مع حلول الثاني من أبريل، اليوم العالمي للتوعية باضطراب طيف التوحد، يتجدد النقاش حول هذا الاضطراب الذي بات يحضر بقوة في الأوساط الطبية والاجتماعية عالميًا، بوصفه أحد أبرز التحديات المرتبطة بالطفولة والأسرة والمجتمع.
في اليمن، تبرز مفارقة لافتة بين المدن والأرياف؛ ففي حين تتزايد حالات التوحد المشخّصة في المدن، يكاد الحديث عنها يغيب في القرى والمناطق الريفية، في حين تُعزى هذه الفجوة غالباً إلى نقص الخدمات الطبية وضعف الوعي في المناطق الريفية.
غير أن زاوية أخرى تطرح نفسها بقوة؛ تتعلق بطبيعة الحياة الريفية القائمة على التفاعل اليومي، والأسرة الممتدة، والانخراط المبكر في بيئة مفتوحة، وهي عوامل قد تسهم في دعم الطفل أو، على العكس، إخفاء حالته وتأخير اكتشافها.
مواضيع مقترحة
- الإعاقة في الريف.. أطفال يدفعون ثمن غياب الخدمات
- مرضى التوحّد: معاناة صامتة خلف الجدران
- “الرسم” متنفس ذوي الإعاقة للتعبير عن ذواتهم
في هذا السياق، يطرح تقرير “ريف اليمن” تساؤلاً محورياً: هل تحمي الحياة الاجتماعية في الريف اليمني أطفال التوحد عبر احتوائهم، أم تُسهم في إخفائهم خلف جدران الجهل وتأخر التشخيص؟
أسباب متشابكة
توضح مديرة مركز السكينة للإرشاد النفسي والأسري في تعز، نجيبة الوليدي، أن اضطراب طيف التوحد لا يرتبط ببيئة جغرافية محددة، مؤكدة أن الإصابة يمكن أن تحدث لدى الأطفال في المدن أو القرى على حد سواء، لأن أسبابه تعود إلى عوامل متعددة، أبرزها الجوانب الجينية والبيولوجية المرتبطة بنمو الدماغ وطبيعة الاتصال بين خلاياه.
وتشير الوليدي في حديثها لـ”ريف اليمن” إلى أن من أهم التفسيرات العلمية للتوحد وجود خلل في طريقة عمل الشبكات العصبية، حيث يستقبل دماغ الطفل المعلومات بشكل مجزأ؛ ما يضعف قدرته على التفاعل مع المجتمع.
وتؤكد أن التوحد لا يمكن اختزاله في سبب واحد، إذ تتداخل فيه عوامل مختلفة، منها الوراثة، ونمو الدماغ، وبعض الظروف المصاحبة للحمل والولادة، مثل التعرض لعدوى، أو نقص الأكسجين، أو سوء التغذية، أو السكري، وهي عوامل قد تتوافر في المدينة أو الريف.

ملاحظة مستمرة
في المدن اليمنية، يبدو اضطراب طيف التوحد أكثر حضوراً ووضوحاً، ليس بالضرورة لأنه أكثر انتشاراً، بل لأن البيئة الحضرية تضع الطفل تحت ملاحظة مستمرة، سواء داخل الأسرة أو في المدارس والمراكز الصحية.
على النقيض، تفرض الحياة الحضرية تحديات إضافية على الطفل المصاب بالتوحد، مثل الضوضاء، وقلة المساحات المفتوحة، إلى جانب الاعتماد المتزايد على شاشات الهاتف والتلفاز؛ ما قد يفاقم من صعوبات التواصل ويعزز العزلة.
تقول منال السلامي، والدة طفل مصاب بالتوحد: “أشعر أن الحياة في المدينة زادت من عزلة ابني بدلًا من أن تساعده”، مشيرة إلى أن ظروف العمل دفعتها وزوجها لترك طفلها لساعات طويلة أمام التلفاز، قبل أن يتم تشخيص حالته بعد تجاوزه سن الخامسة في تجربة تعكس جانباً من تأثير نمط الحياة الحضرية.
وتؤكد الدكتورة لمياء شجاع الدين، المدير الفني لمركز “ابني” للتوحد في صنعاء، أن التدخل المبكر يعد العامل الأهم في تحسن حالة الطفل؛ فكلما بدأ العلاج في سن أصغر، زادت فرص تطوير مهارات التواصل والسلوك والتعلم.
شجاع الدين: التدخل المبكر يعد العامل الأهم في تحسن حالة الطفل؛ فكلما بدأ العلاج في سن أصغر، زادت فرص تطوير مهارات التواصل والسلوك
من جانبها، توضح استشارية التخاطب والتدريب النطقي مها القدسي أن نمط الحياة في المدن قد يؤثر سلباً على تنمية مهارات التواصل لدى الأطفال، خاصة في ظل ما وصفته بـ”الدلال الزائد”، حيث تُلبّى احتياجات الطفل مسبقاً دون منحه فرصة للتعبير.
وتشير القدسي، في حديثها لـ”ريف اليمن”، إلى أن هذا الأسلوب في التربية قد يحدّ من تفاعل الطفل مع محيطه، إذ لا يُضطر إلى استخدام اللغة أو المبادرة بالتواصل، وهو ما قد ينعكس على تطوره الاجتماعي واللفظي، خصوصاً لدى الأطفال الذين لديهم استعداد لاضطرابات مثل التوحد.
وتكرّس السلامي اليوم معظم وقتها لرعاية ابنها، الذي يبلغ من العمر 15 عاماً، في محاولة لتعويض ما فاته من دعم مبكر، مؤكدة أن تجربتها جعلتها تعيد التفكير في أثر البيئة على الأطفال: “أعتقد أن الحياة في الريف، بطبيعتها الاجتماعية والبسيطة، كانت ستساعده أكثر على التفاعل”.
محيط اجتماعي مفتوح
على النقيض، يقدّم الريف اليمني بيئة مختلفة، حيث يندمج الطفل في محيط اجتماعي مفتوح يتسم بكثرة التفاعل والتواصل اليومي، ويروي أحمد الشرعبي، من ريف تعز، تجربته مع ابنه لؤي، قائلاً: “ظهرت عليه أعراض التوحد؛ إذ كان يسير منفرداً جوار جدران المنزل، ويتهرب من الاحتكاك بأبناء عمومته الذين يسكنون في نفس المنزل، وكان التواصل البصري عنده شبه منعدم”.
ويضيف لـ”ريف اليمن” أنه في البداية اعتقد أن الحالة ستتحسن مع الوقت، قبل أن يلاحظ تدهوراً تدريجياً حتى بلغ الطفل نحو ثلاث سنوات ونصف، ما دفع الأسرة للتدخل، عبر منعه من استخدام الهاتف، وإشراكه في اللعب، والتواصل معه بشكل مستمر، وهو ما أدى إلى تحسن ملحوظ خلال فترة قصيرة.
وتؤكد شجاع الدين أن البيئة الريفية، بما تتسم به من تفاعل أسري، ومساحات مفتوحة، ولعب حر، وغذاء طبيعي، قد تسهم في تنمية بعض المهارات، كالتواصل اللفظي والتفاعل الاجتماعي.

