الاثنين, 8 يونيو 2026
منصة إعلامية يمنية مستقلة متخصصة في شؤون المجتمع الريفي في اليمن.
صحة

 الإسعافات الأولية في الأرياف.. بين العشوائية وضرورة الإنقاذ

📅 يونيو 8, 2026

في القرى الريفية اليمنية حيث لا مراكز صحية ولا كوادر طبية مؤهلة تتحول اللحظات الأولى في أي حالة طارئة إلى سباق مع الزمن، وبرز معها ما يُعرف بـ“مسعف القرية” كحل إنساني يفرضه الواقع، رغم ما قد يرافقه من مخاطر نتيجة محدودية التأهيل الطبي، أو غيابه أحيانا.

ويواجه سكان الأرياف تحديات كبيرة في الوصول للخدمات الصحية، حيث يضطر كثير من المرضى إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى أقرب مستشفى قادر على التعامل مع الحالات الطارئة، ومع إغلاق عدد من الطرق الرئيسية بسبب الحرب، تحولت الرحلات القصيرة إلى ساعات شاقة عبر طرق جبلية وعرة.

تقول الخمسينية قبول أحمد، إنها حاولت أن تصنع لنفسها دورا داخل مجتمعها في إحدى قرى قدس جنوبي تعز، نتيجة غياب الرعاية الصحية وصعوبة الوصول السريع إلى المراكز الطبية، من خلال مساعدة المرضى، رغم أنها لم تتلق أي تعليم طبي.


مواضيع مقترحة


مبادرات فردية

وتضيف لـ”ريف اليمن”، أنها بدأت مبادرتها عام 2015، بعدما لاحظت تكرار الحالات الطارئة والمواقف الحرجة التي تحدث بشكل مفاجئ داخل القرية، في وقت لم يكن فيه شخص يمتلك معرفة بالإسعافات الأولية، ما دفعها لمحاولة تعلم بعض الإجراءات البسيطة من خلال ملاحظتها للأطباء أثناء علاج المرضى.

ورغم أنها لا تدرك بشكل كامل المخاطر الطبية التي قد تترتب على بعض التدخلات غير المتخصصة، إلا أنها تشير أن محاولة المساعدة كانت أفضل من الوقوف عاجزة أمام الحالات الطارئة.

منوهة أنها واجهت العديد من الصعوبات أثناء محاولاتها تقديم الإسعافات الأولية، أبرزها عدم توفر الأدوات الطبية الأساسية، وصعوبة التعامل مع بعض الحالات في ظل محدودية الخبرة، إضافة إلى ضعف الإمكانات المتاحة داخل القرية.

تتضاعف المعاناة في الأرياف البعيدة مع محدودية وسائل النقل وارتفاع تكلفتها، حيث ينتقل المرضى من القرى إلى مراكز المديريات قبل استكمال الرحلة نحو المدينة للحصول على العلاج أو الفحوصات غير المتوفرة محليا، وتبقى الفئات الأكثر تضررًا هن النساء الحوامل ومرضى الحالات الحرجة.

وتوضح قبول أنها بدأت من داخل أسرتها أولا حيث كانت تقوم برعاية أبنائها وأحفادها عند تعرضهم للمرض، من خلال تركيب المغذيات ومتابعة حالاتهم، والسهر عليهم خلال فترات العلاج، ومع تكرار هذه التجارب داخل المنزل، بدأت تكتسب معرفة محدودة في التعامل مع الحالات الصحية البسيطة.

تتضاعف المعاناة في الأرياف البعيدة مع محدودية وسائل النقل وارتفاع تكلفتها وتبقى الفئات الأكثر تضررًا هن النساء الحوامل ومرضى الحالات الحرجة

مع مرور الوقت لم يعد دور قبول مقتصرا على أسرتها فقط، إذ باتت تستجيب لنداءات أهالي القرية عند وقوع أي حالة طارئة، فتسارع إلى المكان لتقديم الإسعافات الأولية، مثل تضميد الجروح، وإيقاف النزيف، والتعامل مع الإصابات البسيطة، في محاولة لإنقاذ المصابين قبل نقلهم إلى المراكز الصحية.

