في جبال السدة بمحافظة إب، وسط اليمن، يغامر أطفال بحياتهم بحثا عن نبتة الزعتر التي تحولت إلى مصدر رزق موسمي لأسر ريفية تعاني شحّ فرص العمل، وبين المنحدرات الوعرة ومخاطر السقوط ولدغات الأفاعي، يمضي هؤلاء الأطفال ساعات طويلة في جمع النبتة، مقابل عائد مادي محدود لا يتناسب مع مشقة العمل ومخاطره.
رحلة البحث عن لقمة العيش لا تهدد سلامة الأطفال وحدهم؛ إذ يفاقم الإقبال المتزايد على الزعتر، واقتلاعه من جذوره، مخاوف تراجع انتشاره في البرية واحتمال انقراضه، في ظل غياب التوعية بأساليب الجمع المستدام وضعف جهود حماية النباتات البرية.
سامي (13 عامًا) أحد الأطفال الذين يقومون بجمع الزعتر، ويقول إنه يبدأ رحلته إلى الجبال عقب هطول الأمطار، حاملًا أدوات جمع الزعتر، على أمل تأمين بعض احتياجات أسرته، لافتا أن اخضرار الجبال يدفعه إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى أماكن نمو النبتة، رغم ما يواجهه من مخاطر في الطرق الوعرة.
ويضيف لـ”ريف اليمن”: “رغم الجهود الكبيرة يظل العائد المادي ضئيل، نعمل طوال الأسبوع لجمع كميات تخضع لمراحل تنظيف وتجفيف شاقة، لتُباع في النهاية بسعر لا يتجاوز ألف ريال اي نحو دولارين للكيلوغرام الواحد”.
مواضيع مقترحة
- «العُثْرُب» طب الأجداد مازال يستخدم كدواء في الريف
- التداوي بالأعشاب.. ملجأ سكان الريف في اليمن
- “الصّبِر المُر” ملجأ أسرة يمنية للعيش
رحلة شاقة
تتطلب رحلة البحث عن الزعتر جهودًا مضاعفة، في ظل وعورة الطرق الجبلية وبعد أماكن نمو النبتة. ويوضح سامي أنه يقطع مسافات طويلة برفقة صديقه أحمد، وكلاهما يتيم، ويعتمدان على نفسيهما في توفير مصاريف أسرتيهما.
ومع رفض سائقي السيارات نقلهما، يضطر الطفلان أحيانًا إلى التعلق بمؤخرة الشاحنات المارة دون علم سائقيها، في مغامرة قد تنتهي بالسقوط والإصابة. وعندما يتعذر عليهما ذلك، يسيران على الأقدام مدة تتراوح بين ساعة وساعتين، انطلاقًا من قرية ظفار باتجاه جبال كتاب وعراس والسدة، عبر مسالك جبلية تمتد من خمسة إلى ثمانية كيلومترات.

ورغم مشقة الرحلة، لا يضمن جمع الزعتر عائدًا ماديًا كافيًا. يقول ناجي علي، وهو أب لثلاثة أطفال يعملون في جمع النبتة، لـ«ريف اليمن»: «صحيح أن الزعتر يساعدنا في توفير المصروف الأساسي للمنزل، لكن المردود قليل جدًا، إذ يعمل الأولاد طوال الأسبوع وبالكاد يحصلون على 10 إلى 15 كيلوغرامًا جاهزة للبيع».
ويضيف أن العمل لا ينتهي بجمع المحصول، بل يتبعه التجفيف تحت أشعة الشمس، ثم الجرش والغربلة والتنظيف لإزالة الأعواد والشوائب، قبل بيع الزعتر في صورة أوراق يابسة. وبعد هذه المراحل، لا تتجاوز حصيلة العمل اليومي لأطفاله، بحسب قوله، كيلوغرامًا ونصف الكيلوغرام من المحصول الجاهز للبيع.
صعوبات ومخاطر
مع تراجع الزعتر في المناطق القريبة والسهلة الوصول، يضطر جامِعوه إلى التوغل في التلال والمنحدرات الوعرة بحثًا عن أماكن نموه، ما يزيد المخاطر التي يتعرض لها الأطفال والشباب، خصوصًا في ظل غياب إرشادات السلامة والتوعية بطرق الجمع الآمن.
وتروي أم حمزة (55 عامًا)، التي تجمع الزعتر وتبيعه، جانبًا من هذه المخاطر، قائلة: «نجمع أنا وابني كميات يومية ونخزن المحصول لإرساله إلى سوق يريم كل يوم أحد، لكن ابني الوحيد تعرض لكسر في ساقه أثناء تسلقه أحد الجبال للوصول إلى نبتة في مكان مرتفع».

