كان الراحل ‹وسام قائد› مدير عام الصندوق الاجتماعي للتنمية، شعلة أمل تتوهج في منتصف الأربعينيات من عمره قبل أن تطاله رصاصات الغدر في عدن جنوبي اليمن، وتنهي مسيرته التنموية.
عُرف كأحد الرواد في تنمية المشاريع الصغيرة، تاركًا أثرًا ملموسًا في القرى الريفية، حيث تحولت مبادراته إلى بارقة أمل لكثير من الأسر في مناطق يمنية مختلفة.
كانت عملية الاغتيال صادمة لليمنيين كون المستهدف ارتبط بمشاريع التنمية الصغيرة في أنحاء البلاد ولا علاقة له بالصراع والحرب، حيث لاقت الجريمة إدانات واسعة حينها، ورغم مرور ثلاثة أشهر ما زالت تحقيقات السلطات لم تستكمل والملف مفتوح.
تستعرض منصة «ريف اليمن» قصة وسام قائد بعد 100 يوم من اغتياله لتخليد سيرة أحد اهم الشخصيات الفاعلة في المشاريع التنموية الريفية، وكشاب كان يسعى لصناعة أثر في المجتمع وكافح خلال السنوات الماضية لأجل ذلك.
مواضيع مقترحة
الجمعيات التعاونية شريان حياة الأرض والإنسان
المبادرات المجتمعية في الضالع.. صمام أمان لحماية السكان
‹الأسرة الريفية› نموذج للصمود والإنتاج في زمن الحرب
ماهي قصة وسام قائد؟
وسام قائد، يمني ينحدر من منطقة الأعروق بمحافظة تعز، ويحمل الجنسية البريطانية، يعد أحد رواد التنمية الشاملة في اليمن والذين عملوا بشغف كبير خلال العقدين الماضيين، وفق مدونة البنك الدولي.
في عام 2005 أسس وكالة تنمية المنشآت الصغيرة والأصغر ‹SMEPS› في اليمن والتي تعد اليوم وكالة تنمية رائدة تخدم عشرات الآلاف من الشركات الصغيرة والمتوسطة في جميع أنحاء البلاد، وانتقل من بريطانيا حيث تقيم أسرته للإقامة في اليمن
عُين نائبا للمدير العام للصندوق الاجتماعي للتنمية عام 2019 قبل أن يتولى لاحقا إدارته قبل عام من اغتياله، حيث كان يشرف على تمويلات المانحين لدعم التكامل ضمن منهجية دعم التنمية المجتمعية.
كان ‹وسام› من أبرز وجوه الصندوق في اليمن ويحظى بثقة واسعةو حاول العمل على استمرارية بقاء المشاريع التنموية لكن ذلك كان على حساب حياته
وخلال السنوات الماضية من الصراع في اليمن ظل الصندوق الاجتماعي للتنمية إحدى القنوات القليلة القادرة على تنفيذ مشاريع تنموية في بلاد تعيش انقسام حاد وحالة حرب واستقطاب بين أطراف الصراع.
كان ‹وسام› من أبرز وجوه الصندوق في اليمن ويحظى بثقة واسعة، وفي لحظات الانقسام الحادة في الصراع حاول العمل على استمرارية بقاء المشاريع التنموية وإبقاء ثقة المانحين لمواصلة الدعم، لكن ذلك كان على حساب حياته.
ففي 3 مايو/ آيار 2026 عثر على “وسام” مقتولاً داخل سيارته بمنطقة الحسوة في مدينة عدن، بعد أن اقتاده مسلحون من قرب منزلة في حي إنماء وفق ما وثقته كاميرات المراقبة، التي نشرتها السلطات الأمنية في عدن.
عقب اغتيال وسام قائد، صدرت بيانات إدانة من جهات دولية ومنظمات أممية شددت على رفض استهداف الشخصيات المدنية والتنموية، مؤكدة أن حماية الكوادر شرط أساسي لاستمرار العمل الإنساني والتنموي.

التنمية ليست أرقاماً
لم يكن انتقال وسام قائد من الخارج إلى العمل التنموي في اليمن مجرد تغيير مسار مهني، بل كان اختيارًا واضحًا وإنحيازاً إلى الأرض والإنسان في بلاده الأم لهدف وحيد هي التنمية التي كانت تشغل كل تفكيره.
