قال الخبير في الإنتاج الحيواني المهندس ياسين العمّاري، إن تطوير سلاسل القيمة، وتحسين التسويق، وتوسيع التدخلات التنموية، تمثل أولويات أساسية للنهوض بقطاع الثروة الحيوانية في اليمن، في ظل التحديات المتزايدة التي يواجهها المربون.
وأكد في مقابلة مع منصة ‹ريف اليمن› أن ضعف البنية التحتية، وغياب التنظيم السوقي، وارتفاع تكاليف النقل، تحد من وصول المنتجات الحيوانية إلى الأسواق وتقلص أرباح المربين، داعيًا إلى تعزيز التصنيع المحلي، وتقليل دور الوسطاء، وربط المنتجين مباشرة بالأسواق.
وأشار إلى وجود فجوة كبيرة بين احتياجات المربين وحجم الدعم المقدم لهم، نتيجة محدودية التمويل وصعوبة الوصول إلى المناطق النائية، مؤكدًا على ضرورة الانتقال من التدخلات الإغاثية قصيرة الأجل إلى برامج تنموية مستدامة تبني قدرات المربين وتعزز إنتاجهم.
وكانت منصة ريف اليمن، قد نشرت الأسبوع الماضي الجزء الأول من المقابلة التي تناولت أبرز القضايا المتعلقة بواقع قطاع الثروة الحيوانية في اليمن، وأهميته في دعم الأمن الغذائي وسبل العيش، وأبرز التحديات التي تواجه المربين.

إليكم الجزء الثاني من المقابلة:
التسويق وسلاسل القيمة
• ما أبرز العقبات التي تعيق وصول المنتجات الحيوانية من الأرياف للأسواق؟
تتمثل أبرز العقبات في ضعف الطرق والبنية التحتية، إذ تعاني مناطق ريفية كثيرة من العزلة، خاصة خلال مواسم الأمطار، ما يصعّب نقل المنتجات ويرفع تكاليفها ويقلل هامش ربح المربين، كما تسهم الأوضاع الأمنية في بعض المناطق في عرقلة حركة النقل وزيادة المخاطر، إلى جانب غياب خدمات ما بعد الإنتاج، مثل مراكز التجميع والتبريد؛ الأمر الذي يؤدي إلى تلف جزء من المنتجات قبل وصولها إلى الأسواق، ويضعف قدرتها التنافسية.
• ماذا عن التحديات التي تواجه تسويق المنتجات الحيوانية؟
بالتأكيد يواجه القطاع تحديات عديدة، أبرزها غياب التنظيم السوقي وافتقار الأسواق إلى آليات واضحة للتسعير والتداول، ما يسبب تقلبات في الأسعار، كما يفتقر المربون إلى المعلومات السوقية التي تساعدهم على اختيار الوقت والمكان المناسبين للبيع؛ الأمر الذي يدفعهم للاعتماد على الوسطاء، ويجعل التسويق الحلقة الأضعف في سلسلة الإنتاج الحيواني.
• كيف يمكن دعم المربين لتسويق منتجاتهم بأسعار عادلة؟
يتطلب ذلك ربط المربين مباشرة بالأسواق المحلية والحد من الاعتماد على الوسطاء، بما يسهم في تقليص الفجوة بين المنتج والمستهلك، كما ينبغي دعم المشاريع الصغيرة ذات القيمة المضافة، عبر تدريب المربين، خصوصًا النساء، على تصنيع منتجات الألبان كالجبن والسمن واللبن، بما يرفع قيمتها السوقية ويطيل فترة صلاحيتها.
ومن المهم أيضًا تعزيز قدرات المربين في مجالات التصنيع الغذائي والتعبئة والتخزين والتسويق، إلى جانب تحسين الربط بين المنتجين والمشترين، بما يضمن استقرار الطلب ويعزز كفاءة سلاسل القيمة.
• ما دور الأسواق المحلية والمواسم الموسمية في تنشيط القطاع؟
تشهد المواسم ارتفاعًا ملحوظًا في الطلب على اللحوم، ما ينعكس إيجابًا على حركة البيع والأسعار، ويوفر فرصة للمربين لتحقيق دخل أفضل، خصوصًا لمن يمتلكون إدارة جيدة لقطعانهم، غير أن الاعتماد على المواسم وحدها يجعل الدخل غير مستقر، الأمر الذي يستدعي توفير قنوات تسويق مستدامة على مدار العام.
• كيف يمكن تطوير سلاسل القيمة بما يضمن تحسين دخل المربين؟
يتطلب ذلك تقليل عدد الوسطاء، وتعزيز البيع المباشر أو عبر الجمعيات التعاونية، إضافة إلى دعم التصنيع المحلي لرفع القيمة المضافة للمنتجات، كما يعد تحسين خدمات التخزين والنقل، وإنشاء مراكز تجميع، وتنظيم الأسواق واعتماد آليات تسعير أكثر شفافية، من أبرز الإجراءات التي تقلل الفاقد وتعزز ربحية المربين واستقرارهم الاقتصادي.
