على امتداد السواحل اليمنية، الممتدة من سهول تهامة غرباً إلى المناطق الجنوبية والشرقية، ترتبط شجرة النخيل بتفاصيل الحياة اليومية للسكان، حيث تتجاوز كونها مصدراً للغذاء لتشكل ركيزةً أساسية في الاقتصاد المحلي وهوية المجتمعات الساحلية.
ويعتمد الأهالي على أجزاء النخلة بشكل واسع، إذ يُستخدم سعفها وجذوعها في تشييد المنازل والأسوار، إلى جانب صناعة الأدوات المنزلية والأثاث، في مشهد يجسد اعتماداً تاريخياً على الشجرة لتلبية الاحتياجات اليومية وتأمين المتطلبات الأساسية.
في قرية أبو زهر السياحية بمديرية الخوخة بمحافظة الحديدة والتي يضم ساحلها أعداداً واسعة من أشجار النخيل يؤكد الصياد زهير عبد الغني حناب (40 عاماً)، من أمام منزله المبني من السعف، أن النخلة تمثل المأوى الأساسي ومصدر الرزق الرئيسي الذي لا يمكن للسكان الاستغناء عنه لمواصلة العيش في المنطقة.
مواضيع مقترحة
- معاصر السمسم التقليدية.. صمود أمام الآلات الحديثة
- وادي دوعن.. الزراعة وإنتاج العسل في مواجهة تغير المناخ
- الصناعات التحويلية.. توجه للاستفادة من فائض الإنتاج الزراعي
وتعكس شهادة زهير طبيعة العلاقة التي تربط المواطن اليمني بالنخلة، وهي علاقة فرضتها المعطيات البيئية والاقتصادية لتتحول إلى نمط معيشي ثابت، حيث يمثل الانتفاع بالنخيل بالنسبة للأهالي ضرورة عملية لتأمين السكن والرزق اليومي، بعيداً عن أي استخدامات شكلية أو كمالية.
مصدر دخل
لا يقتصر حضور النخيل في حياة السكان على استخدامه في البناء، إذ يمتد إلى صناعات وحرف تقليدية توارثتها الأجيال، ولا تزال تمثل مصدر دخل لكثير من الأسر في المناطق الساحلية، فمن سعفه تُصنع منتجات متنوعة تلبي احتياجات الحياة اليومية، في مهنة حافظت على استمراريتها رغم تراجع الإقبال عليها أمام المنتجات الحديثة.
وتضاعفت أهمية الحرف التقليدية مؤخراً مع تفاقم الأزمة الإنسانية والتدهور الاقتصادي والمعيشي الذي يعاني منه كثير من السكان جراء تداعيات الحرب، إذ أدى الصراع إلى تدهور الأوضاع الاقتصادية وفقدان كثير من الأسر لمصادر دخلها، مما دفع الأهالي للتمسك بالصناعات المحلية لتوفير الحد الأدنى من الدخل الذي يساعدهم على مواجهة أعباء المعيشة وارتفاع أسعار المواد الأساسية.

يقول الحرفي محمد حليص إن علاقته بهذه المهنة بدأت منذ طفولته، حيث تعلم صناعة “الكرابيس” من سعف النخيل على يد والده وأفراد أسرته، موضحاً لـ “ريف اليمن” أن القطع تُستخدم في القوارب لحماية الصيادين من البرد والرياح أثناء رحلات الصيد.
وأوضح حليص أن الحرفة تمثل إرثاً تناقلته الأجيال وما زال يتمسك بها حفاظاً على مهنة الآباء والأجداد، وعلى جزء من الهوية التراثية للمناطق الساحلية.
وإلى جانب الكرابيس، تُصنع الحبال والسلال والحصائر وأواني الطعام، وكلها منتجات لا تزال حاضرة في البيوت الساحلية وتمنح المجتمعات هوية خاصة. ولا تقتصر الحرف على الرجال، إذ تشارك نساء كثيرات في المناطق الساحلية في نسج السلال والحصائر والأوعية المنزلية من سعف النخيل لتوفير دخل يساعد أسرهن في تأمين الاحتياجات الأساسية.
