الاثنين, 20 يوليو 2026
منصة إعلامية يمنية مستقلة متخصصة في تغطية شؤون المجتمع الريفي في اليمن تهدف إلى تسليط الضوء على الأبعاد الاجتماعية والثقافية والاقتصادية.
قصة

البدو في اليمن: حياة معلقة بين الماء والمرعى

📅 يوليو 19, 2026

يرسم راجح الطيري (55 عامًا) مساراته في الصحراء متتبعًا مواطن المطر، كما فعل آباؤه وأجداده من قبل، مسترشدًا بالنجوم وتقلبات الرياح، وفي بني ضبيان بمحافظة صنعاء، تستقبل شيماء (24 عامًا) خيوط الفجر الأولى بفك قيد الحظيرة وحلب الماعز، قبل أن تبدأ يومًا جديدًا من الترحال بحثًا عن الكلأ.

هكذا تمضي الحياة عند بدو اليمن؛ لا يحكمها عنوان ثابت، ولا مكان دائم، بل تحددها مواسم المطر ومسارات الرعي، وعلى الرغم من تبدل وسائل التنقل من الجمال إلى السيارات، وظهور المنازل الإسمنتية في بعض مناطقهم، ما يزال الترحال جزءًا من هويتهم، والخيمة رفيقة مواسم الرعي، فيما تبقى البداوة أسلوب حياة يتوارثه الأبناء جيلاً بعد جيل.

كيف تبدأ الرحلة؟

يقول الباحث والشاعر عباد العامري إن الترحال من منطقة إلى أخرى يبدأ بوصول أخبار الأمطار، فعندما يأتي علم المطر، يجتمع الرجال ويتوجهون إلى المنطقة المستهدفة، ويستأذنون أهلها للقدوم إليها، وفق الأعراف القبلية.


مواضيع مقترحة

العسل الجبلي: رحلة الموت في جبال الضالع
البدو الرحل في لحج.. كيف يعيشون بقفار موحشة؟
صوف الغنم.. مهنة الحياكة الريفية التي تُصارع الاندثار


ويضيف لـ “ريف اليمن”: “بعد أخذ الإذن يبدأ تجهيز الحاجات الأساسية وحملها على الإبل أو الحمير، والانطلاق مع الأغنام حتى الوصول للمرعى”، لافتا إلى أن الرحلة تستغرق يوماً أو يومين، وأحيانا أكثر والأمر مرتبط بالمكان ومسافة الوصول إليه.

وعند الوصول، يلفت العامري إلى أن الرحالة يبدأون بنصب الخيام إيذانا ببدء موسم الرعي، مشيرا إلى أن هذه الرحلات تخضع لأعراف اجتماعية راسخة تنظم الانتفاع بالمراعي، وتضمن احترام حقوق السكان المحليين، في تقليد حافظ على استمراريته عبر أجيال.

الاكتفاء بالضروريات

يجسد راجح الطيري هذه الدورة التي تتكرر مع كل موسم بخبرة رجل شربت ملامحه شمس البادية، فبمجرد أن يسمع عن هطول الأمطار في منطقة ما، يشد رحاله مع قطيعه، حاملًا ما يحتاجه فقط من متاع لأن الأثقال تعيق الحركة.

ويوضح لـ”ريف اليمن” أن كثرة الأمتعة تعيق الحركة، لذلك يحرص البدو على الاكتفاء بالضروريات، وفي مقدمتها بيوت الشعر،( مساكن البدو التقليدية) وأدوات الطهي، و”الغروب”، وهي قرب جلدية تُصنع من جلود الماعز لحفظ المياه خلال الرحلات الطويلة.

حياة الصحراء لا يحكمها عنوان ثابت ،ولا مكان دائم، بل تحددها مواسم المطر ومسارات الرعي (ريف اليمن)

ويضيف أن الترحال يفرض على البدو نمطًا مختلفًا من الحياة، يقوم على البساطة وخفة المتاع؛ إذ يجب أن يكون كل ما يملكونه قابلاً للحمل والانتقال كلما استدعى المرعى ذلك.

رغم بناء كثير من الأسر البدوية منازل إسمنتية في قراها، إلا أن ذلك لم يكن بديلًا عن الخيمة، بل استجابة لظروف اجتماعية وجغرافية فرضتها الحياة الحديثة، ويفسر الأكاديمي بجامعة سبأ الدكتور محمد الحسيني ذلك بالتوازن الذكي بين العُرف والواقع.

