يقف المزارع عصام أحمد سعيد، (38عاما)، وسط حقله في وادي نخلة شمال محافظة تعز، متأملًا موسمًا يقول إنه لم يعد يشبه المواسم التي اعتادها في الوادي، فقبل سنوات كانت الأرض تنتج ما يكفي لإعالة أسرته، وكانت المحاصيل الزراعية تشكل مصدرًا رئيسيًا للغذاء والدخل، إلا أن ذلك، بحسب وصفه، تغير تدريجيًا بسبب التغيرات المناخية والبيئية التي تشهدها اليمن.
وتعد الزراعة في وادي نخلة الذي يشتهر بزراعة الذرة الشامية والمانجو والجوافة ومحاصيل أخرى، مصدرًا رئيسيًا للغذاء والدخل لمئات الأسر، غير أن تحديات بدأت تواجه المزارعين، أبرزها دودة الحشد الخريفية كواحدة من أخطر الآفات التي تهدد المحاصيل، وتفاقم معاناة المزارعين.
يقول سعيد لـ”ريف اليمن”:كانت الزراعة في الوادي منتعشة بفضل توفر المياه، وخصوبة الأرض، وجهود المزارعين، وكان سد الضاحتين الذي أنشئ عام 2006م، يؤدي دورا بارزا في ذلك”.
ويضيف:” بعد أن تعطل السد وتسببت السيول في تراكم كميات كبيرة من الأتربة داخله، بدأ النشاط الزراعي بالتراجع وتأثرت الأشجار والمحاصيل، خصوصًا المانجو، إلى جانب انتشار الآفات الزراعية التي ألحقت أضرارًا كبيرة بالمحاصيل خاصة خلال الموسم الحالي”.
مواضيع مقترحة
كيف يواجه المزارعون الآفات في ظل مناخ متقلب؟
الآفات الزراعية حرب مفتوحة على المزارعين اليمنيين
ما علاقة إنتشار الآفات الزراعية بالتغير المناخي؟
“دودة الحشد ضاعفت معاناتنا، وكبدتنا خسائر كبيرة، فهي تنشر في الذرة الشامية والمانجو والجوافة، ولم نعد نحصل إلا على القليل من محاصيلنا”، يقول سعيد.
عوامل الانتشار
ويرجع مختصون أن انتشار هذه الآفة يرتبط بعوامل متداخلة، تشمل التغيرات المناخية التي تشهدها اليمن، وضعف المكافحة وغياب الإرشاد الزراعي.
لم يقف المزارعون مكتوفي الأيدي، لكن محاولتهم لم تنجح، ويوضح سعيد أن المزارعين حاولوا مواجهة الآفة بوسائل بسيطة، من بينها استخدام الرماد وبعض المبيدات، إلا محاولاتهم لم تحقق نتائج تذكر.
ويضيف: “الدودة تأكل قلب نبات الذرة، وتدخل إلى ثمار المانجو والجوافة، وبسببها أصبح جزء كبير من المحصول غير صالح، خاصة أن الإصابة لم تعد تقتصر على حقول محددة، بل امتدت إلى معظم الأراضي في الوادي”.
لافتا أن الأمر انعكس على الواقع الزراعي كاملا، وأثّر حتى على إنتاج الأعلاف، ويقول:”الخسائر أرهقتنا ونحن عاجزون ولا نملك الوسائل التي تساعدنا على مكافحة هذه الكارثة، ونأمل أن يصل إلينا الدعم قبل أن نخسر مواسم أخرى”.

وبحسب منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو)، فإن دودة الحشد الخريفية آفة عابرة للحدود تتغذى على أوراق النباتات وسيقانها، ويعود موطنها الأصلي إلى المناطق الاستوائية في الأمريكيتين، وكان اليمن ثاني بلد عربي يتأثر بالآفة، بحسب الفاو، إذ سُجلت أضرار بالمحاصيل في منتصف عام 2019 بمحافظات ذمار وريمة وإب.
ويُعزى انتشار دودة الحشد الخريفية إلى قدرتها العالية على الطيران والتكاثر ووضع أعداد كبيرة من البيوض، ما يمكّنها من الانتقال والاستقرار في مناطق مجاورة وإلحاق أضرار واسعة بمحاصيل الذرة وغيرها من المحاصيل.
صعوبة في المكافحة
يتفق علي الشرعبي(40 عاما)، وهو مزارع في وادي نخلة، مع زميله عصام، ويقول إن انتشار الآفة اتسع وشمل أغلب الأراضي الزراعية، خصوصا محصول الذرة الشامية، موضحًا أن المزارعين واجهوا صعوبة كبيرة في مكافحتها بسبب ضعف الإمكانيات المتاحة لديهم.
ويؤكد الشرعبي لـ”ريف اليمن”، “أن انتشار الدودة كان مخيف وأصاب معظم المحاصيل، خاصة الذرة الشامية، حاولنا مكافحته بالرماد وبعض المبيدات، لكن لم نستطع السيطرة عليه، لأننا لا نملك الوسائل الكافية لمواجهة هذه الآفة”، موضحا أن الضرر لم يقتصر على الأوراق، بل على المحاصيل ذاتها”.
