الأربعاء, 19 أغسطس 2026
منصة إعلامية يمنية مستقلة متخصصة في تغطية شؤون المجتمع الريفي في اليمن تهدف إلى تسليط الضوء على الأبعاد الاجتماعية والثقافية والاقتصادية.
مياه

العطش يفتك بالقبيطة.. شبح الجفاف يهدد آلاف السكان

📅 أغسطس 18, 2026

قبل شروق الشمس، تغادر نساء وأطفال من أهالي قرى مديرية القبيطة بمحافظة لحج، منازلهم حاملين أوعية المياه الفارغة، في رحلة يومية شاقة تمتد لساعات بحثاً عن بئرٍ لا تزال تحتفظ ببقايا من المياه.

وبين أرضٍ تشققت بفعل الجفاف، وآبارٍ نضبت، ومزارع فقدت خضرتها، تتكشف ملامح واحدة من أشد موجات الجفاف التي تضرب قرى واسعة منذ سنوات في المديرية، لتضع آلاف الأسر أمام معركة يومية للحصول على أبسط مقومات الحياة.

ونتيجة لاستمرار انقطاع الأمطار لأكثر من ستة أشهر متتالية، اتسعت رقعة الأزمة لتتجاوز ندرة مياه الشرب، وتمتد آثارها إلى الزراعة والثروة الحيوانية ومصادر دخل السكان، وسط مخاوف من تفاقم الأوضاع الإنسانية إذا استمر الجفاف دون تدخلات عاجلة ومستدامة.


مواضيع مقترحة

الجفاف يهدد الزراعة الموسمية في عدد من المناطق اليمنية
أزمة المياه في جبل صبر.. صراع البقاء بين الشحّ والتكيف
الضالع.. الماء المسموم بالفلورايد يحاصر السكان


يقول الناشط المجتمعي عبده هزاع القباطي لـ”ريف اليمن”، إن أكثر من 30 ألف نسمة في مناطق واسعة من مديرية القبيطة يواجهون أزمة مائية حادة، لا سيما في المناطق الجنوبية، منها: الأغبرية، والكاذي، والكعثل، وجبل العشة، وعراصم، والرماء، إضافة إلى مناطق في الجهة الشرقية، بينها قنقنان، والسعادنة، وشوحط، ووادي حدابة، وغيرها من القرى المتضررة.

وأضاف أن منطقة الكاذي تضم خزانين مركزيين أنشأهما الصندوق الاجتماعي للتنمية عام 2010؛ الأول بسعة 600 متر مكعب، والثاني بسعة 720 متراً مكعباً، إلا أن اشتداد الجفاف دفع الأهالي إلى فتحهما لتزويد السكان بالمياه، ولا سيما أهالي منطقة جبل العشة، حيث تقطع النساء أكثر من 3 كيلومترات سيراً على الأقدام عبر تضاريس جبلية وعرة لجلب المياه.

أكثر من 30 ألف نسمة في مناطق واسعة من مديرية القبيطة يواجهون أزمة مائية حادة (ريف اليمن)

ويبين القباطي أن المياه المخزنة في الخزانين لم تصمد سوى بضعة أيام قبل أن تنفد، ما أعاد الأهالي إلى دائرة البحث عن مصادر بديلة للمياه في ظل استمرار الجفاف، مؤكداً أن المنطقة بحاجة ماسة إلى إنشاء مزيد من الخزانات المركزية، إلى جانب صيانة وترميم الخزانات القائمة.

ويرى أن ذلك سيسهم في تعزيز قدرة السكان على مواجهة شح المياه والتخفيف من آثار موجات الجفاف المتكررة، لافتا أن سعر صفيحة المياه سعة 20 لترًا بلغ 1500 ريال يمني في المناطق الأكثر تضررًا من الجفاف.

آثار الجفاف

في السياق ذاته، قال المزارع محمد سعيد صالح، من أهالي منطقة الرماء، لـ”ريف اليمن”، إن الجفاف تسبب في تراجع كبير للنشاط الزراعي، بعد أن فقدت الأرض قدرتها على الإنتاج نتيجة شح المياه وتأخر هطول الأمطار، ما أجبر كثيرًا من المزارعين على ترك أراضيهم، فيما يبست مزارع أخرى في المنطقة.

وأضاف أن نقص المياه لم يقتصر أثره على الزراعة، بل امتد إلى الثروة الحيوانية، مع تراجع المراعي الطبيعية وارتفاع أسعار الأعلاف، ما زاد من معاناة الأهالي الذين يعتمد كثير منهم على تربية المواشي مصدرًا رئيسيًا للعيش.

وأشار إلى أن استمرار الجفاف يهدد ما تبقى من النشاط الزراعي والحيواني، مطالباً بتدخلات عاجلة لتوفير مصادر مياه مستدامة، ودعم المزارعين بما يساعدهم على الحفاظ على أراضيهم ومواشيهم في ظل الظروف المعيشية الصعبة بالوقت الراهن.

