لم يكن يحيى محمد، من أرياف محافظة إب، يتوقع أن مساهمته في حفر بئر مياه لقريته ستفتح عليه نزاعاً يستمر حتى بعد انتهاء المشروع الذي كان يفترض أن يكون عنواناً للتعاون بين أبناء القرية، فعندما قرر الأهالي جمع مساهمات مالية لحفر البئر، اختار اللجوء إلى إحدى الطرق الشائعة في المجتمع الريفي لتجاوز الحاجة المالية، وهي تقديم شيء من ممتلكاته كرهن مؤقت مقابل توفير المبلغ.
سلّم يحيى قطعتين من السلاح إلى أحد القائمين على جمع المساهمات، على أن يستعيدهما بعد سداد ما عليه من التزامات، ولم يفكر حينها في طلب وثيقة تثبت طبيعة الاتفاق، لأن العلاقة بين الطرفين كانت قائمة على المعرفة والثقة، وهي الطريقة التي تجري بها كثير من معاملات الرهن في القرى اليمنية.
يقول لـ”ريف اليمن”: “لم أطلب أي ورقة تثبت أن السلاح رهن، لأن الأمر كان قائماً على الثقة بيننا”، لكن تلك الثقة لم تستمر، فالشخص الذي استلم السلاح سلّمه لاحقاً إلى وكيل صاحب الحفار لتسوية جزء من مستحقات حفر البئر، قبل أن يقوم الأخير ببيعهما.
مواضيع مقترحة
بين التنمُّر والمعتقدات.. ريفيون يدفعون ثمن أسمائهم
توثيق عقود الزواج: صعوبات تواجه سكان الريف
الكلاب الضالة بريف تعز: الموت بين أنياب حادة
عندما انتهى المشروع، وعاد يحيى بعد شهر لسداد المبلغ واستعادة ما قدمه كرهن، اكتشف أن السلاحين لم يعودا موجودين، ومنذ ذلك الوقت تحول الاتفاق الذي بدأ بهدف مساعدة القرية إلى خلاف مفتوح بين الطرفين مما سبب في توقف المشروع، أحدهما يؤكد أن السلاحين كانا ضماناً مؤقتاً، والآخر يرى أن التصرف بهما كان جزءاً من تسوية مالية، في ظل غياب أي وثيقة تحدد طبيعة الاتفاق.
لا تمثل قصة يحيى حالة منفردة، بل تكشف جانباً من واقع الرهونات في الأرياف اليمنية، حيث لا تزال هذه المعاملات تؤدي دوراً مهماً في حياة الناس، لكنها في الوقت نفسه أصبحت مصدراً لخلافات طويلة عندما تتغير الظروف أو تضيع تفاصيل الاتفاق الأول.
ثقة تواجه المتغيرات
لطالما كان الرهن إحدى الوسائل التي يعتمد عليها سكان الأرياف اليمنية للحصول على المال عند الحاجة، إذ يقوم الشخص بتقديم أصل يملكه، مثل الأرض أو الذهب أو السلاح أو المواشي، مقابل مبلغ مالي يحصل عليه، على أن يستعيد ممتلكاته بعد الوفاء بالدين.
ويقول عبدالغني جبران، الأمين الشرعي وأحد أعيان مديرية السلفية بمحافظة ريمة، لـ”ريف اليمن” إن الرهن ما يزال من المعاملات المنتشرة في المجتمع الريفي، لأنه يمثل وسيلة متاحة أمام الناس لتدبير احتياجاتهم في ظل محدودية مصادر الدخل والخيارات المالية.
وأوضح أن هذه المعاملات تقوم غالباً على التراضي بين الطرفين، حيث يتم الاتفاق على قيمة المبلغ، وطبيعة العين المرهونة، وأحياناً مدة الرهن، بينما تبقى بعض الاتفاقات مفتوحة وفق ما يتفق عليه الطرفان أو وفق الأعراف المتداولة داخل المجتمع.
