في الوقت الذي يعيش فيه أكثر من 12.2 مليون طفل في اليمن تحت وطأة أزمة إنسانية قاسية، جاءت موجة التصعيد العسكري الأخيرة لتقضي على ما تبقى من استقرار هش، وسط نزوح واسع يتزايد مع اتساع رقعة المواجهات الميدانية.
وقُتل ما لا يقل عن 19 طفلًا وأُصيب 49 آخرون خلال نحو 6 أسابيع «بين 1 أغسطس – 9 سبتمبر» وذلك ضمن حصيلة بلغت 117 مدنيًا قتيلًا و206 مصابين جراء تصاعد أعمال العنف في اليمن، وتُظهر البيانات تصاعدًا مقلقًا في تأثير النزاع على المدنيين ولا سيما الأطفال. ووفق منظمة «أنقذوا الطفولة».
وخلال أسبوعين مطلع سبتمبر/ أيلول 2026، أجبرت المواجهات المسلحة أكثر من 104 آلاف شخص على الفرار من ديارهم خلال أسبوعين فقط، غالبيتهم من الأطفال الذين يشكلون أكثر من 57 ألفاً من إجمالي النازحين الجدد.
كما تسببت بحرمان مئات الاالاف من الأطفال من حقهم في التعليم والعلاج، لتؤكد من جديد أن أطفال اليمن هم الأكثر تأثراً بالنزاع المستمر منذ أكثر من عشر سنوات، وفق منطمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف».
مواضيع مقترحة
مخاطر النزوح
تتجاوز المخاطر التي يواجهها أطفال اليمن جبهات القتال المباشرة لتلاحقهم في مسارات النزوح، حيث تتقاطع مرارة التهجير مع مخاطر الألغام والذخائر المتفجرة المنتشرة في مناطق التماس ومخيمات اللجوء.
ولا تتوقف الخسارات عند حد نزوح الأطفال من منازلهم وفرارهم مع أسرهم فقط، حيث امتدت لتسجل أثماناً باهظة في أرواحهم، إذ أسفرت أعمال العنف منذ مطلع سبتمبر عن مقتل تسعة أطفال على الأقل وإصابة 12 آخرين، إضافة إلى مفقودين ثلاثة عقب هجوم استهدف الطريق الرابط بين الساحل الغربي ومدينة عدن.
وتُظهر البيانات تصاعدًا مقلقًا في تأثير النزاع على المدنيين، ولا سيما الأطفال، إذ سُجل 175 ضحية مدنية خلال أسبوع واحد فقط بين 3 و9 سبتمبر/أيلول، من بينهم 43 طفلًا، ويمثل هذا الرقم أعلى حصيلة أسبوعية من الضحايا الأطفال خلال 2026، ما يعكس التدهور المتسارع للأوضاع الإنسانية والأمنية.
يونيسف: أُغلقت 243 مدرسة أو تعطلت فيها الدراسة مما حرم أكثر من 137 ألف طالب من التعليم ليضافوا إلى نحو 3.2 مليون طفل هم بالأساس خارج المقاعد الدراسية
وفي واحدة من أشد صور المأساة قسوة، تخوض أكثر من 240 امرأة حاملاً في الساحل الغربي مخاضاً شاقاً في العراء دون رعاية طبية أو مستلزمات توليد، مما يضع حياتهن وحياة أطفالهن في خطر.
وتُشير بيانات منظمة الصحة العالمية إلى أن أعداد النساء والفتيات في سن الإنجاب بين النازحين الجدد بلغت 2,685 امرأة وفتاة، يتنقلن في ظروف بالغة القسوة تُهدد السلامة الصحّية للمواليد الجدد.
ولم تقف أبعاد الأزمة عند حدود الجغرافيا المحلية، بل امتدت نحو مضيق باب المندب، حيث سجلت التقارير وصول أكثر من 2000 شخص بينهم نسبة كبيرة من الأطفال إلى شواطئ جيبوتي، بعد قطعهم رحلة بحرية عالية الخطورة هرباً من تصاعد العمليات العسكرية.
الحرمان من التعليم والخدمات
بالتزامن مع بدء العام الدراسي الجديد 2026-2027 في اليمن، تسببت المعارك الدائرة في غرب تعز وجنوب الحديدة ومأرب في إيقاف تام للخدمات الأساسية التي تعتمد عليها حياة الأطفال وتعليمهم.
