الاثنين, 6 يوليو 2026
منصة إعلامية يمنية مستقلة متخصصة في تغطية شؤون المجتمع الريفي في اليمن تهدف إلى تسليط الضوء على الأبعاد الاجتماعية والثقافية والاقتصادية.
تنمية

الصناعات التحويلية.. توجه للاستفادة من فائض الإنتاج الزراعي

📅 يوليو 6, 2026

تعد الصناعات التحويلية الغذائية خط دفاع أول لإنقاذ الأمن الغذائي من التدهور، حيث من شأنها تحويل فائض الحصاد والمواسم الزراعية سريعة التلف إلى منتجات مستدامة عابرة للفصول والمواسم، هذه الصناعات بدأت تبرز مؤخرا في اليمن من خلال مبادرات متنوعة.

ويأتي التحول التنموي كضرورة ملحة في وقت تشير فيه تقارير صادرة عن منظمة الأمم المتحدة للطفولة يونسيف إلى أن نحو 72.5% من السكان في اليمن يعانون من انعدام الأمن الغذائي، فيما تحتل البلاد المرتبة 126 من أصل 127 دولة على مؤشر الجوع العالمي؛ نتيجة لتداخل عوامل الانكماش الاقتصادي، والارتفاع الحاد في الأسعار، وتراجع الإنتاج الزراعي المحلي.

ولا تقتصر أهمية تطوير الصناعات المحلية وتدوير الفاقد منها على الجانب الاقتصادي فحسب، بل تمتد لتخفيف الضغوط البيئية؛ إذ تشير بيانات معهد الموارد العالمية «WRI» إلى أن أنظمة إنتاج الغذاء التقليدية غير المستدامة تستهلك نحو 70% من المياه العذبة عالمياً وتتسبب في ربع الانبعاثات الدفيئة، مما يجعل من كفاءة التصنيع الغذائي المحلي ضرورة انقاذية وبيئية متكاملة.


مواضيع مقترحة


جذور تاريخية

ويؤكد مدير عام الإرشاد الزراعي، حفظ الله القراضي، لـ”ريف اليمن”، أن هذه الصناعات شكّلت تاريخيًا إحدى ركائز الأمن الغذائي في المجتمعات الريفية، فيما تعود اليوم لتفرض نفسها كحل عملي يربط بين حماية البيئة وتعزيز الأمن الغذائي عبر الاستخدام الأمثل للموارد الزراعية.

وتشير دراسة حول دور الأسرة اليمنية في النشاط الزراعي إلى أن القطاع الزراعي يسهم بنحو 14.5% من الناتج المحلي الإجمالي، ويستوعب أكثر من 54% من القوى العاملة، لكنه ما يزال عاجزًا عن سد الاحتياجات الغذائية، الأمر الذي يفرض توسيع الزراعة المنزلية، ودعم الشباب بالقروض، والتوسع في التقنيات الحديثة كالبيوت المحمية والزراعة المائية.

ولمواجهة العجز، توصي الدراسة بتوسيع دور الأسرة تنموياً عبر تشجيع الزراعة المنزلية والحضرية، وتمكين الشباب بالقروض الميسرة، إلى جانب إدخال تقنيات حديثة كالزراعة المائية والبيوت المحمية لرفع الإنتاجية.

أما مدير عام الزراعة التعاقدية في وزارة الزراعة فؤاد السراجي أشار إلى أن التوجه يشمل تشجيع إنشاء المعامل والمصانع، ودعم الأسر المنتجة، وتوفير القروض الميسرة للمشاريع التحويلية، فضلاً عن إدخال تقنيات حديثة كالتجفيف والفرز والتغليف لرفع القيمة المضافة للمنتجات، بالتوازي مع اعتماد “الزراعة الموجهة” بحثياً وفي اختيار البذور المناسبة لرفع معدلات الإنتاجية.

عملياً، تتكئ خطط التطوير على مخزون من الخبرة التراكمية للمزارع اليمني، الذي أدار قديماً الفائض الزراعي عبر تقنيات التجفيف، والتمليح، والتخزين، والتحميص، واستخدام المواد الحافظة النباتية، وهي ممارسات تقليدية تشكل النواة الحقيقية للصناعات التحويلية الحديثة.