طابع جمالي
رغم الطابع الجمالي الذي تمنحه بيوت وأسوار النخيل، فإن هشاشتها تجعلها أكثر عرضة للأضرار عند هبوب الرياح الموسمية أو العواصف إذ يقول عدنان السفياني، أحد سكان قرية الوعرة جنوبي الخوخة، في حديثه لـ “ريف اليمن”: كلما ضرب إعصارٌ أو رياحٌ قوية نخسر جزءاً من بيوتنا، لكننا نعيد بناءها لأننا لا نملك أي بدائل أخرى.
زهير:النخلة تمثل المأوى الأساسي ومصدر الرزق الرئيسي الذي لا يمكن للسكان الاستغناء عنه لمواصلة العيش في تهامة
وخلال السنوات الماضية، أجبرت الظروف الاقتصادية القاسية الناتجة عن الحرب السكان على اللجوء لبناء بيوت السعف وشراء مستلزماتها، حيث تعجز الغالبية العظمى من الأسر الفقيرة عن تحمل تكاليف مواد البناء الحديثة مثل الإسمنت والحديد، فيغدو السعف الملجأ الوحيد لبناء مأوى يستر العائلات ويوفر لها الحماية.
ولا تقتصر التحديات على الظروف المناخية والأزمات المعيشية، حيث تمتد إلى تراجع الإقبال على الصناعات السعفية أمام المنتجات البلاستيكية، إلى جانب محدودية التسويق وغياب برامج الدعم والتطوير.
ويوضح الباحث في التراث أمين حليص أن استخدام النخيل في البناء والصناعة يعود إلى مئات وربما آلاف السنين في تهامة، حيث ارتبطت حياة الإنسان بالنخلة ارتباطاً وثيقاً، ويضيف في حديثه لـ”ريف اليمن”: “كانت النخلة وما زالت مصدراً شاملاً للحياة، من الغذاء والسكن إلى الأدوات والدخل”.

ولم يتوقف التراث الحي عند حدود الماضي، بل استمر ليشكل جزءاً من الهوية الثقافية والاقتصادية للمجتمعات الساحلية؛ حيث تتراص حزم السعف المجفف أمام المنازل، بينما يواصل الحرفيون نسج منتجاتهم يدوياً، في مشهد يعكس تمسكهم بموروث ظل حاضراً في تفاصيل الحياة اليومية رغم تغير أنماط المعيشة والظروف الصعبة التي فرضتها الحرب.
واقع الإنتاج وفرص الدعم
بحسب بيانات وزارة الزراعة في الاعلام الزراعي والسمكي بلغ إنتاج النخيل في تهامة عام 2021 نحو 19,433 طنا زرعت على مساحة 5,028 هكتارا. وفي عام 2022، وصل إنتاج اليمن من التمور إلى حوالي 27 ألف طن منها ما يقرب من 14 ألف طن من هذه المناطق وحدها مع أكثر من 60 صنفا مختلفا.
حليص:استخدام النخيل في البناء والصناعة يعود إلى مئات السنين في تهامة وارتبطت حياة الإنسان بالنخلة ارتباطاً وثيقاً
ورغم الأهمية، لا تزال الصناعات السعفية تعمل بأساليب تقليدية محدودة دون دعم مؤسسي أو تطوير يفتح لها أبواب الأسواق الأوسع. ويرى حليص أن تطوير الصناعات يتطلب تدريب الحرفيين وتحديث أدوات الإنتاج مع الحفاظ على طابعها التراثي الأصيل، مشيراً أن الاهتمام بها يمثل خطوة حيوية للحد من الفقر والبطالة التي تفاقمت بفعل السنوات الماضية.
من جانبه يقول إبراهيم أبو صلاح، وهو ناشط مجتمعي من مدينة المخا، إذا حصلت الحرف على دعم حقيقي، يمكن أن تتحول إلى رافد اقتصادي مهم وتساهم في تحسين حياة آلاف الأسر، وفي الوقت نفسه تحافظ على هوية اليمن الثقافية”.
وبين جمال الموروث التراثي وهشاشة البناء أمام المتغيرات المناخية، يظل سعف النخيل شاهداً على تجربة صمود متجذرة، تنتظر دعماً مؤسسياً ينقلها من إطار المعالجات المؤقتة إلى آفاق التنمية المستدامة.





