لم يكن أهالي العاصمة صنعاء يعتادون رؤية قوافل الإبل وهي تجوب أزقتها وشوارعها الرئيسية، حتى أضحت خلال الفترة الأخيرة ظاهرة لافتة للأنظار ومشهداً حيوياً يجمع بين البداوة وأزقة المدينة، تارة لنقل الحطب نتيجة أزمات غاز الطهي، وأخرى لبيع الحليب، كمصدر رزق لإعائلة الأسر.
قطعان من الإبل يقودها شباب بعمر الزهور ينتمي أغلبهم إلى سهول تهامة ومناطق ريفية أخرى، يتنقلون بصبر بين الأحياء لبيع الحليب الطازج، للبحث عن مصدر رزق يعولون به أسرهم، مستفيدين من إقبال مجتمعي متزايد يرى في “حليب الإبل” فوائد صحية وغذاء فريد.
في حي الزراعة، تتجسد ملحمة هذا الكفاح اليومي بأبهى صورها، حيث يقف الشاب التهامي زياد عبدالله (18 عاماً)، تحرقه أرجاء الأسفلت، وتلفحه حرارة الشمس، يقود مع اثنين من رفاقه قطيعاً من 18 ناقة تابعة لأحد المستثمرين المحليين، يعملون على رعايتها وبيع حليبها للمواطنين علّ هذه المهنة تسدّ جوع كروشٍ خاوية.
مواضيع مقترحة
- سُفن الصحراء مُرهقة.. كيف تُدمر موجات الحر الإبل والرعاة؟
- رعاة الإبل.. رحلة لا تنتهي بحثًا عن المرعى
- البدو في اليمن: حياة معلقة بين الماء والمرعى
بعينين يملؤهما الانكسار، يروي زياد قسوة العيش ويقول:”نستيقظ مع بزوغ الفجر، نطوف الشوارع، نتحمل معاناة الطريق، ونغالب ويلات الغلاء، نجري خلف رزقٍ حرج، ونصارع تكاليف الأعلاف الباهظة”.
كفاح بأجر زهيد
ويضيف لـ “ريف اليمن”: متوسط دخلنا اليومي الكلي من بيع الحليب يتراوح بين 20 إلى 30 ألف ريال يمني، تبتلع معظمها مصاريف أغذية الإبل وتكاليف التنقل في المدينة، ليبقى لكل منا أجرٌ يومي زهيد، قد يصل 3000 ريال يمني”.
لافتا أن هذا المبلغ الزهيد لا يسدّ رمقاً، ولا يستر حال، لكننا نقبله مكرهين، ونتحمل القهر، لأن لنا أسرا تنتظر عودتنا بشغف، وتعتمد على هذا الدخل لمواجهة مصاريف الحياة، ولولا قسوة الظروف، وانسداد أفق الحياة، لما قاسينا هذا الشقاء، ولما اتخذنا من شوارع المدينة ملجأً ومقراً”.
الشاب محمد يحيى (24 عامًا)، أحد أبناء محافظة حجة، نموذج آخر للاعتماد على رعاية الإبل وحليبها وتسويقه المباشر؛ حيث اتخذ من شوارع العاصمة صنعاء ساحةً لبيع منتجه بشكل يومي للمواطنين، مستفيداً من رصيد الحرفة التي حملها من بيئته الريفية.

يمتلك محمد 5 من الإبل التي تدر الحليب، ويتنقل بها بين أحياء أمانة العاصمة لتعبئة الحليب المباشر وبيعه بسعر 1000 ريال يمني للعبوة سعة (75 مل)، ويصل متوسط مبيعاته اليومية إلى نحو 10,000 ريال يمني، يُعيل بها أسرته التي تعتمد على هذا النشاط كمصدر دخل أساسي لتغطية نفقات المعيشة.
في حديثه لـ “ريف اليمن”، يوضح محمد سياق هذا العمل وأبعاده قائلاً: ”أتجول في شوارع صنعاء لبيع حليب الإبل للمواطنين وللراغبين في تناوله للاستفادة من قيمته الصحية، وهو الدخل الذي تنتظره أسرتي لتغطية المصاريف الأساسية”.
ويضيف:” لا أعمل بمفردي في هذا المجال، بل أعمل إلى جانب أكثر من 12 شخصاً من أبناء منطقتي والمناطق المجاورة، حيث نتشارك المهام بدءاً من رعاية الإبل والعناية بها، وصولاً إلى إنتاج الحليب والتنقل به في أحياء العاصمة، ليكون هذا القطاع مصدراً رئيساً لكسب العيش وتأمين متطلبات عائلاتنا”.
فوائد غذائية
يحرص العديد من المواطنين على اقتناء حليب الإبل، ويقول المواطن محمد مُنقش (32 عاماً)، إنه اعتاد بشكل منتظم على شراء الحليب، مشيراً إلى أنه يحرص على اقتنائه يومياً له ولأسرته منذ صغره، لما يعتقده من دور كبير له في تقوية العظام وبناء الجسم.