ويشير المزارع إلى أن اتساع رقعة الإصابة ضاعف الخسائر خلال الموسم الحالي، موضحًا أن كثيرًا من الأسر التي تعتمد على الزراعة أصبحت تواجه صعوبة في توفير الغذاء، بعد تضرر المحاصيل التي كانت تمثل مصدر دخل وغذاء لها في نفس الوقت.
المزارع منصور:آثار الإصابة تبدأ بالظهور بعد فترة قصيرة من ظهورها، ما يجعل اكتشاف الآفة والتعامل معها في مراحلها المبكرة أكثر صعوبة
أما المزارع عبده منصور، مالك مزرعة جوافة تمتد لنحو 300 متر طولًا و60 مترًا عرضًا، قال إنه ظل مترددًا أن يروي ما يحدث في مزرعته، خشية أن تُفهم تصريحاته على مواقع التواصل الاجتماعي بصورة تضر بسمعة الجوافة وتؤثر في تسويقها، لكن بعد أن تفاقمت المشكلة وألحقت خسائر كبيرة به وغيره من المزراعين قال إن الصمت لم يعد هو الحل.
ويضيف قائد في حديثه لـ” ريف اليمن” أن فراشات بيضاء كبيرة تظهر فوق الأشجار والمحاصيل مع حلول الليل، قبل أن تختفي نهارًا وتعود مجددًا بعد غروب الشمس.
لافتا أن آثار الإصابة تبدأ بالظهور بعد فترة قصيرة من ظهورها، ما يجعل اكتشاف الآفة والتعامل معها في مراحلها المبكرة أكثر صعوبة.
أخطر الآفات
ويشير إلى أن الإصابة لم تقتصر على محصول واحد، إلا أن الجوافة كانت الأكثر تضررًا في مزرعته، إلى جانب المانجو، فيما يطلق المزارعون عليها محليًا اسم “دودة الفراشة”.
وعلى الرغم من محاولات المكافحة بالوسائل التقليدية واستخدام المبيدات الحشرية، يؤكد أن تراجع الإنتاج استمر، ما انعكس على كمية المحصول والعائد الذي يحصل عليه من المزرعة.
ومع اعتماد قائد على الزراعة كمصدر رزق أساسي، فإن تراجع الإنتاج يضعه أمام خسارتين متزامنتين: محصول أقل قابلية للبيع، وتكاليف إضافية لمكافحة الآفة وشراء مستلزمات الزراعة، بينما لا تضمن هذه النفقات وحدها عودة الإنتاج إلى مستواه المعتاد، وهذا ماينطق على عشرات المزارعين في الوادي.

من واقع عمله في القطاع الزراعي، يوضح مهيوب حمود، مسؤول في مكتب الزراعة بالمديرية، أن دودة الحشد تُعد من أخطر الآفات التي تهدد محصول الذرة الشامية، بسبب سرعة تكاثرها وانتشارها بين الحقول.
ويشير إلى أن الحشرة تمر بمراحل متعددة تبدأ بوضع البيوض داخل قلب النبات، ثم تخرج اليرقات التي تتغذى على المحصول قبل تحولها إلى فراشات تعيد دورة الإصابة.
ويضيف حمود لـ”ريف اليمن”، أن عدم التدخل المبكر قد يؤدي إلى خسائر كبيرة في الإنتاج، موضحًا أن نسبة الضرر تختلف بحسب الموسم الزراعي، حيث ترتفع خلال فصل الخريف بسبب زيادة تكاثر الحشرة، وقد تصل في الحقول غير المعالجة إلى نحو 70%، فيما تتراوح خلال الصيف بين 40 و50% تقريبًا.
وعن دور مكتب الزراعة، أوضح أن مواجهة الآفة تحتاج إلى جهود جماعية، لأن معالجة حقل دون غيره لا ينهي المشكلة، وتتحول الحقول غير المعالجة مصدرًا لاستمرار انتشارها بين المزارع.
مؤكدا أن توفير الدعم والإرشاد الزراعي وتنفيذ حملات مكافحة مشتركة يمثلان خطوة أساسية لحماية المحاصيل والحفاظ على النشاط الزراعي في وادي نخلة.
خلف المشاهد التي يرصدها المزارعون في وادي نخلة من تراجع في إنتاج بعض المحاصيل وانتشار الآفات الزراعية، تبرز تساؤلات حول التحولات التي طرأت على البيئة الزراعية في المنطقة خلال السنوات الماضية، وما إذا كانت هذه التغيرات مرتبطة بعامل واحد أم نتيجة تداخل مجموعة من الظروف الطبيعية والبشرية.

وللإجابة على ذلك، أوضح الدكتور سامي عبدالله الوجيه، المختص في علم البيئة والتغيرات المناخية، أن أي نظام زراعي يعتمد على توازن بين عناصر متعددة، من بينها توفر المياه، وجودة التربة، والغطاء النباتي، والظروف المناخية المحيطة”.
