يعيش الحاج محمد محسن (80 عاماً)، في ريف عزلة نخلان بمحافظة إب، تجربة قاسية مع تراجع الذاكرة، إذ تسببت جلطة دماغية تعرض لها في الحد من قدرته على الحركة، وتقليل اختلاطه بالناس وجعلت المنزل ملاذه الوحيد، بعد أن كان على تواصل مستمر مع أهله وجيرانه.
ومع مرور الوقت، لاحظت أسرته تراجعاً تدريجياً في ذاكرته، إذ قلّت رغبته في الحديث لتقتصر على المقربين وعلى نطاق ضيق، ثم بدأ ينسى أسماء زائريه، وصولاً إلى نسيان أسماء أبنائه واسترجاعها في أوقات متفرقة.
يقول عبد الكريم، ابنه الأكبر، إن إصابة والده بالجلطة كانت نقطة تحول في حياته، إذ بدأت بعدها تظهر عليه أعراض فقدان الذاكرة.
ويضيف أن الأسرة كانت منشغلة في البداية بعلاجه واستعادة حركته، ولم تستوعب التغير السلوكي الحاصل إلا بعدما لاحظت عجزته عن استيعاب بعض الأمور وتذكره لتفاصيل كان يعرفها جيداً.
مواضيع مقترحة
- الإسعافات الأولية في الأرياف.. بين العشوائية وضرورة الإنقاذ
- ‹الملاريا› وباء موسمي يثقل كاهل سكان الريف
- بين الاحتواء والإخفاء.. كيف يشكّل الريف مصير أطفال التوحد؟
وأوضح عبدالكريم لـ”ريف اليمن” صعوبة التحول على الأسرة، لا سيما أن والده كان يتمتع بذاكرة حاضرة تدقق في الوجوه والأسماء وأبسط الأحداث، قبل أن تتدهور عقب إصابته بالجلطة وتناوله أدوية التجلط.
معاناة الأبناء قبل الأباء
لافتا أن فقدان الذاكرة تجربة ثقيلة، خاصة حين يصيب بها أحد الوالدين، معبرا عن حزنه حين يعجز والده عن التعرف إلى مقربيه، موضحاً أن الابن يفتقد حتى دعوةً من أبيه أو كلمة دافئة تشعره بقربه، مع خشية دائمة من أن يتحول ثقل الألم إلى قسوة في التعامل. ويؤكد حرصه على احتواء والده ورعايته، أملاً في الصبر والقدرة على خدمته.
وفي قصة مماثلة من إحدى قرى محافظة عمران، تخوض أم سليم (60 عاماً) رحلة علاجية شاقة منذ إصابتها بالفشل الكلوي قبل نحو عام، إذ تخضع لجلسات غسيل الكلى مرتين أسبوعياً.
ومع استمرار العلاج، لاحظت أسرتها تغيراً غير متوقع، إذ بدأت تنسى وجوه أفراد عائلتها وأسماءهم، قبل أن تستعيد ذاكرتها تدريجياً بعد كل جلسة.
في البداية، لم تجد الأسرة تفسيراً لما يحدث، وظنت أن النسيان عرضٌ عابر مرتبط بإرهاق الحالة الصحية، خاصة مع استعادتها للذاكرة بين الحين والآخر.
ومع تكرار الظاهرة واستمرارها، تزايدت مخاوف العائلة، لتُدرك أن الوضع يتطلب متابعة وتقييماً طبيين متخصصين.
تقول زوجة ابنها لـ “ريف اليمن” إن أم سليم عانت نحو 25 عاماً من مرض السكري، قبل أن تفجع بفقد ابنها العشريني؛ لتعيش بعدها فترة حزن وضغوط نفسية حادة.
وتضيف أن حالتها الصحية استمرت في التدهور حتى أصيبت بالفشل الكلوي، لتظهر عليها لاحقاً مشكلات الذاكرة.
وتوضح أن فقدان الذاكرة ما يزال في مراحله الأولى؛ إذ تنسى الأشخاص لفترات وجيزة، أو تظن أن أبناءها لم يتواصلوا معها، فضلاً عن نسيان بعض التفاصيل اليومية البسيطة حيث تسعى الأسرة لاحتوائها بصبر، وسط مخاوف من تفاقم الحالة وصعوبة رعايتها مستقبلاً.