ولا تقتصر المخاطر على الانزلاق والسقوط، إذ تشكل الأفاعي المنتشرة بين الصخور تهديدًا آخر للباحثين عن النبتة. ويروي محمد ناصر لـ«ريف اليمن» ما تعرض له ابن أخيه الطفل مهيوب علي، قائلًا إن الطفل داس على أفعى أثناء جمع الزعتر، فلدغته في ساقه، قبل أن يحاول الأهالي إسعافه بطرق تقليدية، ثم ينقلوه إلى مستشفى يريم العام لتلقي العلاج.
ويضيف ناصر أن تكاليف علاج الطفل تجاوزت ما كان يمكن أن يجنيه من جمع الزعتر طوال عام، معتبرًا أن غياب فرص العمل يدفع الأهالي إلى المخاطرة بحثًا عن أي مصدر للعيش.
ارتفاع الطلب
لم تعد زيادة الإقبال على الزعتر مرتبطة باستهلاكه المحلي فحسب، بل أسهم الطلب التجاري المتزايد، إلى جانب قلة فرص العمل، في دفع مزيد من الأهالي إلى جمعه من جبال يريم والسدة خلال السنوات الأخيرة.
ويقول التاجر عبدالله نجيم لـ«ريف اليمن» إن الزعتر كان يُجمع قديمًا بكميات محدودة لاستخدامه نوعًا من البهارات المحلية، لكن الوضع تغير منذ عام 2015، مع زيادة الطلب عليه من موردين في العاصمة صنعاء، لتوزيعه على محلات البهارات ومعامل الأدوية.
وبشأن الأنباء المتداولة عن تصدير الزعتر إلى الخارج لاستخدامه في الصناعات الدوائية، يوضح نجيم أنه لا يستطيع تأكيد ذلك. في المقابل، يقول تاجر آخر إن التوريد يتركز أساسًا في صنعاء، حيث يتولى الوكلاء توزيع المحصول، مشيرًا إلى أن بعض الشركات تصدّر الانواع الجيدة منه.

وعن حجم الكميات الموردة، يقدّر أحد التجار الكميات التي يشتريها بالسوق بأنها تصل إلى عدة أطنان، موضحًا أنه يشتري وحده نحو نصف طن أو أكثر أسبوعيًا. كما رُصد وجود تجار للحبوب والمنتجات المحلية على الطرقات خارج الأسواق، حيث يشترون الزعتر مباشرة من جامعيه.
وتشير دراسات علمية إلى احتواء الزعتر على مواد فعالة قد تساعد في التخفيف من السعال وأعراض بعض التهابات الجهاز التنفسي، وهو ما يفسر جانبًا من استخدامه في الممارسات العلاجية التقليدية لدى سكان الأرياف. غير أن تزايد قيمته التجارية يثير تساؤلات بشأن كيفية تنظيم جمعه، بما يضمن استمرار الاستفادة منه دون استنزا
الخطر البيئي
في الوقت الذي يوفر فيه الزعتر دخلًا موسميًا لأسر ريفية، تتزايد المخاوف من تراجع انتشاره نتيجة أساليب الجمع العشوائي، ولا سيما اقتلاع النبتة من جذورها بدلًا من قطف أجزائها بطريقة تسمح لها بالنمو مجددًا.
ويقول الأهالي إن الزعتر الذي كان ينمو في مناطق قريبة يسهل الوصول إليها، أصبح أقل انتشارًا، ولم يعد العثور عليه ممكنًا بالسهولة السابقة، ما يدفع جامعيه إلى تسلق المرتفعات والتوغل في المناطق الوعرة.

ويحذر المهندس الزراعي إبراهيم صالح، في حديثه لـ«ريف اليمن»، من أن اقتلاع الزعتر من جذوره يهدد استمراره، موضحًا أن النبتة اختفت من بعض المناطق، ومشيرًا إلى مخاوف مماثلة بشأن نباتات برية أخرى، منها شجرة العنصيف العطرية، بعد اختفاء نبتة «أعواد الحلبة» في السابق، وفق قوله.
ويعزو صالح تفاقم المشكلة إلى ارتفاع الطلب على الزعتر، بالتزامن مع غياب المبادرات التوعوية بأساليب الحصاد السليمة وضعف اهتمام الجهات الرسمية بحماية التنوع البيئي والنباتات البرية.
وتحذر إرشادات جمع النباتات البرية الصادرة عن منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) من الممارسات التي تضر بقدرة النباتات على التجدد والاستمرار، بما في ذلك اقتلاعها من جذورها بصورة عشوائية.
وبين حاجة الأسر إلى تأمين لقمة العيش وضرورة الحفاظ على الزعتر البري، تبرز الحاجة إلى نشر الوعي بأساليب الجمع المستدام، وحماية مناطق نمو النبتة، وإيجاد بدائل اقتصادية تخفف اعتماد الأطفال على عمل محفوف بالمخاطر. فاستمرار جمع الزعتر دون ضوابط لا يهدد موردًا طبيعيًا فحسب، بل قد يحرم الأسر الريفية أيضًا من مصدر دخل اعتادت الاعتماد عليه.