ويقول الحسيني لـ”ريف اليمن”: “البناء في مناطق الرعي التاريخية يمثل وتداً عُرفياً يثبت به البدوي حق قبيلته في مساقط المياه والمراعي، ويحميها من التمدد العمراني”، لافتا إلى أن الخيمة تبقى الخيار الأنسب خلال مواسم الرعي.

ويشير إلى أن البيت يحفظ الحق والتراب، لكن سيكولوجية الراعي تظل في الخيمة، حيث الامتداد البصري الذي يضمن حماية الحلال من السطو أو المفترسات؛ فالبيت صك ملكية، لكن الخيمة تمنح الراعي حرية الحركة وتضمن حياة القافلة ومصدر الرزق.

لا تعرف شيماء، وهي من بني ضبيان، معنى الاستقرار في مكان واحد، فحياتها ترتبط بحركة القطيع أكثر من ارتباطها بجغرافيا القرية، وهو ما جعل حلمها بمواصلة التعليم يصطدم بواقع الترحال، وتبين لـ”ريف اليمن” قائلة: “لا يمكنني البقاء وحدي للدراسة، ولا تستطيع عائلتي الاستقرار في أرض جافة حتى لا تموت الأغنام جوعًا، مكاني دائمًا مع القطيع، وخيمتنا تُفك وتُربط حيث يوجد العشب والماء”.

المراة شريك أساسي

تعكس قصة شيماء واقع كثير من الفتيات البدويات اللواتي يضطررن إلى مرافقة أسرهن في رحلات الرعي الموسمية؛ ما يجعل الانتظام في التعليم تحديًا يصعب تجاوزه، وهذا الحرمان ليس اختياراً، بل هو ثمنٌ يدفعه البدوي للحفاظ على أصوله الاقتصادية التي تتطلب الحركة المستمرة.

خلف قسوة الصحراء تقف المرأة البدوية شريكًا أساسيًا في إدارة تفاصيل الحياة اليومية، إذ لا يقتصر دورها على رعاية الأسرة، بل يمتد إلى إدارة شؤون الماشية، والمحافظة على الموروث الاجتماعي والثقافي.

وتوضح الأكاديمية ريم بحيبح، في حديثها لـ”ريف اليمن” أن الرجل البدوي منح امرأته الثقة لتكون قيادية؛ فهي تدير شؤون الحلال، وتلعب دور حارسة الأسلاف، إذ تزرع في أطفالها الفخر بالنسب، وتلقنهم السرد القصصي والقصائد التي توثق ذاكرة القبيلة.

ووفقاً لبحيبح، فإن المرأة البدوية ليست مهمشة كما يظن البعض، بل هي عقل القبيلة المدبر الذي يحفظ توازنها في أصعب الظروف، وهذه المكانة جعلتها إحدى الركائز الأساسية لاستمرار الحياة البدوية والمحافظة على هويتها عبر الأجيال.

يعتمد البدو على اتجاه الرياح والسحب، لكن النجوم تبقى دليلهم الأوثق، لأنها لا تتغير كما تتغير معالم الأرض (ريف اليمن)

وفي بيئة تتغير فيها معالم الأرض باستمرار، تعلم البدو قراءة الطبيعة بوصفها خريطة مفتوحة، فمنذ الصغر، يتقن الأبناء والبنات تتبع آثار الأقدام، وقراءة اتجاه الرياح، ومراقبة حركة السحب، لمعرفة الطريق ومواسم المطر.

وتشير بحيبح إلى أن النجوم ظلت الدليل الأكثر ثباتًا في رحلات البادية، قائلة: “يعتمد البدو على اتجاه الرياح والسحب، لكن النجوم تبقى دليلهم الأوثق، لأنها لا تتغير كما تتغير معالم الأرض”، وهكذا تتحول السماء إلى خريطة، والنجوم إلى علامات تهدي القوافل في رحلاتها الطويلة.

فتح الصباح

في بادية صرواح بمأرب، تبدأ ملحة الأبرش (46 عامًا) يومها قبل طلوع الشمس، شأنها شأن كثير من النساء البدويات، وتقول لـ”ريف اليمن”: “نعتمد على الأثر لمعرفة من مر بالمكان، سواء كان ضيفًا أو عابر سبيل”.