عوامل ومسببات
ويرى الدكتور محمد القيسي أن مرض الزهايمر يُعد اضطراباً عصبياً تقدمياً وأحد أكثر أسباب الخرف شيوعاً؛ إذ يؤدي تدريجياً إلى تراجع الذاكرة والقدرات الإدراكية والتفكير والسلوك.
موضحاً أن احتمالية الإصابة بالمرض تزداد بشكل ملحوظ مع التقدم في العمر، ولا سيما بعد سن الخامسة والستين، مشيراً إلى أن العامل الوراثي يؤدي دوراً رئيسياً في رفع نسبة الإصابة.
ويضيف لـ “ريف اليمن” أن عدداً من العوامل الصحية وعادات نمط الحياة ترتبط أيضاً بارتفاع احتمالية الإصابة بالمرض، من أبرزها أمراض الأوعية الدموية، والسكري، وارتفاع ضغط الدم، والسمنة، وارتفاع الكوليسترول، فضلاً عن التدخين، والتغذية غير المتوازنة، والضغوط النفسية، والاكتئاب، والعزلة الاجتماعية، وقلة التحفيز الذهني.
ويوضح القيسي أن كثيراً من العوامل يمكن الحد من أثرها عبر تحسين نمط الحياة والعناية بالصحة العامة، في حين يظل التقدم في العمر والعامل الوراثي من العوامل التي لا يمكن التحكم فيها أو تغييرها.
ويشدد على أهمية الاكتشاف المبكر للحالة، موضحاً أن التشخيص والتدخل الطبي المبكرين يساعدان على إدارة الأعراض وتحسين جودة حياة المريض، رغم أنهما لا يمنعان بالضرورة التطور التدريجي للمرض.
ويؤكد القيسي أن فقدان الذاكرة لا يعني بالضرورة الإصابة بالزهايمر؛ إذ قد تنتج مشكلات الذاكرة عن أسباب صحية متعددة أو آثار جانبية لبعض الأدوية التي تسبب تشوشاً مؤقتاً، مما يجعل التقييم الطبي المتخصص ضرورياً عند ظهور أعراض مستمرة للتمييز بين الزهايمر وغيره من الاضطرابات الإدراكية.
غياب الإحصائيات
ويواجه ملف مرض الزهايمر في اليمن تعتيمياً إحصائياً وتحديات صحية معقدة؛ إذ تُعنى مؤسسة يمن ضد الزهايمر بالاهتمام بالمرضى وتقديم الخدمات التوعوية لهم.
وأكدت الموسسة في حديث لـ “ريف اليمن”، غياب البيانات الرسمية الدقيقة، مع تقديرات غير رسمية تشير إلى وجود أكثر من 100 ألف حالة، قد تكون أعلى بكثير جراء الالتباس الشائع بين أعراض المرض والتغيرات الطبيعية للشيخوخة.
وتقتصر الخدمات التي تقدمها المؤسسة حالياً على تنظيم الندوات التوعوية ونشر المعرفة حول طرق الوقاية والرعاية الأسرية، إضافة إلى تدريب الكوادر التمريضية ومقدمي الرعاية على كيفية التعامل مع المصابين.
وفي كثير من البيوت الريفية، تقع أعباء العناية بكبار السن على عاتق الأسر التي تجد صعوبة في التوفيق بين متطلبات الحياة اليومية ورعاية مريض بدأ يفقد ذاكرته؛ إذ يُعقّد التداخلُ بين النسيان وأمراض الشيخوخة الأخرى مسارَ التشخيص الطبي المبكر للوصول إلى السبب الحقيقي للتدهور الإدراكي.
ولا تتوقف المعاناة عند حدود الريف اليمني؛ إذ يعاني أكثر من 57 مليون شخص في العالم من مرض الزهايمر وفق إحصائيات منظمة الصحة العالمية، وهو ما يدفع العالم للتوعية بهذه المعاناة في 21 سبتمبر من كل عام بالتزامن مع اليوم العالمي للزهايمر.