وقال محمد عمر البان ضابط مشاريع الصندوق الاجتماعي للتنمية “كان وسام قائد بالنسبة لنا أكثر من مسؤول؛ كان روح الفريق، وصوت التشجيع عندما تتعقد الأمور، وكان يؤمن بنا قبل أن نثبت له شيئًا”.
يضيف في حديث لـ‹ريف اليمن› في كل اجتماع كان يذكّرنا ‹أن التنمية ليست أرقاماً فقط، بل حياة للناس، وأن كل مشروع ناجح يعني أسرة أكثر استقراراً وأملاً أكبر في الريف، وكان يفكر بالأثر ويمنح العمل معني›.
ويوضح محمد البان أن السمة الأبرز في شخصية وسام كانت ‹قدرته على الخروج الدائم من منطقة الراحة، إذ كان يدفع فريقه إلى التفكير المختلف والابتكار في تصميم المشاريع وتنفيذها وإدارتها، بعيدًا عن التكرار أو التقليد›.
محمد البان: كان وسام يذكرنا في كل اجتماع أن التنمية ليست أرقاماً فقط بل حياة للناس وأن كل مشروع ناجح يعني أسرة أكثر استقراراً
وقال: ‹كان يشجّع على تطوير الأدوات والمقاربات الميدانية للوصول إلى حلول مستدامة تعيد صياغة طريقة العمل نفسها، لا أن تكتفي بتنفيذ البرامج بشكل روتيني›.
مصدر من أسرة وسام، قال ‹إن قناعة وسام بخدمة الناس كانت راسخة منذ وقت مبكر، إذ كان يرى أن مساعدة الآخرين قيمة أساسية في الحياة، وأن هذا المعنى كان جزءًا من شخصيته قبل أن يكون جزءًا من عمله›.
ويضيف لـ”ريف اليمن” كان دائم الحرص على مد يد العون لمن حوله ‹ويجد سعادته في التخفيف عن الناس ومساندتهم، وهو ما جعله يختار البقاء في أرض الوطن رغم الفرص المتاحة له خارجها، إيمانًا منه بأن الأثر الحقيقي يُصنع حيث يعيش الناس ويحتاجون إلى التنمية›.
وكانت فرص العمل متاحة لوسام قائد خارج البلاد بحكم خبرته. وقال عمر البان ‹أن اهتمامه بالتنمية المجتمعية وخدمة الوطن كانا حاسمين في قراره بالبقاء في اليمن› مضيفا ‹بالنسبة لوسام قائد لم يكن النجاح موقعًا أو امتيازًا، بل أثرًا ملموسًا يتركه في حياة الناس›.

تنمية لأجل اليمن
خلال نحو عقدين من عملة في اليمن حوّل وسام قائد قناعاته إلى مشاريع وصلت إلى آلاف المستفيدين في اليمن وخصوصاً في الريف حيث المجتمعات الأكثر احتياجا لدعم سبل العيش.
وقال المهندس عبدالباري المغلس، ضابط مشاريع القطاع الزراعي في وكالة تنمية المنشآت الصغيرة والأصغر «SMEPS» ‹وسام كان يحمل شعارًا ثابتًا في كل خطواته وهو ‹تنمية لأجل اليمن›.
وأضاف في حديث لـ‹ريف اليمن› أنه عمل مع المختصين على إعداد مقترحات مشاريع تنموية ‹وبذل جهدًا كبيرًا في إقناع المانحين بتبنّيها ودعمها، بما يوسّع أثر البرامج في الريف ويمنح المجتمعات المحلية فرصًا حقيقية للنهوض›.
عبدالباري المغلس: وسام كان يحمل شعارًا ثابتًا في كل خطواته وهو ‹تنمية لأجل اليمن› وهذا ليس إلتزاماً إدارياً بل إنعكاس لقناعته الشخصية
‹هذا الالتزام لم يكن إداريًا فقط، بل كان انعكاسًا لقناعة شخصية› وفق المغلس. لهذا صنعت مشاريع أثرًا في قلب الريف اليمني، فالمزارع صالح محمد من منطقة حجر بمحافظة الضالع قال ‹حصلت على دعم وتلقّيت شبكات تقطير وبذور، ودورات تدريبية حول مواسم الزراعة›.