ومع ساعات الصباح الأولى، تنشغل النساء بإعداد وجبة “الفتح”، بينما تتصدر القهوة طقوس بداية اليوم، وتوضح بحيبح أن للقهوة مكانة خاصة في حياة البدو، إذ تبدأ الأسر يومها بالقهوة البيضاء، بينما تُعد القهوة المملحة وقشر البن من المشروبات التي ترافق ساعات العمل والاستراحة.

مع ساعات الصباح الأولى تنشغل النساء بإعداد وجبة “الفتح”(الصبوح) بينما تتصدر القهوة طقوس بداية اليوم(ريف اليمن)

وبحسب بحيبح، فإن القهوة لا تمثل في المجتمع البدوي مجرد مشروب، بل ترتبط بمنظومة من الأعراف التي تنظم استقبال الضيوف والتعامل معهم، مشيرة إلى أن امتناع الضيف عن شرب القهوة يُفهم غالبًا على أنه يحمل طلبًا أو قضية يريد عرضها، ولذلك يسعى المضيف إلى معرفة حاجته قبل أن يتناولها.

“تتولى المرأة استقبال الضيوف عند غياب الرجال، إذ تدفع بأحد أطفالها للترحيب بهم وإرشادهم إلى مجلس الضيافة، وإن لم يوجد أطفال، رحبت بصوتها ودعتهم للاستراحة حتى يأتي الرجال”، تقول الأكاديمية بحيبح.

وأشارت إلى أن هذه العادات تعكس مكانة المرأة في المجتمع البدوي، ودورها في الحفاظ على قيم الكرم والضيافة التي تُعد جزءًا أصيلًا من هوية البادية.

طقوس الأعياد والأعراس

في الأعياد والأعراس تتحول الخيام عند البدو إلى مسرح للسمر؛ تضاء لياليهم وتُقام “البالة”، وتُختار الأضحية بعناية، وبعد صلاة العيد في العراء، يقطع الرجال الكيلومترات سيراً لصلة الأرحام في طقوس المسالمة والمعاودة التي تستمر أياماً قبل العودة للانشغال بالحلال، فأعيادهم  لا تعرف صخب المدن، لكنها تمتلئ بدفء الروابط القبلية التي لا تفتتها المسافات.

أما النساء فتصطف في الأعراس لترديد المهايد التي توثق تاريخ الصلح والحروب، وعلى الرغم من ضياع الكثير من هذا الموروث، لا تزال أبياتٌ منها تردد في هذه المناسبات، فالشعر ظل وسيلة لتوثيق الذاكرة الجمعية للبدو، ورفيقًا يخفف مشقة السفر الطويل، ويمنح القوافل شعورًا بالألفة مهما تباعدت المسافات.

في الأعياد والأعراس تتحول الخيام عند البدو إلى مسرح للسمر والفرح احتفاء بالمناسبة (ريف اليمن)

رغم التحولات التي شهدتها حياة البدو خلال العقود الأخيرة حيث استبدلت القوافل سيارات الدفع الرباعي، وحلت الهواتف المحمولة محل كثير من وسائل التواصل التقليدية، إلا أن كثيرًا من ملامحها الأساسية ما تزال حاضرة، وهذه الاستحداثات لم تغيّر جوهر الحياة البدوية.

ويلخص حسن الأعرج (53 عامًا) هذه الفلسفة بقوله: “تغيّرت الأدوات، لكن البداوة بقيت كما هي؛ أن ترضى بما لديك، وتحفظ عهدك وكلمتك، زمان كنا نرحل على ظهور الجمال، واليوم نرحل بالسيارات، ونتابع أماكن المطر من الأصدقاء أو عبر وسائل الاتصال، لكننا ما زلنا نعرف مواسم الغيث، ونرحل حيث يوجد المرعى، بنينا بيوتًا من الإسمنت، لكن البداوة في داخلنا لم تتغير”.

وبينما تتغير أدوات العيش وتتبدل وسائل الترحال، يواصل البدو حمل الأرض على ظهورهم، متنقلين خلف المطر والعشب، محافظين على هوية قاومت الزمن، وما تزال ترى في الترحال طريقًا للحياة، لا مجرد وسيلة للانتقال، فالبداوة لا تختزل في خيمة أو قطيع، بل تمثل منظومة حياة نسجتها الطبيعة، ورسختها الأعراف، وحفظتها الذاكرة.