من جانبه قال الناشط عزام فاروق لـ”ريف اليمن”، إن الجفاف اضطره إلى النزوح من منطقة الرماء بمديرية القبيطة إلى مدينة عدن منتصف يوليو الجاري، بعدما أصبحت الحياة أكثر صعوبة مع شح المياه وتراجع مصادر الدخل.

تشير بيانات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن اليمن يعد أحد أكثر البلدان التي تعاني من ندرة المياه (ريف اليمن)

وأضاف أن كثيراً من الأهالي يواجهون ظروفًا معيشية قاسية في ظل فقدان مقومات الاستقرار وتزايد الأعباء الاقتصادية، ما دفع بعض الأسر إلى مغادرة مناطقها بحثًا عن مصادر مياه وفرص عيش أكثر استقرارًا.

حلول الأزمة

يوضح المهندس عبدالله صالح، استشاري الموارد المائية، لـ”ريف اليمن”، أن التغيرات المناخية أسهمت بشكل مباشر في تعميق أزمة الجفاف التي تعانيها مديرية القبيطة، لافتًا إلى أن تأخر هطول الأمطار الموسمية، التي يعتمد عليها السكان في حصاد مياه الأمطار وتخزينها، أدى إلى انخفاض المخزون المائي واتساع رقعة الأزمة، في ظل غياب مصادر مائية بديلة.

واستبعد صالح جدوى حفر الآبار الارتوازية كحل لأزمة المياه في القبيطة، موضحًا أن الطبيعة الجيولوجية لمناطق المديرية، المكوّنة من صخور الأساس (Basement rocks) محدودة القدرة على تخزين المياه، تجعل الوصول إلى مخزون جوفي كافٍ ومستدام أمرًا صعبًا، وتحد من فاعلية هذه الآبار كحل طويل الأمد.

وأشار إلى أن إنشاء الحواجز المائية لا يمثل حلاً جذرياً للأزمة، إذ تعتمد فائدتها بشكل أساسي على هطول أمطار غزيرة، حيث تقتصر مهمتها غالباً على تغذية بعض الآبار السطحية الواقعة في الوديان أسفل تلك الحواجز، لكنها لا توفر مخزوناً مائياً مستداماً يمكن الاعتماد عليه خلال فترات الجفاف الطويلة.

واستشهد صالح بما آلت إليه أوضاع الحواجز المائية في مديرية القبيطة، والتي جفّت بالكامل مع استمرار الجفاف وتراجع الأمطار، معتبراً أن ذلك يبرهن على محدودية فاعلية هذه المنشآت في مواجهة موجات الجفاف طويلة الأمد، ويؤكد أنها لا توفر مصدراً مائياً مستداماً يمكن التعويل عليه في مثل هذه الظروف.

تسبب الجفاف بتراجع كبير للنشاط الزراعي وفقدت الأرض قدرتها على الإنتاج نتيجة شح المياه وتأخر هطول الأمطار (ريف اليمن)

وأكد أن الحلول الأكثر جدوى تكمن في التوسع بإنشاء الخزانات المركزية والمنزلية لحصاد مياه الأمطار، بما يسهم في تعزيز المخزون المائي وتقليل آثار الجفاف مستقبلًا، إلى جانب تنفيذ تدخلات إسعافية عاجلة لتوفير المياه عبر صهاريج النقل إلى المناطق المتضررة، بما يضمن استمرار وصول مياه الشرب إلى السكان حتى تحسن الظروف المناخية واستئناف هطول الأمطار.

تحذيرات أممية

توضح الأمم المتحدة في تقرير لها أن اليمن يُعد من أكثر البلدان معاناةً من شح المياه في العالم، إذ لا تتجاوز حصة الفرد من موارد المياه المتجددة 80 مترًا مكعبًا سنويًا، وهي نسبة تقل كثيرًا عن الحد العالمي البالغ 1000 متر مكعب سنويًا، الذي يُعد مؤشرًا على الإجهاد المائي.

وتؤكد أن غياب الأنهار الدائمة في اليمن جعله يعتمد بشكل رئيسي على مياه الأمطار والمياه الجوفية، التي تشهد تراجعًا متسارعًا، فيما تتحمل المجتمعات الريفية العبء الأكبر من هذه الأزمة، كما يفتقر أكثر من 14.5 مليون شخص في اليمن إلى خدمات مياه الشرب المأمونة والصرف الصحي، ويتركز معظمهم في المناطق الريفية والنائية صعبة الوصول.

ويُعد اليمن من أكثر الدول عرضة لتغير المناخ على مستوى العالم، كما تشير بيانات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وأحد أكثر البلدان التي تعاني من ندرة المياه، وقد أسهم الجفاف ومحدودية موارده المائية وسوء إدارة المياه والاستغلال المفرط لها في انعدام الأمن المائي، فيما تتفاقم الأزمة مع تصاعد تأثيرات تغير المناخ.