تشجيع إنشاء المعامل والمصانع، ودعم الأسر المنتجة، وتوفير القروض الميسرة للمشاريع التحويلية سيساهم في نجاح الصناعات التحويلية

ورغم الفرص الواعدة، يواجه القطاع تحديات بنيوية حاسمة تحجم قدرته التنافسية؛ أبرزها الارتفاع الحاد في تكاليف الإنتاج نتيجة غياب المكننة والتقنيات الحديثة، والمنافسة غير المتكافئة مع المنتجات المستوردة، إلى جانب ضعف الاستثمارات وشح الدعم الموجه للبحث العلمي الزراعي.

سيادة الإنتاج

تلعب الصناعات التحويلية الزراعية دوراً محورياً في الحد من الهدر والفاقد الغذائي الذي تتجاوز نسبته 25% عبر إعادة تدويره إلى منتجات ذات قيمة اقتصادية وبيئية تعزز الأمن الغذائي وتقصي فاتورة الاستيراد، وبحسب مستشار البيئة والمناخ، محمد الشرعبي، فإن الاعتماد على تقنيات الفرز، التبريد، والتغليف، واستبدال المركبات الكيميائية بالمواد العضوية، يسهم مباشرة في خفض الانبعاثات والمخلفات وتدعيم المرونة المناخية واستدامة سبل عيش المزارعين.

وحذر الشرعبي من أن غياب الرقابة وضوابط السلامة يهدد بتبعات بيئية وصحية خطيرة، مشدداً على إلزامية تقييم الأثر البيئي للمنشآت التصنيعية، وضبط حدود استخدام الكيماويات، مع تشجيع الإنتاج العضوي وتبني ثقافة الـ (Organic Culture) والاقتصاد الدائري، مستشهداً بالنماذج الدولية الناجحة مثل اتحادات الإنتاج العضوي، ومنظومة الاتحاد الأوروبي لإدارة المخلفات المربوطة بمنظمات التجارة العادلة والعمل الدولية، فضلاً عن برامج التمويل الموجهة من البنوك متعددة الأطراف.

تشكل المنتجات التحويلية كالمخللات، الزبيب، التين المجفف، ومشتقات الألبان ركيزة أساسية في تدعيم النظام الصحي المجتمعي. إذ تبيّن الأخصائية الدكتورة غيداء دحروج، لـ “ريف اليمن”، أن المخللات تمد الجسم بالبكتيريا النافعة البروبيوتيك المحفزة للهضم شريطة استهلاكها باعتدال لتجنب أضرار الملوحة العالية، في حين تمثل الفواكه المجففة مصدراً مركزاً للطاقة والألياف والحديد ومضادات الأكسدة، وتعد مشتقات الألبان مخزناً حيوياً للبروتين والكالسيوم اللازمين لسلامة العظام والعضلات.

وتؤكد دحروج أن تحقيق الاستفادة القصوى من القيمة الغذائية يرتبط ارتباطاً وثيقاً بسلوكيات الاستهلاك المتوازن واتباع معايير الحفظ السليمة؛ لافتة إلى أن العبوات الزجاجية تصنف كخيار أكثر أماناً واستدامة لعمليات التخزين طويل الأمد، بينما تقتصر العبوات البلاستيكية المطابقة للمواصفات على الاستخدامات اليومية والتخزين قصير الأجل.

وعلى الصعيد الهيكلي، يرى مدير عام الإرشاد الزراعي، حفظ الله القراضي، أن العمل الإرشادي في اليمن انشغل عقوداً بمرحلة الإنتاج، بينما ظلت مرحلة ما بعد الحصاد المتمثلة في التسويق والتصنيع الحلقة الأضعف في القطاع، ما تسبب في تسجيل هدر كبير للمحاصيل خلال مواسم الذروة الإنتاجية.

