في ظل الأوضاع الصعبة التي تمر بها اليمن، تبرز المبادرات المجتمعية كنافذة أمل حقيقية لأهالي المناطق الريفية، حيث تتجلى معاني التكافل والتضامن الاجتماعي في أبهى صورها، ويكتسب التضامن المجتمعي في الريف أهمية خاصة، كونه يمثل شبكة أمان اجتماعي تدعم الأسر المحتاجة، وتعزز من تماسك المجتمع ووحدته.
يروي نواف الوجيه أحد سكان ريف الضالع تفاصيل محنة قاسية عاشتها عائلته، حين أدخل حادث مروري أحد أعمامه في غيبوبة استمرت ثلاثة أشهر، وسط عجز مادي تام. ويقول لـ ريف اليمن: “كانت المبادرات الاجتماعية المنقذ الأول، إذ تكفلت بكامل مصاريف المستشفى، وشكّل حضورها سنداً معنوياً ونفسياً لنا في أصعب مراحلنا”.
وتعد المبادرات المجتمعية في قرية بيت النهام نموذجاً بارزاً في تجسيد روح العمل التطوعي، من خلال مبادرات إنسانية متكاملة تستهدف الفئات الأكثر احتياجاً، وتعمل على تقديم الدعم المباشر للأسر الفقيرة والإسهام في تخفيف الأعباء المعيشية، عبر جهود أهلية.
مواضيع مقترحة
- ملابس الأقارب.. تكافل تحت تهديد المخاطر الصحية
- المرأة الريفية: شريك أساسي في المبادرات المجتمعية
- مبادرات “شق الطُرق” تخفف معاناة سكان جبل حَبَشي
كما تساهم المبادرات بدور حيوي في تعزيز قيم الرحمة وإحياء روح المسؤولية المجتمعية، ما يمثل شبكة أمان حقيقية في ظل غياب الدعم الكافي من الجهات الرسمية.
بناء الحياة
لا تتوقف حدود جهود المبادرات عند الإغاثة العاجلة، بل تمتد لتشمل إعادة بناء حياة الأسر من الصفر، حيث يؤكد نواف الوجيه أن الدعم لم ينتهي بوفاة عمه، بل استمر ليشمل بناء منزل من ثلاث غرف يأوي أرملته وأطفاله بعد فقدانهم المعيل، في لفتة تؤكد امتداد التكافل لتأمين الاستقرار طويل الأمد.
وعلى ذات النسق، تبرز قصة صالح النهام، الذي فجع بوفاة نجله في حادث بالمملكة العربية السعودية، حيث تدخل الأهالي من خلال المبادرة المجتمعية لبناء منزل يمنح أسرته المكلومة نوعاً من الاستقرار، مؤكداً أن المبادرة كانت دعماً معنوياً أعاد له الطمأنينة،
وفي عبارة تلخص المشهد الإنساني، أكد النهام لـ “ريف اليمن” قائلاً: “قد لا يعوض البيتُ فقدان ابني، لكنه أعاد لنا جزءاً من الأمان، وأثبت أن الخير ما زال موجودًا”.
الشامي: ما تشهده المجتمعات الريفية ليس مجرد مبادرات خيرية عابرة بل هو تعبير عميق عن بنية اجتماعية متماسكة
وفي شهادة إنسانية مؤثرة أخرى، يروي عيسى المريسي تفاصيل معاناته مع مرض القلب الذي استدعى جراحة دقيقة لتغيير الصمامات في وقت عجز فيه عن تحمل التكاليف، قائلاً لـ ريف اليمن :” كنت أمام خيار صعب، إما إجراء العملية أو مواجهة مصير مجهول، لكن المبلغ كان يفوق قدرتي تماماً”.
ويضيف:” تدخلت المبادرة في الوقت الحرج بتكفلها بمبالغ العملية البالغة نحو عشرة آلاف دولار، ما شكل نقطة تحول في حياته، مضيفاً: “وقوفهم إلى جانبي لم ينقذ حياتي فقط، بل أعاد لي الأمل وشعرت أنني لست وحدي”، وهي شهادة تبرهن أن دور المبادرات يتجاوز الدعم المالي ليمنح المرضى فرصة جديدة للحياة.
