الثلاثاء, 28 يوليو 2026
منصة إعلامية يمنية مستقلة متخصصة في تغطية شؤون المجتمع الريفي في اليمن تهدف إلى تسليط الضوء على الأبعاد الاجتماعية والثقافية والاقتصادية.
حول العالم

سُفن الصحراء مُرهقة.. كيف تُدمر موجات الحر الإبل والرعاة؟

ريف اليمن 📅 يوليو 28, 2026

تشتهر الجمال بكونها سفن الصحراء، ولكن في ظل التطرف المناخي، فإن الحيوانات القوية لم تعد تنجو من الارتفاع الشديد لدرجات الحرارة في أفريقيا.

وتعد منطقة عفار، في شمال شرقي إثيوبيا، واحدة من أكثر الأماكن حرارة وجفافاً على وجه الأرض، حيث يقود البدو قوافل الجمال المحملة بالملح عبر الصحراء.

ويشكو رعاة الإبل في عفار من معاناة إبلهم جراء الحرارة الشديدة، إذ يقول أحدهم، ممن يمتلك نحو 500 جمل: “تصاب أقدامها بالبثور، وتصبح عيونها دامعة، ويحرق الرمل الساخن جلدها ويتلف شعرها عندما تجلس وفق تقرير لشبكة «BBC».


مواضيع مقترحة


الإجهاد والتعب

تؤكد العديد من الدراسات، أن الإجهاد والتعب والجفاف وانتشار الأمراض تعد من الآثار المباشرة للحرارة الشديدة، حيث يتسبب ارتفاع درجات الحرارة بشكل غير مباشر في مضاعفة معاناة الإبل، نتيجة الانخفاض الحاد في مصادر المياه والنباتات وقلة المساحات المظللة.

وتضم منطقتا شمال أفريقيا والقرن الأفريقي نحو 80% من إجمالي أعداد الجمال العربية ذات السنام الواحد في العالم، وعلى مر السنين، اتجه المزارعون ورعاة الماشية إلى الاستثمار في تربيتها، نظراً لقدرتها الفائقة على تحمل درجات الحرارة المرتفعة وظروف الجفاف القاسية.

لكن دراسة حديثة نُشرت عام 2025 واستندت إلى شهادات رعاة الإبل في جنوب إثيوبيا، أظهرت أن ارتفاع درجات الحرارة والتقلبات المناخية أثرا سلباً وبشكل حاد على صحة القطعان، حيث أفاد المشاركون بأن تغير المناخ ألقى بظلاله على صحة الإبل، وإنتاجيتها، وأدائها التناسلي.

وفي الصومال، يبدو الوضع أكثر خطورة، إذ كشفت دراسة أُجريت في يونيو أن نفوق الإبل بسبب الجفاف يمثل أزمة واسعة النطاق تطال ما يقرب من 46% من الأسر المربية لها. وشملت الدراسة نحو 6,000 أسرة رعوية، مشيرةً إلى أن معدلات الوفيات تركزت في المناطق الشمالية، ولا سيما في إقليم سول الذي سجل معدل نفوق صادماً وصل نحو 73%.

ويرى الخبراء أن الحرارة الشديدة تشكل السبب الرئيسي وراء الجفاف المتفاقم في المنطقة، على الرغم من وجود عوامل أخرى تُزيد الوضع سوءاً، مثل قصور الخدمات البيطرية وضعف أساليب إدارة الحيوانات وتغذيتها.

كيف تُدمر موجات الحر الإبل والرعاة في أفريقيا؟

الانهيار البيولوجي

توصل تحليل أجراه علماء الغلاف الجوي إلى أن درجات الحرارة المرتفعة، كانت السبب الرئيسي وراء الجفاف الممتد بين عامي 2021 و2022؛ إذ تُسرّع الحرارة الشديدة عملية تبخير المياه من التربة والمسطحات المائية، وتزيد من معدلات نتح النباتات للماء في الهواء.

و يؤكد أطباء بيطريون أنهم يعالجون أعداداً متزايدة من الإبل المريضة ويشهدون ارتفاعاً في حالات نفوقها جراء الحرارة الشديدة والشح المائي،اذ كشفت دراسة أن تفشي الأمراض بين الإبل وتراجع إنتاجها من الحليب يعودان أساساً إلى تداعيات التغير المناخي والإجهاد الحراري، فيما سجل حسن نويا غويو، وهو طبيب بيطري شمال شرقي كينيا، زيادة بنسبة 15% في حالات نفوق الإبل ضمن نطاق إشرافه خلال العامين الماضيين.

كما أظهرت دراسة أجريت في الجزائر ارتفاعاً ملحوظاً في نفوق الإبل خلال موجات الحر الصيفية، وسلّط تحليل السلاسل الزمنية الوارد في الدراسة الضوء على أنماط وفيات موسمية لافتة، مؤكداً الحاجة إلى تدخلات مُوجهة خلال فترات الخطر العالي في ذروة الصيف، مثل التوفير الاستراتيجي للمياه، والتغذية التكميلية، وتعزيز المراقبة البيطرية للأمراض.