ومع ذلك، يرى الشرعبي أن بعض الأعراض لا تزال قائمة في نجله مثل الشرود ورفض الرد أحياناً، لكنه يعتقد أن الوضع كان سيكون أكثر صعوبة لو كان مقيماً في المدينة.
فجوة في التشخيص
لا تتوفر إحصاءات دقيقة حول عدد المصابين بالتوحد في اليمن، في ظل غياب قواعد بيانات وطنية وأنظمة رصد صحية متكاملة، وهو ما يرتبط بعوامل عدة، أبرزها ضعف التشخيص المبكر، وقلة المراكز المتخصصة، وتباين مستوى الوعي المجتمعي، خاصة في المناطق الريفي.
ويؤكد الصحفي المتخصص في الصحافة الطبية علي الحميري أن هذه الفجوة تتسع بشكل ملحوظ، مشيراً إلى أن المدن شهدت إنشاء مراكز تأهيلية وتنامياً في التوعية، والعمل على التثقيف وتوفير الرعاية، في حين يفتقر الريف إلى ذلك.
ويرى الحميري أن التغطية الإعلامية أسهمت أيضاً في هذا التفاوت، حيث يظل مرضى التوحد في الريف مهمشين، سيما خلال السنوات الماضية التي شهدت -ولا تزال- صراعات عسكرية نظراً للبُعد عن المدن الرئيسية، مع تركّز وسائل الإعلام في المدن.
وتشير شجاع الدين إلى أن العديد من الحالات القادمة من الريف تصل في مراحل متقدمة، ليس بسبب شدة الاضطراب، بل نتيجة التأخر في الاكتشاف وغياب التدخل المبكر بسبب ضعف الوعي أو صعوبة الوصول إلى مختصين، أو الاعتقاد بأن الطفل سيتحسن عندما يكبر؛ وهذا ما يسبب تأخراً في العلاج.

تشير حالة لؤي أحمد الشرعبي إلى وعي كبير لدى أسرته التي سارعت إلى تدارك حالته، على عكس حالة “سهير فؤاد”، من محافظة لحج، جنوبي اليمن، والتي نشرت منصة “ريف اليمن” حالتها في وقت سابق.
توفيت سهير عام 2020 عن عمر 26 عاماً، بعد أن ظلت حبيسة البيت من قبل عائلتها خوفاً من العار والوصم الاجتماعي، ولم تدرك عائلتها أنها كانت مصابة بطيف التوحد إلا بعد خمس سنوات من وفاتها.
التدخل المبكر
تشير المعطيات إلى أن الحياة الريفية قد توفر بيئة داعمة للتفاعل، لكنها في الوقت ذاته قد تؤخر اكتشاف الحالة وتؤخر تشخيصها، بينما تتيح المدينة فرصاً أكبر للتشخيص، لكنها قد تفرض ظروفاً تزيد من عزلة الطفل.
في هذا السياق، تؤكد شجاع الدين أن التشخيص المبكر يمثل الخطوة الأولى لمساعدة الطفل سواء في الريف أو المدينة، مشددة على أهمية دور الأسرة في تطوير مهاراته اليومية.
وتدعو شجاع الدين أولياء الأمور إلى مراقبة تطور أطفالهم منذ سن مبكرة، خاصة من حيث التفاعل والكلام والاستجابة، وعدم التردد في طلب الاستشارة عند ملاحظة أي تأخر أو سلوك غير معتاد.
كما تؤكد مها القدسي على ضرورة تكثيف التوعية، وتوفير خدمات الأمومة والطفولة، فيما يشدد الحميري على أهمية وضع خطط إعلامية ومجتمعية تستهدف الريف بشكل خاص لرفع نسبة الوعي لدى المواطن الريفي لمساعدة هذه الشريحة.
ويصنف مرضى التوحد ضمن فئة ذوي الإعاقة، وتكفل لهم الاتفاقيات الدولية، وعلى رأسها اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة(CRPD) للأمم المتحدة، حقوقاً أساسية تشمل التعليم والرعاية الصحية والمساواة والحماية من التمييز، وإدماجهم في المجتمع.