ويضيف “:عندما تتغير هذه العناصر، فإن تأثيرها لا يظهر دائمًا بشكل مباشر، بل قد يتراكم مع مرور الوقت وينعكس على قدرة النباتات على النمو ومقاومة الظروف المختلفة”.
ويشير الوجيه خلال حديثه لـ”ريف اليمن”، إلى أن تعطل بعض المنشآت المائية أو تغير مسارات تدفق المياه والسيول، يمكن أن يؤثر على طبيعة البيئة المحلية، من خلال تغيير مستوى الرطوبة في التربة وطريقة توزيع المياه والظروف التي تنمو فيها الأشجار والمحاصيل.
لكنه يؤكد أن الربط المباشر بين أي تغير بيئي وانتشار آفة زراعية معينة يحتاج إلى دراسات ميدانية متخصصة، لأن الآفات تتأثر كذلك بعوامل أخرى مرتبطة بدورة حياتها والظروف المناخية وقدرة المكافحة المتاحة.
ويوضح أن دودة الحشد الخريفية مثال على الآفات التي تستفيد من قدرتها العالية على الانتشار والتكاثر، إذ يمكن أن تنتقل بين المناطق وتهاجم مساحات واسعة من المحاصيل إذا لم تتم مواجهتها في مراحلها الأولى.
كما أن غياب برامج المكافحة الجماعية والمتابعة المستمرة يجعل بعض الحقول بيئة مناسبة لاستمرار دورة انتشارها وانتقالها إلى مزارع أخرى.
الحزمي:المراقبة الدورية للمحاصيل هي الخطوة الأولى لأن اكتشاف البيوض واليرقات في مراحلها المبكرة يسهل التعامل معها
ويرى الوجيه أن التعامل مع تراجع الإنتاج الزراعي في وادي نخلة يحتاج إلى النظر إلى الصورة كاملة، بدءًا من حالة الموارد المائية والتربة، مرورًا بواقع الإرشاد الزراعي ووسائل المكافحة، وصولًا إلى دعم المزارعين في مواجهة التحديات التي تهدد استمرار النشاط الزراعي الذي يمثل مصدر دخل رئيسيًا لكثير من الأسر في المنطقة.
حلول ممكنة
وعن الحلول والمعالجة التي يجب اتباعها للقضاء على هذه الآفة يوضح المهندس الزراعي محمد الحزمي لـ”ريف اليمن”، أن “المراقبة الدورية للمحاصيل هي الخطوة الأولى، لأن اكتشاف البيوض واليرقات في مراحلها المبكرة يسهل التعامل معها قبل أن تتوسع الإصابة”.
ويشدد الحزمي على ضرورة إزالة الأجزاء المصابة والتخلص من بقايا المحاصيل والأعشاب التي يمكن أن تساعد على استمرار دورة الحشرة، وانتشارها من جديد.

وبحسب المهندس الحزمي:”يمكن الاستفادة من المصائد الفرمونية والضوئية في متابعة الحشرة البالغة وتقليل فرص وضع البيوض، كما أن جمع كتل البيوض واليرقات والتخلص منها عند ظهورها يساعد في خفض أعداد الآفة داخل الحقول”.
وتشمل الوقاية بحسب الحزمي “الاهتمام بتهيئة الأرض قبل الزراعة وحراثة التربة وتقليبها وتطبيق الدورة الزراعية، إلى جانب تجنب الزراعة المتأخرة أو زراعة أعمار مختلفة من المحصول في الحقل نفسه، وهي إجراءات تساعد على تقليل الظروف المناسبة لاستمرار الآفة”.
وعن إمكانية استخدام المبيدات، قال الحزمي :”إذا استدعت الإصابة استخدامها، فيجب أن تتم وفق توصيات المختصين، باستخدام مبيدات مسجلة ومناسبة للمحصول والالتزام بالجرعات وفترة الأمان المحددة على المنتج، لأن الاستخدام العشوائي لا يضمن القضاء على الآفة وقد يسبب أضرارًا للمحصول والبيئة”.
موضحًا أن التعامل مع دودة الحشد الخريفية يظل مرتبطًا بقدرة المزارعين على اكتشاف الإصابة في وقت مبكر، وتوفر الإرشاد والوسائل اللازمة للمكافحة.
منوها بأهمية تنسيق الجهود بين المزارعين في الحقول المتجاورة، باعتبارها عوامل تحدد إلى حد كبير مدى قدرة المنطقة على الحد من انتشار الآفة وتقليل أثرها على الإنتاج الزراعي.
وتشير الدراسات والتقارير الزراعية إلى أن بعض المناطق الزراعية فقدت أكثر من نصف خصوبتها خلال السنوات الماضية، نتيجة تراكم ممارسات زراعية غير مستدامة، مثل الإفراط في استخدام المبيدات، إلى جانب ضعف برامج حماية التربة، وسوء إدارة المياه، وتأثير الضغوط المناخية المتزايدة.