السنحاني: الصناعات التحويلية أداة حاسمة لامتصاص وفرة الإنتاج المفاجئة وتحويل المحاصيل سريعة التلف إلى منتجات قابلة للتخزين طويل الأجل

وأوضح القراضي لـ “ريف اليمن”، أن أبرز التحديات البنيوية تكمن في ضعف النظام التسويقي المؤسسي لصالح العشوائية الفردية، وصعوبة التحكم في معادلة العرض والطلب، وغياب مواصفات الجودة التصديرية، إلى جانب نقص أنظمة التعبئة والتغليف الحديثة وشح التمويل.

كما أشار إلى أن جهاز الإرشاد الزراعي يتجه حالياً نحو دعم الصناعات التحويلية عبر تدريب المزارعين والمرأة الريفية على تقنيات تجفيف الفواكه، التمور، وتصنيع العصائر والمربيات والصلصات، فضلاً عن الدقيق المركب، مدعوماً بإنشاء المدارس الحقلية التي نجحت في نقل الممارسات التقليدية إلى مستوى أكثر أماناً؛ حيث تم تقليص زمن تجفيف المحاصيل من عدة أشهر إلى قرابة 15 يوماً فقط مع الحفاظ على قيمتها الغذائية وجودتها.

رهان السوق

و ترى المهندسة الزراعية تيسير السنجاني، أن الصناعات التحويلية أداة حاسمة لامتصاص وفرة الإنتاج المفاجئة وتحويل المحاصيل سريعة التلف إلى منتجات قابلة للتخزين طويل الأجل، مما يضمن استقرار الأسعار وحماية المزارعين من الخسائر الحادة الناتجة عن ضعف بنية التبريد والتخزين الأساسية.

وأكدت السنجاني لـ “ريف اليمن”، على الدور المحوري الذي تلعبه المرأة الريفية في تعزيز سلسلة القيمة من الحقل إلى السوق بالاعتماد على خبراتها التقليدية منخفضة التكلفة، مقترحةً البدء الفوري بإستراتيجية التخصص في محصول واحد كخطوة ذكية ومجدية اقتصادياً، حيث يعد محصول الطماطم خياراً مثالياً ونموذجياً للبدء في تحويله محلياً إلى صلصات، شطة، أو منتجات مجففة عابرة للمواسم.

ضمن توجه لتوطين سلاسل إنتاج الألبان وتقليص فاتورة الاستيراد، أوضح مدير العلاقات في الهيئة، أيمن الكبسي، لـ “ريف اليمن”، أن الجهود تتكامل مع مسارات الدعم الفني؛ حيث أفادت استشارية المشاريع وضابط مسار توطين الألبان، عبير المغلس، بإعداد الهيئة دليلاً تخصصياً للتعبئة والتغليف، وتصميم هويات بصرية لنحو 85 مشروعاً، إلى جانب تنفيذ برامج تدريبية لإنتاج مشتقات الألبان استهدفت الجمعيات التعاونية وطلاب كلية الزراعة بجامعة صنعاء.

كما نفذت الهيئة العامة للبحوث والإرشاد الزراعي، بالتنسيق مع اللجنة الزراعية والسمكية العليا، نزولاً ميدانياً لتقييم استخدام الخامات الوطنية في التصنيع الغذائي، شمل منشآت ومصانع تحويلية في محافظات صنعاء، الحديدة، وتعز. واستهدف التقييم قياس مدى الاعتماد على المدخلات المحلية في صناعات الألبان ومشتقاتها، العصائر، مركزات الفواكه، منتجات الطماطم، البقوليات، والأغذية الخفيفة، لدعم قدرتها التنافسية في السوق التي تشهد تبايناً واضحاً في إقبال المستهلكين.

ورغم المؤشرات الإيجابية التي يرصدها هاني الحرازي، مدير المشتريات في أحد المراكز التجارية من حيث تفوق الإقبال على الألبان المحلية مقارنة بالمستوردة، إلا أن واقع السوق يضع جهود التطوير أمام اختبار حاسم؛ إذ لا تزال المخللات المستوردة، على سبيل المثال، تستحوذ على أكثر من 85% من حجم الاستهلاك نتيجة ضعف وهشاشة التغليف المحلي.