ومع تفاقم معاناة سكان الأرياف، إلا أن الوضع يزداد تعقيدا في حالات الطوارئ، خصوصًا مع غياب سيارات إسعاف مجهزة داخل القرى، ما يجعل التدخلات الأولية عاملًا حاسمًا في إنقاذ حياة المرضى أو الحد من تدهور حالتهم قبل وصولهم إلى الرعاية الطبية المتخصصة.

غياب التأهيل

رغم وجود مستشفيات ريفية ومراكز صحية في المديريات، إلا أن خدمات الطوارئ ما تزال تواجه تحديات كبيرة على مستوى التدريب والإمكانات، ويوضح صادق ناجي مدير إدارة الطوارئ والإسعاف بمحافظة تعز، أن القطاع الصحي يواجه تحديات ملحوظة، أبرزها ضعف التمويل المخصص للتدريب والتأهيل.

ويضيف لـ “ريف اليمن”، خدمات الطوارئ متوفرة في بعض المناطق الريفية، حيث تضم كل مديرية مستشفى ريفيًا إلى جانب عدد من المراكز الصحية، إلا أنه يشير إلى أن برامج التأهيل سواء الأساسي أو التنشيطي— تفتقر إلى الدعم اللازم لضمان استمراريتها وتطوير كفاءة الكوادر.

وينوه إلى أن برنامج “المسعف المجتمعي” الذي أُطلق عام 2019 بهدف تعزيز الاستجابة الإسعافية على مستوى الأحياء السكنية والمدارس، حيث تم تطبيقه في ثلاث مديريات (صالة، القاهرة، والمظفر) كمرحلة أولى، تمهيدًا للتوسع إلى بقية المديريات، إلا أن البرنامج توقف مؤخرًا نتيجة غياب التمويل، بانتظار توفر الدعم لاستئناف نشاطه وتوسيع نطاقه.

مخاطر مضاعفة

من جانبها قال مختصة العناية المركزة، تهاني العباسي، إن المستشفيات تستقبل حالات حرجة تدهورت صحتها نتيجة تأخر وصولها أو ‘الإسعافات الخاطئة’؛ محذرة من أن النقل العشوائي للمصابين، والتعامل غير العلمي مع حالات الاختناق يزيد الخطر بدلا من تخفيفه.

العباسي:استخدام أدوية دون إشراف، ومداواة الجروح بوسائل غير معقمة هي ممارسات تفتح الباب على مصراعيه أمام مضاعفات كارثية

وأكدت لـ “ريف اليمن”، أن استخدام أدوية دون إشراف، ومداواة الجروح بوسائل غير معقمة هي ممارسات تفتح الباب على مصراعيه أمام مضاعفات كارثية؛ تبدأ بالصدمة التحسسية والغرغرينا، وقد تنتهي بشلل دائم إثر تفاقم إصابات العمود الفقري.

تحذير الممرضة تهاني يتجسد بوضوح في قصة الأربعينية (م. أ) بريف تعز، التي كادت محاولة ‘إنقاذ عفوية’ لتركيب محلول وريدي أن تودي بسلامة يدها، لولا تدارك الموقف ونقلها إلى مركز متخصص.

وأمام هذا الواقع، يبرز التنظيم كطوق نجاة وحيد؛ إذ لا يكمن الحل في إقصاء مسعف القرية، بل في تحويله من متطوع بـ النية إلى كادر مؤهل بـ المعرفة، لضمان أن تظل الإسعافات الأولية وسيلة لإنقاذ الأرواح لا سبباً في إزهاقها.

وفي فبراير 2026 صنّفت منظمة الصحة العالمية اليمن كحالة طوارئ من الدرجة الثالثة، وهو أعلى مستوى لتفعيل الطوارئ، ما يعكس حجم الاحتياجات الصحية الهائلة والمخاطر المباشرة لارتفاع معدلات الوفيات.

التصنيف يعني أن اليمن يواجه أزمة صحية وإنسانية شديدة التعقيد، ووفق بيان الصحة العالمية «WHO» “يعمل أقل من 60% من المرافق الصحية بكامل طاقتها، فيما لا تتجاوز نسبة المرافق القادرة على تقديم خدمات صحة الأم والطفل 20% فقط”.