لا تزال هذه المعاملات تؤدي دوراً مهماً في حياة الناس، لكنها في الوقت نفسه أصبحت مصدراً لخلافات طويلة عندما تتغير الظروف
ويرى أن قوة الرهن في المجتمع الريفي كانت تستند أساساً إلى الثقة، إذ كانت العلاقات الاجتماعية والمعرفة الشخصية بين الناس تقوم مقام الوثائق في كثير من الحالات، فالكلمة والالتزام الأخلاقي كانا يمثلان ضماناً كافياً لإتمام المعاملة.
لكن هذا الأسلوب، رغم دوره في تسهيل حياة الناس، يحمل في داخله احتمالات كبيرة للنزاع عندما يحدث خلاف بين الطرفين، خصوصاً إذا لم تكن هناك وثيقة توضح طبيعة الاتفاق أو تحدد حقوق كل طرف.
وتوضح الدكتورة نجاة صائم، أستاذة علم النفس الاجتماعي في جامعة صنعاء، “أن الرهن في المجتمع الريفي لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد معاملة مالية، بل هو جزء من منظومة اجتماعية واقتصادية نشأت استجابة لحاجات الناس وظروف حياتهم.
وتشير خلال حديثها لـ”ريف اليمن”، إلى أن الرهن كان يمنح المحتاج فرصة للحصول على المال مقابل أصل يملكه، بدلاً من طلب المساعدة المباشرة، وهو ما يحافظ على مكانته الاجتماعية ويمنحه شعوراً بالاستقلالية داخل بيئة تعطي أهمية كبيرة للكرامة والاعتماد على الذات.
لكنها ترى أن تغير الظروف الاقتصادية خلال السنوات الأخيرة أثر على طبيعة هذه الممارسة، إذ لم يعد الرهن في بعض الحالات مجرد وسيلة مؤقتة لتجاوز أزمة محددة، بل أصبح مرتبطاً بحاجات أساسية تدفع الأسر إلى تقديم ممتلكات مهمة مقابل مبالغ مالية محدودة.
ومع استمرار الضغوط الاقتصادية، بدأت بعض الرهونات تتحول من اتفاقات قصيرة الأجل إلى التزامات تمتد لسنوات طويلة، وهو ما جعل النزاعات المرتبطة بها أكثر تعقيداً، خصوصاً عندما تكون العين المرهونة أرضاً.
رهونات الأراضي
تعد الرهونات المرتبطة بالأراضي من أكثر أنواع الرهن تعقيداً، لأنها لا ترتبط بقيمة مالية فقط، بل تتداخل فيها عوامل اجتماعية واقتصادية وحقوق تنتقل أحياناً بين الأجيال، كما حدث لعلي عبيد من محافظة ريمة، الذي يقول إن أرض أسرته ما تزال مرهونة منذ ما يقارب عشرين عاماً، بعدما اضطر والده إلى رهنها عندما احتاج إلى مبلغ مالي لتزويج أحد أبنائه.
ويقول علي لـ”ريف اليمن” إن تفاصيل الاتفاق الذي جرى بين والده والطرف الذي رُهنت لديه الأرض غير واضحة بالنسبة له، خصوصاً بعد وفاة والده، إذ لا يعلم ما إذا كان هناك عقد أو وثائق تثبت طبيعة الرهن، أم أن الاتفاق تم بصورة شفهية كما يحدث في كثير من المعاملات الريفية.
ويضيف أن الأرض ظلت طوال هذه السنوات تحت تصرف الشخص الذي رُهنت لديه، حيث يقوم باستثمارها، بينما لم تتمكن الأسرة من استعادتها رغم محاولاتها المتكررة.
تعد الرهونات المرتبطة بالأراضي من أكثر أنواع الرهن تعقيداً لأنها لا ترتبط بقيمة مالية فقط، بل تتداخل فيها عوامل اجتماعية واقتصادية وحقوق تنتقل أحياناً بين الأجيال
موضحا أن محاولته مع إخوته لاستخراج الأرض قوبلت بطلبات مالية كبيرة، بحجة أن والدهم رهنها بذلك المبلغ، مشيراً إلى أن الأسرة ترى أن القيمة المطلوبة اليوم لا تتناسب مع قيمة الأرض أو مع قيمة المبلغ الذي حصل عليه والدهم وقت الرهن.