وتحدث لـ ‹ريف اليمن› كيف تحوّل دخله الزراعي بشكل جذري بعد حصوله على الدعم، حيق وفرت له البذور والأسمدة، والمتابعة الميدانية المستمرة، إلى رفع إنتاجه بنسبة 500% وهو تحوّل انعكس مباشرة على دخله واستقراره المعيشي.
في جانب التمكين الاقتصادي للمرأة، تقدم تجربة سميرة محمد من مديرية الجراحي بمحافظة الحديدة نموذجًا ملموسًا على أثر برامج سبل العيش، توضح سميرة، أنها قبل التحاقها ببرنامج التمكين في قسم الخياطة لم تكن تمتلك أي مصدر دخل ثابت.
وقالت لـ‹ريف اليمن› بعد إكمالها التدريب المهني وبدء العمل، أصبحت قادرة على توفير ما يقارب 40% من احتياجات أسرتها الشهرية بشكل مستقل، وهو تحول انعكس مباشرة على مستوى ثقتها بنفسها ودورها داخل الأسرة.
وتسهم برامج التمكين الاقتصادي في رفع دخل النساء المستفيدات بنسبة تتراوح بين 30% و50%، كما ترتبط بتحسن مؤشرات الأمن الغذائي الأسري، وفق بيانات منظمة الأغذية والزراعة، خصوصًا في المجتمعات الريفية المتأثرة بالنزاع.

استهداف التنمية
حادثة اغتيال ‹وسام قائد› الصادمة لم ينظر لها بأنها حادث جنائي، بل رصاصة قاتلة تهدد المجتمع مستقبل الاستقرار التنموي، ومشاريع الاستدامة التي يقوم بها الصندوق الاجتماعي للتنمية.
ويعد استهدف مسؤولًا كان يقود مشاريع إنسانية واقتصادية طويلة الأمد عبر مؤسسة محورية هي الصندوق الاجتماعي للتنمية، يؤثر على ثقة المانحين الدوليين. وقال الكاتب عبد الواسع الفاتكي ‹إن استمرار استهداف الكفاءات يضعف بيئة العمل التنموي ويهدد فكرة بناء مؤسسات مدنية مستقلة عن الصراع›.
وحذر الخبير الاقتصادي فارس النجار من أن البيئة الهشة في اليمن تجعل أي فراغ قيادي ينعكس مباشرة على تراجع ثقة الممولين وتعثر الشراكات وارتفاع كلفة العمل الميداني، وهو ما يتقاطع مع ما تشير إليه تقارير التنمية الصادرة عن المنظمات الدولية.
وقال في حديث لـ‹ريف اليمن›: إن الخسارة التنموية لا تُقاس بعدد المشاريع المتوقفة فقط، بل بغياب حلقة الوصل بين التمويل والإدارة والمجتمع.
أما على مستوى الميدان، أفاد عزيز عثمان، استشاري ميداني في الصندوق الاجتماعي أن المخاوف تشمل جميع العاملين في المجال التنموي دون استثناء، سواء من احتمالات الاستهداف أو التضييق أو تعطيل العمل الميداني نفسه.
تشير تقارير الصندوق الاجتماعي للتنمية إلى وصول البرامج إلى مئات الآلاف من المستفيدين، وتنفيذ عشرات الآلاف من التدخلات في مجالات الزراعة، وسبل العيش، والتمكين الاقتصادي من نحو ثلاثة عقود لكنها تواجه اليوم تحديات كبيرة مع زيادة حدة الصراع والاستقطاب.
ومنذ تأسيسه عام 1997 نال الصندوق ثقة المانحين الدوليين واستطاع مدارس وعيادات وطرق. كما يحظى الصندوق بدعم البنك الدولي منذ أكثر من عقدين، وهو آخر المؤسسات التي حولت أموال المانحين إلى مدارس وطرق وعيادات ومشاريع دعم مختلفة.