وتؤكد المنظمة العالمية للأرصاد الجوية بأن موجات الحر الشديدة أصبحت ظاهرة شائعة في العديد من دول شمال أفريقيا والشرق الأوسط، حيث شهدت المنطقة تصاعداً ملموساً في الموجات منذ عام 1981، وسجلت عدة دول درجات حرارة تجاوزت 50 درجة مئوية.

وأشار تقرير المنظمة حول حالة المناخ في أفريقيا لعام 2025 إلى أن منطقة شمال أفريقيا سجلت أسرع معدل لارتفاع درجات الحرارة بين جميع مناطق القارة، بواقع 0.43 درجة مئوية لكل عقد بين عامي 1991 و2025.

وعلى الرغم من إشارة الخبراء إلى أن الجمال تتكيف عادةً مع درجات حرارة تصل إلى نحو 40 درجة مئوية عبر السماح لدرجة حرارة أجسامها بالتقلب على مدار اليوم لتفادي التعرق، فضلاً عن تركيز البول وجفاف البراز لتقليل فقدان المياه واعتتمادها على الجلد السميك لصد الإشعاع الشمسي، إلا أن هذه الآليات تتهاوى أمام موجات الحر غير المسبوقة.

يوضح الدكتور محمد بن غومي، المتخصص في صحة الإبل بمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة الفاو، أن درجات الحرارة الصيفية في الصحراء الكبرى باتت تتجاوز 50 درجة مئوية، مما يضاعف مخاطر الإجهاد الحراري الشديد، لا سيما مع تراجع الغطاء النباتي وندرة المياه ومحدودية الظل.

من جانبه توصل البروفيسور عبد المجيد شحمة، الباحث بجامعة غرداية في الجزائر، إلى استنتاج مماثل من خلال أعماله التجريبية في الصحراء الكبرى، حيث أكد أن استمرار الحرارة بين 41 و45 درجة مئوية ليلاً ونهاراً يهاجم خلايا الإبل مباشرة. وأوضح أن جهاز المناعة لدى الإبل يتأثر شديداً نتيجة تلف خلايا الدم البيضاء وغيرها بفعل الإجهاد الحراري، حيث تكافح هذه الخلايا لإصلاح نفسها قبل أن تنتهي بالتدمير الذاتي.

وينعكس التدهور على الإبل في صورة تباطؤ بالتمثيل الغذائي الأيض للحد من إنتاج الحرارة الداخلية، مما يؤدي إلى انخفاض حاد في تناول الطعام يتبعه خمول وتعب عام. وتتكامل الأعراض المباشرة لتتسبب في هبوط حاد لإنتاج الحليب وحدوث اضطرابات تناسلية حادة، مما يهدد الاستقرار الاقتصادي والغذائي للرعاة المعتمدين عليها.

معاناة الرعاة

تزداد معاناة الرعاة الذين يعتمدون على الإبل في إنتاج الحليب، حيث أظهرت الدراسات أن الإجهاد الحراري تسبب في تراجع حاد في معدلات الإنتاج إذ يوثق البروفيسور محمد الخصمي، خبير البيولوجيا الحيوانية بجامعة الدار البيضاء في المغرب، قائمة طويلة من الأضرار الناجمة عن الإجهاد الحراري، والتي رصدها برفقة فريق بحثه على الإبل.

وأوضح الخصمي أن من بين أبرز الأضرار: فقدان الوزن الحاد، والالتهابات، والأمراض المتعلقة بالعضلات والعظام، فضلاً عن الاختلال الكيميائي الناجم عن خلل وظائف الكلى، وزيادة العرضة للأمراض المعدية التي تسببها الطفيليات.

ويرى الخبراء أنه على الرغم من كون الحرارة الشديدة السبب الرئيسي وراء الأزمات، إلا أن آثارها تزداد تفاقماً عند اقترانها بعوامل أخرى، مثل انحسار الغطاء النباتي، وشح المياه، ونقص المساحات المظللة، وقصور الخدمات البيطرية.

وأمام التحديات القاسية، اضطر العديد من الرعاة في إثيوبيا إلى نقل جمالهم من المناطق الشمالية حيث كانت الموطن التاريخي للحيوانات نحو الجنوب الذي تتوفر فيه المياه والنباتات بشكل نسبي.

وأكد دانيال جيلان، الأستاذ والباحث في مجال تنمية المجتمعات الرعوية بجامعة فيجن الإثيوبية، أن الانتقال لم يعد مجرد حركة موسمية اعتيادية للرعاة، بل أصبح تحولاً دائمًا فرضه الواقع المناخي الجديد.

يخشى عمر وهو راعي ماشية في منطقة عفار الإثيوبية من تفشي الأمراض التي قد تبدأ في حصد قطيع جماله البالغة في أي لحظة، في تجسيد حي للحالة التي وصل إليها الرعاة بالمنطقة.

ويؤكد الخبراء أن مخاوف الرعاة مبررة تماماً؛ فبينما كانت الإبل تمثل تاريخياً خط الدفاع الأخير لرعاة الماشية ضد قسوة الصحراء، فإن موجات الحر الشديدة وغير المسبوقة باتت تهدد وظائفها الحيوية بشكل مباشر، مما يحول هذا الحيوان الشديد المرونة إلى ضحية جديدة من ضحايا التغير المناخي.

ريف اليمن