لم تكن المرة الأولى التي يحرث فيها المزارع محمد أحمد ‹66 عاماً› أرضه في إحدى قرى ريف محافظة إب وسط اليمن، لكنه وجد نفسه لأول مرة مضطراً لإعادة حراثة التربة لزراعة محصول بديل، بعد أن داهم الجفاف المبكر بذور الذرة الرفيعة فأتلفها في باطن الأرض.
دفع تلف المحصول ‹المزارع محمد› إلى إعادة حراثة أرضه وزراعة القمح لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الموسم، إذ إن القمح يزرع عادةً بعد موسم الذرة بنحو شهرين ونصف، ونادراً ما يعتمد عليه أهالي المنطقة الجبلية في مديرية السياني الذين يفضلون الذرة الرفيعة والشامية والبقوليات.
ولم تكن أزمة محمد معزولة عن التغير المناخي الذي أربك التقويم الزراعي للكثير من المزارعين في اليمن، الذي جعل الاعتماد على حسابات النجوم محل شك، بعد أن حل جفاف القيض مبكراً في شهر مايو/أيار بدلاً من موعده المعتاد في يونيو ويوليو.
مواضيع مقترحة
- كيف يواجه مزارعو ريف إب مشكلة الجفاف
- الجفاف يهدد الزراعة الموسمية في عدد من المناطق اليمنية
- الزراعة في اليمن.. مواسم متداخلة تُعيد تشكيل الإنتاج
في الأحوال الطبيعية، عندما يضع المزارعون بذورهم في أوائل أبريل/نيسان عقب ارتواء التربة بأمطار مارس/آذار، تتأسس المحاصيل وتكتسب المجموعات الجذرية القدرة على مقاومة فترات الجفاف الجزئي، غير أن الجفاف في الموسم الحالي داهم التربة وهي جافة نتيجة تراجع هطول الأمطار.
اختلال التوقيت المناخي
يقول المزارع محمد لـ ‹ريف اليمن› :”تأخرت في وضع البذور حتى منتصف أبريل/نيسان وفق الحسابات المعتادة لدينا، وحين بذرت الحبوب كانت التربة قد فقدت رطوبتها الناتجة عن أمطار مارس”.
يشعر محمد بالندم بأنه لم يضع البذور في مطلع شهر إبريل حيث كانت الأرض رطبة عقب الأمطار مباشرة. وقال: ‹بعض الجيران المزارعين نجحوا بهذا الموعد› ولفت إلى أن تردده والتمسك بحسابات النجوم كلفه خسارة الذرة الرفيعة.
وتسبب التأخير المعتمد على التقويم الموروث في تضرر مساحات زراعية واسعة، حيث أدى تأجيل البذر في العديد من الوديان إلى إنبات ضعيف ومتباعد، سرعان ما تلف كلياً مع حلول موجة الجفاف المبكرة في مايو، بالإضافة إلى غياب الاعتناء وتقليب التربة خلال فصل الشتاء.
ويشير تقرير منظمة الأغذية والزراعة «الفاو» إلى وجود تراجع مضطرب في معدلات هطول الأمطار الموسمية وانحباسها في فترات حيوية من الدورة الزراعية، ما يضاعف الضغوط على الأسر الريفية في اليمن، والتي تعتمد بنسبة تزيد على 70% على الزراعة المطرية لتأمين معيشة أفرادها في ظل الأزمات الاقتصادية والإنسانية المتفاقمة.