التدخلات الميدانية
• ما طبيعة التدخلات والمشاريع التي يتم تنفيذها لدعم مربي الثروة الحيوانية؟
تتنوع التدخلات بحسب احتياجات المناطق والجهات المنفذة، إلا أنها تركز بشكل رئيسي على تعزيز صمود المربين وتحسين إنتاجيتهم، وتشمل توفير مدخلات الإنتاج، مثل الحيوانات المحسنة والأعلاف المركزة، وإدخال تقنيات حديثة لتحسين الحظائر، ونشر ممارسات التغذية السليمة وتقليل الفاقد، إضافة إلى توفير معدات الحلب.
كما تشمل التدخلات تطوير المراعي من خلال إنشاء محميات ومسيجات رعوية، والتوسع في زراعة الأعلاف الخضراء، مثل البرسيم والبونيكام وعلف الفيل، إلى جانب دعم الخدمات البيطرية عبر تدريب الكوادر وتأهيلها وتزويدها بالمعدات اللازمة بالتنسيق مع وزارة الزراعة.
وفي جانب سبل العيش، يجري تنفيذ برامج تدريبية للمربين على الممارسات الحديثة، ودعم مشاريع تربية الأغنام والتيوس، وإنتاج الألبان، والسماد العضوي، والغاز الحيوي، إضافة إلى مشاريع الدواجن المنزلية والتجارية.
كما تركز التدخلات على تطوير سلاسل القيمة من خلال ربط المربين بالأسواق، وتعزيز قدراتهم التسويقية، وتشجيع إنشاء وتفعيل الجمعيات التعاونية الزراعية، بما يسهم في تحقيق الاستدامة والانتقال من الإنتاج التقليدي إلى إنتاج اقتصادي أكثر كفاءة وربحية.
• هل تصل هذه التدخلات إلى جميع المربين في مختلف المحافظات والمناطق النائية؟
لا، هناك فجوات واضحة في وصول التدخلات إلى جميع المربين، خصوصًا في المناطق النائية التي تعيق وعورة الطرق وبُعدها الجغرافي والظروف الأمنية الوصول إليها، وتبرز الحاجة إلى توسيع نطاق التدخلات، مع التركيز على الفئات الأكثر هشاشة في الأرياف والمناطق المتضررة من الصراعات، من خلال آليات أكثر مرونة تضمن وصول الخدمات والدعم إلى مستحقيها.
• ما حجم الفجوة بين احتياجات المربين والدعم المقدم لهم؟
الفجوة كبيرة وواضحة، حيث تتزايد احتياجات المربين بفعل اتساع رقعة الفقر وارتفاع تكاليف الإنتاج وتكرار الصدمات المناخية والاقتصادية، في حين تظل الموارد والتمويل المتاحان محدودين ولا يغطيان سوى جزء من الاحتياجات.
ونتيجة لذلك، لا يحصل كثير من المربين على أي دعم، أو يتلقون دعمًا محدودًا وقصير الأجل، وهو ما يؤكد الحاجة إلى الانتقال من التدخلات الإغاثية المؤقتة إلى برامج تنموية مستدامة تعزز قدرات المربين وتحد من اعتمادهم على المساعدات.
• ما أبرز التحديات التي تواجه المنظمات العاملة في قطاع الثروة الحيوانية؟
تواجه المنظمات تحديات عديدة، أبرزها محدودية التمويل مقارنة بحجم الاحتياجات، وصعوبة الوصول إلى المناطق النائية، إضافة إلى تداخل الأزمات الإنسانية والمناخية، ما يفرض توجيه جانب كبير من الموارد نحو الاستجابة الطارئة على حساب البرامج التنموية.
كما تواجه تحديات تتعلق بضعف الوعي بالممارسات الحديثة لدى بعض المربين، والتمسك بالأساليب التقليدية، ومحدودية الموارد اللازمة لتوفير الأعلاف والخدمات البيطرية، فضلًا عن ضعف منظومة الإرشاد الزراعي والتنسيق المحلي، وهو ما يزيد من الأعباء على المنظمات ويحد من فاعلية تدخلاتها.
التكنولوجيا والتغير المناخي
• كيف يؤثر التغير المناخي على قطاع الثروة الحيوانية في اليمن؟
يؤثر التغير المناخي بشكل مباشر في القطاع من خلال تدهور المراعي الطبيعية نتيجة انخفاض الأمطار وعدم انتظامها، ما يؤدي إلى تراجع كميات الأعلاف وجودتها.
كما يتسبب شح المياه وارتفاع درجات الحرارة في زيادة الإجهاد الحراري على الحيوانات، وانخفاض إنتاجيتها من الحليب واللحوم، وإضعاف مناعتها، فضلًا عن تهيئة الظروف لانتشار بعض الأمراض والطفيليات، بما يفاقم الخسائر التي يتكبدها المربون.
• ما أبرز الحلول للتكيف مع التغيرات المناخية وحماية الماشية؟
يتطلب التكيف مع التغيرات المناخية حزمة من الإجراءات المتكاملة، تشمل التوسع في الزراعة الذكية مناخيًا، وزراعة محاصيل علفية تتحمل الجفاف، واعتماد تقنيات حديثة لترشيد استخدام المياه.