يستذكر مُنقش إحدى التجارب الشخصية التي مر بها، عند تعرضه لحادث سير أدى إلى كسر في ساقه، ويقول:” نُقلت إلى المستشفى وأثناء إجراء العملية وتطبيق المخدر الطبي، كنت ما أزال أشعر بالوجع برغم التخدير، وهو ما أثار استغراب الطبيب المعالج والحيطة المصاحبة له.
وحينها سأل الطبيب والدي عن نوعية غذائي أو ما أشربه، فأجابه أبي بصورة مباشرة: “حليب الإبل”، فتبسم الطبيب وهز رأسه متفهمًا، في إشارة إلى الاعتقاد الشائع حول دور هذا الحليب في تعزيز بنية الجسم ومناعته”.
ويعتبر حليب الإبل من أنواع الحليب الدسمة مما يساعد على زيادة مناعة الجسم، وبحسب مصادر طبية لا يعنى أنه يمنع تخدير المريض لكنه قد يأخر الاستجابة لبعض الوقت.
خصائص مضادّة للميكروبات
في 2025، توصلت دراسةٌ، أجرتها جامعة إديث كوان في أستراليا، إلى أنّ حليب الإبل يحتوي على فوائد غذائية مذهلة، ومستويات أعلى من المكوّنات الطبيعية المفيدة للصحة، مقارنة بحليب الأبقار.
محمد يحيى: أتجول في شوارع صنعاء لبيع حليب الإبل وهو الدخل الذي تنتظره أسرتي لتغطية المصاريف الأساسية
وأوضح الباحثون أنّ هذه المكوّنات تمتاز بخصائص مضادّة للميكروبات ومخفّضة لضغط الدم؛ ما يجعلها مفيدة لصحة الجهاز الهضمي، وقد تُسهم في تقليل مخاطر الإصابة بأمراض القلب في المستقبل. ونُشرت النتائج، ، بدورية فود كامستري.
ووفق الدراسة، يتميّز حليب الإبل بكونه بديلاً صحياً لحليب الأبقار، خصوصاً للأشخاص الذين يعانون الحساسية تجاه منتجات الألبان أو عدم تحمل اللاكتوز.
ويقدم الدكتور صلاح الدين العماد، الطبيب البيطري والمتخصص في الحجر الصحي الحيواني والأمراض المشتركة، قراءة علمية لطبيعة الإقبال المتزايد على حليب الإبل؛ مؤكداً أنه ورغم عدم اتساع نطاق استهلاكه مقارنة بألبان المواشي الأخرى، إلا أنه يُعد من أكثر الألبان تميزاً من الناحية الغذائية.

نصائح وتوصيات
وأوضح الدكتور العماد في حديثه لـ”ريف اليمن” أن حليب الإبل يحتوي على بروتينات ذات نشاط يشبه الأنسولين، تساعد في تحسين التحكم بمستويات الجلوكوز وتقليل مقاومة الأنسولين خاصة لدى مرضى السكري من النوعين الأول والثاني، مع تأكيده على أنه لا يغني عن العلاج الدوائي الموصوف.
وبيّن العماد أن خصائص الحليب المضادة للالتهابات والجراثيم تساهم في دعم صحة القلب والجهاز الهضمي وخفض ضغط الدم، إضافة إلى ملاءمته للذين يعانون من عدم تحمل “اللاكتوز” أو حساسية حليب الأبقار نظراً لاختلاف بنيته الجزيئية، وتميزه بنسب دهون وسعرات حرارية أقل، مقابل تركيزات أعلى من فيتامين (C) والحديد وفيتامين (B3).
وفيما يتعلق بالسلامة الصحية والوقاية من الأمراض المعدية وفي مقدمتها الحمى المالطية (البروسيلا) التي قد تنتقل عبر الحليب الخام، وجّه الدكتور العماد عبر “ريف اليمن” نصيحتين أساسيتين: “الأولى للمستهلكين، بضرورة غلي الحليب أو بسترته كخطوة احترازية جوهرية للتخلص من أي مسببات مرضية واستهلاكه بأمان، ما لم تكن هناك دراية تامة وتأكيدات بسلامة الحيوان”.
دراسة: حليب الإبل يحتوي على فوائد غذائية مذهلة ومستويات أعلى من المكوّنات الطبيعية المفيدة للصحة مقارنة بحليب الأبقار
أما نصيحته الثانية لأصحاب الإبل ومربيها، مشددا على أهمية إجراء فحوصات دورية لقطعانهم للكشف عن مرض البروسيلا، لحماية الإبل وصون صحة المستهلكين، داعياً إلى تحسين جودة تغذية الإبل لطمأنة المستهلكين حول نقاء المنتج وخلوه من المخاوف الكيميائية.
وتوصي الهيئة العامة للغذاء والدواء السعودية بضرورة تناول حليب الإبل بعد إجراء عملية البسترة عليه وهي عملية تسخين الحليب إلى درجة حرارة مرتفعة ثم إعادة تبريده وذلك لقتل البكتيريا المسببة لأي أمراض، محذرة من خطورة تناول الحليب الخام.
وكشفت الهيئة أن الحليب الخام قد يتلوث من عدة مصادر مثل مخلفات الحيوانات أو إصابة الضرع بالالتهاب، أو بسبب البكتيريا الموجودة على جلد الحيوانات، أو الأواني المستخدمة، أو بسبب الحشرات والقوارض، او البشر الذين لهم علاقة بالحيوان.