ورأى الخبير المناخي الدكتور حاجب الحاجبي أن ‹الظاهرة لا تعني زحزحة فصل الصيف زمنياً بشكل دائم، بل تشير إلى زيادة حادة في تذبذب الظروف الحارة والجافة نتيجة تغير أنماط الضغط الجوي المداري والاحترار العالمي›.
وأضاف لـ ‹ريف اليمن› أن المشكلة الزراعية الحالية تكمن في اختلال التوافق الزمني الدقيق بين هطول الأمطار والاحتياجات الفيزيولوجية للنبات، مشدداً على ضرورة عدم تعميم الظاهرة على كامل الجغرافيا اليمنية لتنوع المناخ، مما يتطلب إثبات التغير إحصائياً عبر سجلات مناخية ممتدة.
الجفاف واحتراق البذور
تؤكد السيدة فاطمة غانم ‹55 عاماً› وهي مزارعة في مديرية ريف إب، أن المبادرة بالبذر كانت الفارق الفاصل بين النجاح والفشل بهذا الموسم، وقالت ‹حاولتُ زراعة الذرة الشامية في وقت متأخر بعد فترة الجفاف، لكن دون فائدة حيث تعفنت الحبوب في التربة وصارت فريسة سهلة للطيور والآفات›.
وتضيف لـ‹ريف اليمن› أن المساحات التي ارتوت من مطر مارس/آذار وحُرثت مبكراً سلمت محاصيلها، لأن الأرض احتفظت بالرطوبة في أعماقها رغم تراجع هطول الأمطار التي بدورها أثرت أيضاً على محصول الفاصوليا وحرمت الكثير من المزارعين من المحصول.
وتتضاعف معاناة المزارعين بسبب الاعتماد على موروث شفاهي يقر بـ ‹تأخر الموسم الزراعي عشرة أيام كل عام› وهو اعتقاد شائع يدفع المزارعين لتأجيل البذر ظناً منهم أن ذلك يمنح التربة القدرة على الإنبات. إلا أنه مع تأخر الأمطار والحرارة الشديدة والجفاف تتعفن البذور في التربة.
وعندما تتزامن الزراعة في مواعيد ثابتة مع تأخر الأمطار لأسابيع تتعرض البذور لإجهاد شديد. فالتربة الجافة تدخل في حالة سكون وتتوقف عن النمو، بينما تؤدي الرطوبة الجزئية إلى إنبات ناقص يتوقف فيه نمو الجذور وتجف الأنسجة سريعًا.

ولحماية البذور من التلف، يجب على المزارعين تطبيق تقنيات الحصاد المائي وتغطية صفوف (أتلام) الزراعة بالقش والمواد العضوية للحد من التبخر، فضلاً عن تسوية التربة لتقليل الفراغات الهوائية وعدم تقليبها في الفترات الجافة.
بالإضافة إلى ضرورة الاعتماد على الرطوبة أولاً عند وضع البذور في الأرض، الذي يشترط تبلل التربة لعمق لا يقل عن 10-15 سم، وزيادة كثافة البذار بنسبة 15-20%، أو الاعتماد على أصناف نباتية قصيرة العمر ومقاومة للجفاف.
دمج التراث بالتكنولوجيا
في ظل التغيرات المناخية المتسارعة، تبرز الحاجة الماسّة لبناء جسور بين المعارف التقليدية وأدوات التنبؤ والرصد الجوي الحديثة. ويبدي مزارعون استيعاباً متزايداً لهذا التحول، حيث باتوا يحرصون على متابعة النشرات الجوية اليومية لتحديد المواعيد الدقيقة للبذر.
وقال أستاذ علوم البيئة المناخ في جامعة صنعاء، حاجب الحاجبي إن ‹التغير المناخي لا يعني تغير حركة النجوم أو المواقع الفلكية، بل تغير النمط المناخي الذي كان الناس يربطون ظهورها به تاريخياً›.
ويضيف: ‹لا نطلب من المزارع التخلي الكلي عن موروثه، بل استخدامه كمؤشر استرشادي يُستكمل بالرصد الميداني لرطوبة التربة وحرارتها›.

وينهي الحاجبي حديثه لـ‹ريف اليمن› بالتشديد على أهمية الاستعانة بالنشرات والتنبؤات الجوية الحديثة ‹للتحول من جمود التقويم الفلكي إلى مرونة التعامل مع البيانات المناخية المحدثة›.
يأتي ذلك في ظل عجز إرشادي وعدم وصول نشرة الإنذار المبكر إلى جميع المزارعين في الريف، رغم صدور نشرة دورية عن المناخ الزراعي والإنذار المبكر عن منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) في اليمن، لكن ما زال الإرشاد الزراعي أقل من الاحتياج في اليمن ولا يصل للجميع.