كما تشمل الحلول تحسين إدارة المراعي، وحصاد مياه الأمطار، واختيار سلالات حيوانية أكثر قدرة على تحمل الظروف المناخية، مع الحفاظ على السلالات المحلية.
ومن المهم أيضًا تنويع مصادر دخل المربين عبر أنشطة مكملة، مثل تربية النحل، إلى جانب تكثيف برامج التوعية والتدريب، بما يساعدهم على التكيف مع المتغيرات المناخية وتعزيز استدامة الإنتاج.
• هل بدأ إدخال تقنيات حديثة في تربية ورعاية المواشي؟
يشكل إدخال التقنيات الحديثة جزءًا أساسيًا من عملنا، مع التركيز على حلول بسيطة وملائمة للبيئة المحلية، يسهل على المربين تطبيقها والاستفادة منها، وتشمل هذه التقنيات تحسين أنظمة التغذية باستخدام أعلاف محلية، والحد من الفاقد، وتعزيز التربية شبه المكثفة، إلى جانب تطوير إدارة الحظائر، واعتماد ممارسات حديثة في التربية والتسمين وإنتاج الألبان، بما يسهم في رفع الإنتاجية وتحسين كفاءة التربية.
• ما مدى تقبل المربين لهذه التقنيات؟
يختلف مستوى التقبل من مربي إلى آخر، إذ يبادر بعضهم إلى تبني التقنيات الحديثة عندما يلمسون أثرها الإيجابي على الإنتاج، بينما يتردد آخرون بسبب محدودية الإمكانات أو التمسك بالأساليب التقليدية أو الخوف من المخاطرة.
ولذلك يعتمد نجاح إدخال هذه التقنيات على التدريب العملي، وعرض نماذج ناجحة، والمتابعة المستمرة لبناء الثقة وإثبات جدواها على أرض الواقع.
• ما أبرز العقبات التي تعيق توطين التكنولوجيا في هذا القطاع؟
تتمثل أبرز العقبات في ارتفاع تكلفة بعض التقنيات، وضعف الوعي بفوائدها، ونقص التدريب والإرشاد المستمر، إلى جانب محدودية البنية التحتية، مثل نقص الكهرباء والمياه، وهو ما يحد من التوسع في استخدام الحلول التقنية الحديثة.
المخاطر والرؤية المستقبلية
• ما أبرز المخاطر التي تهدد استدامة قطاع الثروة الحيوانية في اليمن؟
يواجه القطاع تحديات متزايدة، في مقدمتها التغيرات المناخية وما تسببه من تراجع في الأمطار وارتفاع درجات الحرارة، الأمر الذي يؤدي إلى تدهور المراعي وشح المياه وارتفاع تكاليف التربية.
كما تمثل موجات الجفاف المتكررة، وتدهور الموارد الطبيعية، وارتفاع تكاليف الإنتاج، وضعف الاستثمار، أبرز المخاطر التي تهدد استدامة القطاع وقدرته على الاستمرار.
• ما الأولويات العاجلة لإنقاذ القطاع من التدهور؟
تتمثل الأولويات في توفير الأعلاف بأسعار مناسبة، وتعزيز الخدمات البيطرية، ودعم صغار المربين، إلى جانب الاستثمار في إنتاج الأعلاف محليًا، وتوسيع برامج الإرشاد والتدريب، ضمن تدخلات متكاملة تعالج أسباب التراجع وتدعم استدامة الإنتاج.
• كيف تتوقعون مستقبل قطاع الثروة الحيوانية؟
رغم التحديات، يمتلك القطاع فرصًا واعدة بفضل الثروة الحيوانية الكبيرة، والخبرة المتراكمة لدى المربين، واستمرار الطلب المحلي على منتجاته، غير أن تحويل هذه المقومات إلى فرص اقتصادية يتطلب الاستثمار في الأعلاف والخدمات البيطرية، ورفع الإنتاجية، وتطوير سلاسل القيمة، بما يسهم في تحويل القطاع من نشاط معيشي تقليدي إلى قطاع اقتصادي منتج يوفر فرص العمل ويعزز الأمن الغذائي. أما استمرار التحديات دون تدخل فاعل فسيؤدي إلى مزيد من التراجع.
• ما رسالتكم إلى صناع القرار والجهات المانحة والمنظمات الداعمة؟
يمثل قطاع الثروة الحيوانية أحد أهم ركائز الأمن الغذائي وسبل العيش في اليمن، لذلك فإن دعمه يعد استثمارًا في الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي للمجتمعات الريفية.
وما يحتاجه القطاع اليوم هو الانتقال من التدخلات الطارئة قصيرة الأجل إلى استثمارات تنموية مستدامة تركز على بناء قدرات المربين، وتحسين الإنتاج والتسويق، بما يمكنهم من الاعتماد على أنفسهم وتحقيق دخل مستدام.