اقتصاد التضامن
ويرى المختص في علم الاجتماع، جمال الشامي، أن ما تشهده المجتمعات الريفية ليس مجرد مبادرات خيرية عابرة، بل هو تعبير عميق عن بنية اجتماعية متماسكة تقوم على ما يسمى بـ “الاقتصاد التضامني”، حيث تُدار الموارد وفق منطق الحاجة لا الربح، ويُقدَّم الإنسان فيها على رأس المال.
ويشير الشامي لـ “ريف اليمن” إلى أن هذا النمط يندرج ضمن التضامن الميكانيكي، حيث تنتج وحدة القيم والظروف وعياً جمعياً يجعل من مساعدة الآخرين واجباً اجتماعياً ملزماً لا خياراً فردياً.
مؤكداً أن العلاقات الاجتماعية في البيئات تمثل شكلاً جوهرياً من رأس المال الاجتماعي؛ إذ تتحول روابط الجوار والمصاهرة والتفاعل اليومي إلى أدوات فعالة للصمود في أوقات الأزمات.
ويلفت الشامي إلى أن عنصر الثقة المتبادلة يعد عاملاً حاسماً في تقليل تكاليف التنسيق وتسريع الاستجابة الجماعية رغم محدودية الإمكانيات، مفسراً قوة هذه الروابط بسيادة العلاقات المباشرة “وجهاً لوجه” وتراكم الثقة عبر الأجيال، مما يخلق قناعة بوحدة المصير في ظل حضور الأعراف مقابل المؤسسات الرسمية.
ويخلص إلى أن هذه المبادرات تجسد نموذجاً لـ رأس المال الاجتماعي الترابطي” الذي يترجم التماسك الداخلي إلى منافع ملموسة كتمويل العلاج ودعم المشاريع.
الشوكي: الجهود تعتمد بشكل أساسي على توظيف منصة التواصل الاجتماعي واتساب كغرفة عمليات لحشد الدعم الشعبي والمناشدات العاجلة
وفيما يخص المستقبل، يشدد الشامي على أهمية التطوير عبر التوثيق المنظم واعتماد “حوكمة خفيفة” تضمن الشفافية دون تعقيدات بيروقراطية، لافتا أن هذه النماذج تقدم درساً بليغاً في قدرة المجتمعات على إنتاج حلولها الذاتية عندما تتوفر الثقة ويتجذر الشعور بالمسؤولية المشتركة.
تكاتف رقمي
وعلى مقربة من تجربة بيت النهام، تمتد جسور التكافل إلى قرية “القعرة” بالعود، حيث أُسست جمعيات تعاونية مماثلة تضع إنقاذ الحالات الطبية الطارئة على رأس أولوياتها.
ويوضح الناشط الاجتماعي، مجاهد الشوكي، أن الجهود تعتمد بشكل أساسي على توظيف منصات التواصل الاجتماعي واتساب كغرفة عمليات لحشد الدعم الشعبي والمناشدات العاجلة؛ وهي الآلية التي أثمرت عن إنقاذ حالة أم سفيان المصابة بالسرطان، حيث أُطلقت حملة تبرعات واسعة مكنتها من السفر إلى دولة مصر وتلقي العلاج حتى تماثلت للشفاء.
ورغم النجاحات، يؤكد الشوكي في لـ “ريف اليمن” ثقل التحديات التي تواجهها هذه المباردات؛ إذ يفرض الارتفاع المتزايد في أعداد المرضى والظروف الاقتصادية القاسية حالة من العجز المتكرر، مما يجعل الاستجابة الأهلية، رغم فعاليتها، محدودة أمام حجم الاحتياج المتصاعد الذي يفوق الإمكانيات المتاحة.
وخلال السنوات الماضية، ساهمت المبادرات المجتمعية في مختلف المحافظات اليمنية بتقديم الدعم والمساعدة للسكان، لا سيما المرضى والمحتاجين، في العديد من المناطق الريفية، وتنوعت بين حملات طبية مجانية، وتوفير الأدوية الأساسية، وتنفيذ مشاريع صغيرة لتأمين مصادر دخل للأسر الفقيرة.
*صورة الغلاف:مركز صنعاء بعدسة المصور أنور الشريف