ووفق تقرير ‹يونيسف› أُغلقت 243 مدرسة أو تعطلت فيها الدراسة، مما حرم أكثر من 137 ألف طالب من التعليم، ليضافوا إلى نحو 3.2 مليون طفل هم بالأساس خارج المقاعد الدراسية خلال السنوات الماضية مما يعكس التأثير العميق للأزمة المستمرة.
ويتزامن التراجع مع توقف العمل في 26 مرفقاً صحياً في مناطق النزاع، مما يضاعف المخاطر المحدقة بنحو 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة يعانون من سوء التغذية الحاد، بينهم أكثر من 515 ألف طفل يواجهون سوء تغذية حادًا وخيمًا، وهو أحد أخطر أشكال سوء التغذية التي تهدد حياة الأطفال.
ريشانا حنيفة: لقد عانى أطفال اليمن عقودًا من الأزمات المتداخلة ما جعل الملايين منهم في وضع هش حتى قبل التصعيد الأخير ويجب حمايتهم مهما كان الثمن
وقبل موجة التصعيد الأخيرة كان نحو 12.2 مليون طفل في اليمن بحاجة إلى مساعدات، كما يفتقر حوالي 17.8 مليون شخص إلى خدمات الرعاية الصحية والمياه والصرف الصحي بشكل كافٍ.
ووفقاً للبيانات الصحية لعام 2026، يواجه القطاع الصحي خطر الانهيار التام جراء تآكل البنية التحتية والنقص الحاد في المستلزمات والكوادر الطبية، مما أضعف قدرة المرافق على الاستجابة للاحتياجات الحادة.
بينما لا تعمل سوى 60% من المرافق الصحية بكامل طاقتها، الأمر الذي يزيد من صعوبة تلبية الاحتياجات الأساسية للسكان ويعمق التحديات الإنسانية في مختلف أنحاء اليمن.

إحتياجات إنسانية
ويعد الأطفال والنساء في اليمن أكبر المتضررين من النزوح حيث يمثلون نحو 60 بالمئة من موجة النزوح الجديدة في ظل تراجع الدعم الدولي، إذ يصطدم اتساع رقعة النزوح بنقص حاد يُهدد حياة آلالاف الأطفال.
ومع تزايد الاحتياجات الميدانية، يعيق العجز المالي تقديم الحماية للأطفال المنفصلين عن ذويهم، ويمنع توسيع برامج الدعم النفسي والاجتماعي لصغار يواجهون صدمات النزوح المتكررة ومشاهد العنف.
كما يتسبب التراجع التمويلي في حرمان آلاف الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد الوخيم من خدمات الفرق الطبية المتنقلة، إل جانب تقليص برامج التوعية بمخاطر الألغام والذخائر المتفجرة في مناطق التماس ومسارات النزوح.
وقالت ريشانا حنيفة، المديرة القطرية لمنظمة أنقذوا الأطفال في اليمن ‹من شأن التصعيد الأخير أن يزيد من تفاقم الأزمة الصحية التي تواجه الأطفال والأسر في مختلف أنحاء البلاد›.
وأضافت في تصريح صحافي بأن ‹الأعمال القتالية المستمرة إلى تقليص فرص حصول الأطفال على الرعاية الصحية وغيرها من الخدمات الأساسية، كما تؤثر المعارك على إيصال الأدوية والمواد الغذائية العلاجية والمستلزمات الطبية›.
ويثير النزوح تساؤلات ملحة حول أماكن حصولهم على المساعدة عند الحاجة -وفق ريشانا حنيفة- التي حذرت من أن تداخل الصراع والنزوح وانتشار الأمراض المعدية والمنقولة عبر المياه، بما في ذلك الحصبة والإسهال المائي الحاد والكوليرا، قد يقود إلى كارثة إنسانية واسعة النطاق.
وقالت: ‹لقد عانى أطفال اليمن عقودًا من الأزمات المتداخلة، ما جعل الملايين منهم في وضع هش حتى قبل التصعيد الأخير. ويجب حمايتهم مهما كان الثمن›.





