الثلاثاء, 11 أغسطس 2026
منصة إعلامية يمنية مستقلة متخصصة في تغطية شؤون المجتمع الريفي في اليمن تهدف إلى تسليط الضوء على الأبعاد الاجتماعية والثقافية والاقتصادية.
اقتصاد

‹عسل الصورب› نكهة فريدة تختزنها جبال اليمن

📅 أغسطس 10, 2026

مع تفتح أزهار نبات الصورب في جبال العود بمحافظة إب وسط اليمن، تتحرك خلايا النحل نحو الأودية والمدرجات الجبلية لامتصاص رحيق الزهرة النادرة، في حين يبذل النحالون أقصى طاقتهم للاستفادة من الموسم الذي يمر سريعاً.

يتميز عسل الصورب بنكهة فريدة وجودة عالية، ولا يشبه موسمه بقية مواسم إنتاج العسل المتعارف عليها في اليمن، إذ يخضع لدورة بيولوجية صارمة تبدأ باخضرار السفوح، وتنتهي بانقضاء فترة الإزهار.

تبدأ الأزهار بالظهور تدريجيًا من أواخر يوليو وتمتد خلال أغسطس، قبل أن تدخل مرحلة الإزهار الكثيف من سبتمبر وحتى منتصف أكتوبر، وهي الفترة التي تمثل ذروة الموسم التي يعتمد عليها النحالون في استخراج العسل.

يمثل عسل الصورب عصب الحياة الاقتصادية والاجتماعية في المناطق الجبلية، ومصدر رزق لمئات الأسر الريفية التي توارثت حرفة تربية النحل عبر الأجيال، ويؤكد النحال محمد الصيادي،( 25 عاماً ) وهو أحد النحالين في جبال العود، أن القيمة العالية لعسل الصورب تنبع من جودته ونكهته الخاصة ومحدودية إنتاجه مقارنة بالجهد المبذول خلال الموسم.


مواضيع مقترحة


شريان اقتصادي

ويوضح الصيادي لـ “ريف اليمن” أن دخله من العسل يتحسن عامًا بعد آخر، مشيرًا إلى أن سعر الكيلوغرام الواحد يصل في الأسواق المحلية إلى نحو 70 ألف ريال يمني و أكثر، حسب جودة المنتج وسمعة النحال.

ولفت إلى أن ارتفاع سعر العسل يجعله محدود الانتشار مقارنة بأنواع أخرى؛ إذ يتركز الإقبال عليه لدى ذوي الدخل المتوسط والمرتفع، ما يضيّق قاعدة المستهلكين ويصعّب تسويقه.

يواجه الصيادي تحديات، أبرزها سوء التخزين؛ حيث أدى غياب البيئة المناسبة في بداية عمله إلى خسارة كميات كبيرة، مؤكدًا أن العسل يتطلب ظروفًا ملائمة للحفاظ على خصائصه. كما يرتبط الإنتاج بالظروف المناخية مع اعتماد نبات الصورب على الأمطار، مما يؤدي إلى تراجع الكميات في مواسم الجفاف، وينعكس مباشرة على توفره وأسعاره.

وعلى الرغم من العقبات، تظل تجارة العسل مصدرًا رئيسًا لرزق الصيادي، معتمدًا على الخبرة المتراكمة والسمعة والثقة التي يبنيها مع الزبائن لتأمين دخله.

سر النكهة

يرتبط التميز الاستثنائي لعسل الصورب بهوية مصدره النباتي، إذ يوضح الدكتور فؤاد الحمادي، المتخصص في تربية النحل بكلية الزراعة بجامعة صنعاء، أن نبات الصورب المعروف علميًا باسم هايبوستس فورسكالي هو نبات عشبي معمر أو شبه شجيرة ينتمي كيميائيًا وبنيويًا إلى الفصيلة الأقنثية.

عسل الصورب العودي.. شريان اقتصادي بجودة عالية وتحديات
يمثل عسل الصورب مصدر رزق لمئات الأسر الريفية في المناطق الجبلية (ريف اليمن)

ويضيف لـ “ريف اليمن” ينتشر النبات طبيعيًا في البيئات الجبلية وشبه الجافة بشبه الجزيرة العربية وشرق إفريقيا، ويتركز في اليمن ضمن نطاقات جغرافية تشمل محافظات إب، وصنعاء، والجوف، وصعدة، متكيفًا مع التضاريس الجبلية والتربة الصخرية.

ويتميز عسل الصورب بلون أبيض كريمي جذاب، وقوام كثيف يميل سريعًا نحو التبلور الطبيعي. ويصف الدكتور الحمادي طعمه بأنه متوسط الحلاوة، مصحوب بنكهة مرارة خفيفة تترك انطباعًا دافئًا في الحلق عقب تناوله.

