريكي في عام 2025، ولكن لم يتم تأمين سوى حوالي 37.4 مليون دولار أمريكي.
وتُصعّب هذه الفجوة التمويلية على المنظمات الإنسانية الحفاظ على الخدمات الأساسية، وإعادة تأهيل البنية التحتية، والاستجابة لتفشي الأمراض. وبدون تمويل موثوق، فحتى البرامج القائمة تواجه خطر التعطيل. وفق التقرير.

نقل المياه بالشاحنات
في العديد من المخيمات والمناطق المتضررة من النزاع في اليمن، تمثل المياه المنقولة بالشاحنات المصدر الوحيد الموثوق به لمياه الشرب الآمنة.
إذ تشير التقديرات التي أجرتها مجموعة المياه والصرف الصحي والنظافة في اليمن إلى أن الحفاظ على نقل المياه بالشاحنات لحوالي 215000 نازح داخلياً عبر 97 موقعاً يتطلب أكثر من 92000 دولار أمريكي شهرياً.
بحسب تقرير الشبكة البريطانية، يكمن التحدي في أن نقل المياه بالشاحنات شديد التأثر بتقلبات أسعار الوقود. فأي زيادة في أسعار الوقود العالمية ترفع فوراً تكاليف النقل والتشغيل.
ففي محافظات مثل مأرب، حيث تعتمد المجتمعات المحلية بشكل كبير على المياه المنقولة بالشاحنات، فإن انقطاع سلاسل إمداد الوقود قد يجبر الوكالات الإنسانية على تقليص التغطية أو تعليق العمليات تماماً.
جغرافية الضعف
تُظهر الخرائط الإنسانية التي أعدتها الأمم المتحدة ومجموعة المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية في اليمن أن مساحات شاسعة من اليمن تندرج ضمن فئات الاحتياجات الإنسانية الشديدة.
ولا تزال محافظات مثل تعز ومأرب والحديدة تعاني من نقص حاد في الخدمات نتيجة لتضرر البنية التحتية، والنزوح، وتفشي الأمراض، وضعف الأنظمة العامة.
في الوقت نفسه، تستورد اليمن معظم احتياجاتها من الوقود. وأي خلل في صادرات النفط البحرية أو طرق الشحن الإقليمية قد يؤدي إلى ارتفاع سريع في تكاليف الوقود، مما يؤثر بشكل مباشر على عمليات ضخ المياه وتحلية المياه ونقلها بالشاحنات.
وتعتمد البرامج الإنسانية أيضاً بشكل كبير على المواد المستوردة، مثل الكلور والمضخات والأنابيب والمولدات وقطع الغيار.ويمكن أن تؤدي الاضطرابات في طرق الشحن في البحر الأحمر إلى تأخير تسليم الإمدادات الأساسية وتعطيل صيانة البنية التحتية.
يشير التقرير إلى احتمالية أن تؤدي الأزمات الجيوسياسية إلى تحويل انتباه المانحين والتمويل الإنساني بعيداً عن حالات الطوارئ المطولة مثل اليمن، مما يزيد من إضعاف خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية التي تعاني أصلاً من نقص التمويل.

النساء أكثر تأثراً
قد تكون العواقب الإنسانية المترتبة على عدم الاستقرار الجيوسياسي المطوّل وخيمة، وسيؤدي انخفاض فرص الحصول على المياه النظيفة إلى زيادة خطر تفشي الكوليرا والإسهال المائي الحاد، لا سيما في مناطق النزوح ذات الكثافة السكانية العالية.
تتأثر النساء والفتيات بشكل غير متناسب بندرة المياه، فغالباً ما يكنّ مسؤولات عن جلب المياه، وعندما يضطررن إلى السفر لمسافات أطول للحصول عليه، ويزداد عبءهن البدني وتعرضهن لأضرار.
وفي الوقت نفسه يظل الاعتماد الكبير على أنظمة الطوارئ التي تعمل بالديزل غير مستدام مالياً وبيئياً -وفق التقرير- في ذات السياق تكرر منظمة الصحة العالمية على أهمية المياه النظيفة والصرف الصحي للوقاية من الأمراض.
وقال وكيل الأمين العام للشؤون الإنسانية توم فليتشر ‹بعد مرور أكثر من عقد على اندلاع هذا الصراع، يواجه ملايين اليمنيين خيارات يومية مستحيلة: الطعام أم الدواء، التعليم أم العمل، البقاء على قيد الحياة أم النزوح›.
وأضاف في إحاطته السادسة لمجلس الأمن في 13 أغسطس/ آب الجاري ‹أخشى أن يكون الأثر الذي يتركه هذا الصراع على النساء والفتيات مقلقاً بشكل خاص حيث الرعاية الأساسية لهن بعيدة المنال›.
وتحتاج ما يقرب من 11 مليون امرأة وفتاة إلى دعم إنساني، ومن بينهن 5.5 مليون امرأة في سن الإنجاب وأكثر من 750 ألف امرأة حامل، فأربع من كل خمس نساء يفتقرن إلى إمكانية الحصول على خدمات الصحة الإنجابية المنقذة للحياة، وتموت ثلاث نساء كل يوم جراء مضاعفات مرتبطة بالحمل كان من الممكن الوقاية منها.
بناء أنظمة مياه إنسانية مرنة
وللحد من التعرض للصدمات الجيوسياسية، يجب أن تعطي استراتيجيات المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية الإنسانية الأولوية للمرونة والاستدامة. وفق تقرير منظمة منظمة مسلم هاندز.
تشمل الأولويات الرئيسية ما يلي:
– توسيع أنظمة المياه التي تعمل بالطاقة الشمسية لتقليل الاعتماد على الديزل.
– تعزيز مؤسسات المياه المحلية والقدرات التقنية.
– التخزين المسبق للإمدادات الحيوية، مثل الكلور والمضخات وقطع الغيار.
– زيادة آليات التمويل الإنساني المرنة والمتعددة السنوات.
– الاستثمار في بنية تحتية للمياه قادرة على الصمود أمام تغير المناخ وتدار محلياً.
ضمان الحصول على المياه النظيفة في سياقات هشة كاليمن ليس مجرد مسؤولية إنسانية بل يجب أن يصبح أولوية استراتيجية عالمية
وإدراكاً للصلة بين أمن الطاقة والصراع الجيوسياسي والحصول على المياه لأغراض إنسانية,تُظهر بيانات الرصد الإنساني بوضوح أن قطاع المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية يعمل بالفعل تحت ضغط شديد.
إن مواجهة هذا التحدي تتطلب أكثر من مجرد الاستجابة الطارئة، يجب على الحكومات والجهات المانحة والمنظمات الإنسانية والجهات الفاعلة في مجال التنمية أن تدرك العلاقة المتنامية بين أمن الطاقة والصراع الجيوسياسي والحصول على المياه لأغراض إنسانية.
يُعد الاستثمار الأكبر في أنظمة المياه التي تعمل بالطاقة المتجددة، والبنية التحتية المرنة، والقدرات التقنية المحلية، والتمويل الإنساني المتوقع أمراً ضرورياً لحماية المجتمعات التي تعاني من نقص المياه وسوء الصرف الصحي من الصدمات المستقبلية.
إن ضمان الحصول على المياه النظيفة في سياقات هشة كاليمن ليس مجرد مسؤولية إنسانية، بل يجب أن يصبح أولوية استراتيجية عالمية.