لافتا أن الظروف الاقتصادية التي تم فيها الرهن كانت مختلفة، وأن المبلغ الذي تسلمه والده حينها كان يمثل قيمة أكبر مقارنة بالوقت الحالي، لكنه اليوم لا يعادل قيمة الأرض التي بقيت الأسرة محرومة من استعادتها.
ويضيف أن ذلك المبلغ لو استخدم في شراء أرض خلال تلك الفترة لكان بالإمكان شراء مساحة أكبر بكثير من الأرض التي ما تزال محل النزاع، وهو ما يعكس المشكلة التي تظهر عندما تمتد الرهونات لسنوات طويلة وتتغير قيمة الممتلكات والأسعار.
وترى الدكتورة نجاة صائم أن هذا النوع من الرهونات يحمل آثاراً اجتماعية ونفسية أعمق، لأن الأرض في المجتمع الريفي ليست مجرد مصدر دخل، بل ترتبط بالهوية والانتماء والاستقرار الأسري.
وتوضح أن بقاء الأرض خارج قدرة الأسرة على استعادتها لفترات طويلة قد يولد شعوراً بالخسارة والقلق، وقد يؤثر على العلاقات بين أفراد الأسرة والقرابة، خصوصاً عندما يتحول الرهن المؤقت إلى وضع دائم يصعب تغييره.
كما تشير إلى أن تغير الظروف الاقتصادية أدى إلى تراجع قدرة الأعراف التقليدية وحدها على احتواء هذه النزاعات، لأن المصالح والقيم المالية تغيرت، وأصبحت الحاجة إلى وسائل أكثر وضوحاً لحماية الحقوق أمراً ضرورياً.
طريق حماية الحقوق
المحامي محمد التميمي يرى أن المشكلة في الرهونات الريفية لا تكمن في الرهن نفسه، باعتباره معاملة متعارفاً عليها في المجتمع اليمني، وإنما في الطريقة التي يتم بها إبرام كثير من هذه الاتفاقات.
ويقول لـ”ريف اليمن” إن معظم القضايا التي تصل إلى القضاء يرتبط باتفاقات شفهية أو غير موثقة، حيث يتمسك أحد الأطراف بأن ما حدث كان رهناً، بينما يدعي الطرف الآخر أنه بيع أو تنازل، الأمر الذي يجعل حسم النزاع أكثر صعوبة.
المحامي التميمي: الحل لا يتمثل في إلغاء الرهن، لأنه ما يزال يؤدي وظيفة اجتماعية مهمة، وإنما في تنظيمه بشكل أوضح
ويرى التميمي أن تغير قيمة الأراضي، وتراجع قيمة العملة، وطول مدة الرهن، كلها عوامل ساهمت في زيادة تعقيد هذه القضايا، لأن المبلغ الذي كان يمثل قيمة معينة عند إبرام الاتفاق قد يصبح مختلفاً تماماً بعد سنوات طويلة.
ويشير إلى أن الاعتماد على الشهود والعرف قد يساعد أحياناً في حل بعض الخلافات، لكنه لا يكون كافياً دائماً، خصوصاً عندما يموت أحد أطراف الاتفاق أو تنتقل الحقوق إلى الورثة.
ويؤكد أن الحل لا يتمثل في إلغاء الرهن، لأنه ما يزال يؤدي وظيفة اقتصادية واجتماعية مهمة، وإنما في تنظيمه بشكل أوضح، من خلال توثيق الاتفاقات وتحديد قيمة الدين وطبيعة العين المرهونة وحقوق كل طرف.
ويتفق جبران مع هذا الطرح، مشيراً إلى أن الحفاظ على دور الرهن داخل المجتمع الريفي يتطلب الجمع بين الثقة التي قامت عليها هذه المعاملات لعقود طويلة، وبين التوثيق الذي أصبح ضرورة لحماية الجميع.
ومن بين الكثير من القصص التي خلفها خلافات الرهونات، يظهر أن الرهن في الريف اليمني لا يزال يحمل وجهين متناقضين، فهو من جهة وسيلة للتعاون ومواجهة الحاجة، ومن جهة أخرى قد يتحول إلى مصدر نزاع طويل عندما لا تكون الحقوق واضحة منذ البداية.