الجودة والتكامل البيئي

لا تتوقف جودة عسل الصورب عند المصدر النباتي، بل تعتمد أساسًا على الممارسات الميدانية داخل المنحل، بدءًا من إدارة نضج العسل وصولاً إلى الاستخراج والتخزين.

يقول الصيادي إن أبرز أخطاء المربين تكمن في الاستعجال بجني العسل قبل اكتمال نضجه وتختيم النحل للأقراص الشمعية، إذ إن العسل غير الناضج يحتفظ بنسبة رطوبة مرتفعة تجعله بيئة خصبة للخمائر، مما يؤدي إلى تخمره وتصاعد الفقاعات وانبعاث حموضة ينظر إليها المستهلك خطأ كدليل فساد، بينما تعود في الحقيقة لسوء إدارة الحصاد.

وتستند المعايير المعتمدة من المجلس الدولي للعسل إلى قياس الرطوبة مخبريًا بوساطة مقياس الانكسار الضوئي الرفراكتوميتر؛ حيث تنص لوائح منظمة الفاو على ألا تتجاوز نسبة الرطوبة في العسل الناضج 20%.

وللحفاظ على التركيب الجزيئي للحاصلات، توارث نحالو جبال العود قطاف المحصول في ساعات الفجر الأولى، حيث تكون درجات الحرارة في أدنى مستوياتها، ما يضمن استقرار العسل وسهولة التعامل مع الشمع، ويكون النحل في حالة سكون تمنع هياجه.

يرتبط التميز الاستثنائي لعسل الصورب بهوية مصدره النباتي (ريف اليمن)

كما تتطلب المحافظة على الجودة تعبئة العسل في أوانٍ زجاجية أو أوعية مخصصة للغذاء محكمة الإغلاق، وحفظه في مكان مظلم وجاف بعيدًا عن الضوء والحرارة، نظرًا لقدرته العالية على امتصاص الرطوبة والروائح.

وتتجاوز أهمية نبات الصورب إنتاج العسل لتلامس الطب الشعبي والتوازن البيئي، إذ استخدم سكان الأرياف أوراق النبات وأزهاره لعلاج السعال والتهابات الحلق وآلام الجهاز الهضمي. ورغم الاستخدامات التقليدية، يؤكد الدكتور الحمادي أنها تظل بحاجة ماسة لدراسات مخبرية وسريرية حديثة لعزل المركبات الفعالة وإثبات دقتها طبيًا.

وعلميًا، يمثل نبات الصورب ركيزة لاستدامة التنوع الحيوي الجبلي، إذ كشفت دراسة نشرت في مجلة أبحاث الثروة الحيوانية للتنمية الريفية عن دوره المحوري بوصفه مصدراً غنياً بالرحيق وحبوب اللقاح اللازمة لتغذية اليرقات وبناء القوة الإنتاجية للطوائف قبل المواسم المختلفة.

التحديات والاستدامة

يواجه عسل الصورب تهديدات جراء التغيرات المناخية والتدخلات البشرية، إذ يعتمد نجاح الموسم على هطول الأمطار في أوقاتها وتفتح الأزهار بانتظام، وتؤدي اضطرابات الأمطار وارتفاع الحرارة وجفاف المرعى إلى انكماش مساحات انتشار النبات وتغير مواعيد إزهارها، ما يحرم النحل من الغذاء ويتسبب في تراجع الحصاد.

يتميز عسل الصورب بلون أبيض كريمي جذاب، وقوام كثيف (ريف اليمن)

كما تضغط الأنشطة البشرية مثل الرعي الجائر، والتحطيب، والتوسع العمراني، والاستخدام العشوائي للمبيدات الكيميائية على المنظومة البيئية، مسببة تسمم النحل وتجريف الغطاء النباتي.

و يعاني المربون من ارتفاع تكاليف التشغيل، كشراء المستلزمات الخشبية، والنقل عبر الطرق الجبلية الوعرة، ومكافحة الآفات.

ويرى الصيادي أن ضعف الوعي بأهمية العسل وأنواعه يمثل تحديًا إضافيًا يصعّب التمييز بين المنتج الجيد والمغشوش ويضعف الطلب المحلي.

ولضمان الاستدامة، يوصي الحمادي بتبني استراتيجية شاملة تتضمن إكثار نبات الصورب وزراعته في المحميات والمناطق الجبلية لمكافحة التصحر وحماية التربة.

بالإضافة إلى حظر الاستخدام العشوائي للمبيدات بالقرب من المناحل، وتنظيم دورات تدريبية للنحالين حول أساليب الجني الحديثة، فضلاً عن تنفيذ مسوح شاملة لرسم خريطة انتشار النباتات الرحيقية وتقييم خصائصها العلاجية في اليمن.