الخميس, 24 سبتمبر 2026
منصة إعلامية يمنية مستقلة متخصصة في تغطية شؤون المجتمع الريفي في اليمن تهدف إلى تسليط الضوء على الأبعاد الاجتماعية والثقافية والاقتصادية.
تعليم

من الحرف للتمكين.. نساء البيضاء يستعدن حقهن في التعليم

📅 سبتمبر 24, 2026

بعد سنوات من الابتعاد عن مقاعد الدراسة، وجدت منيرة سعيد، 47 عامًا، نفسها تعود إلى فصول محو الأمية، في محاولة لتعلم القراءة والكتابة اللتين حُرمت منهما في طفولتها، نتيجة عدم وجود مدرسة في قريتها الواقعة بريف رداع بمحافظة البيضاء.

فرضت الظروف الأسرية والاجتماعية على منيرة الانشغال مبكرًا بمسؤوليات الحياة، لتكبر وهي لا تستطيع قراءة ما يُكتب أمامها أو كتابة اسمها. لكنها قررت اليوم الالتحاق بمحو الأمية، بعدما أدركت أن عدم إجادتها للقراءة والكتابة يضعها باستمرار في مواقف تحتاج فيها إلى مساعدة الآخرين.

تعكس تجربة منيرة واقعا أوسع تعيشه نساء في المناطق الريفية اليمنية، حيث ارتبطت الأمية تاريخيا بضعف فرص الفتيات في الوصول إلى التعليم، وبعد المدارس، والظروف الاقتصادية والاجتماعية، إلى جانب موروث اجتماعي يرى أن تعليم الفتاة أقل أهمية مع اقترابها من الزواج.


مواضيع مقترحة

من الأمية للتعليم.. “رضية شمسان” حكاية إصرار ملهمة
إغلاق مراكز محو الأمية يبدد أحلام نساء معافر تعز بالتعلم
التعليم في لحج.. تحذيرات من تفشي الأمية


التعليم والمهارة

في مركز محو الأمية بالبيضاء، لا يتوقف التعليم عند القراءة والكتابة، إذ يجمع المركز بين المسار الدراسي والمسار المهاري، وتوضح وكيلة المركز، هدى العولقي، أن المركز يقدم برامج متنوعة، مشيرة إلى أن الجانب الدراسي يمتد من الصف الأول إلى السادس وينظم على مراحل.

وتقول العولقي لـ”ريف اليمن” إن عدد الدارسات في المركز يبلغ نحو 200 دارسة، موضحة أن الملتحقات بالمركز يُسمين «دارسات»، وأن طالبات السنة الأولى يُقسمن إلى مستويين: الصف الأول والصف الثاني، بواقع 15 دارسة كحد أقصى في القسم الواحد، فيما يتراوح العدد عادة بين 8 و10 دارسات على الأقل.

وتشير إلى أن الدارسات ينتمين إلى فئات عمرية مختلفة؛ إذ تبدأ أعمار أصغرهن من 12 أو 13 عامًا، بينما تتجاوز أعمار أكبرهن الأربعين، إلى جانب دارسات في العشرينيات والثلاثينيات.

لا يقتصر الهدف على تعلم القراءة والكتابة وإنما يمتد إلى اكتساب مهارات يمكن توظيفها في الحياة اليومية والعمل(ريف اليمن)

لا يقتصر المركز على الجانب الدراسي، بحسب العولقي، إذ يقدم أيضًا برامج مهارية تشهد إقبالًا أكبر، وتشمل أقسامًا في النقش والخياطة والإسعافات الأولية والتجميل، إلى جانب مستويات تدريبية تبدأ من السنة الأولى ثم الثانية.

وتشير العولقي إلى أن الجمع بين التعليم والمهارات يمنح بُعدًا آخر لبرامج محو الأمية، إذ لا يقتصر الهدف على تعلم القراءة والكتابة، وإنما يمتد إلى اكتساب مهارات يمكن توظيفها في الحياة اليومية والعمل. ويتوافق هذا الاتجاه مع ما تطرحه خطة التعليم اليمنية 2024–2030 بشأن أهمية تطوير برامج محو أمية الكبار، بحسب التربوية ميمونة السعيدي.

وتقول السعيدي لـ”ريف اليمن” إن ربط التعليم بالمهارات وسبل كسب العيش يعد من أهم مسارات برامج محو الأمية، مشيرة إلى أن استمرار مشكلات التعليم يرتبط بمحدودية الوصول إلى برامج تعليم الكبار، وضعف الإمكانات والمواد التعليمية والتدريبية، خصوصًا في المناطق الريفية.

الاعتماد على النفس

بالنسبة إلى النساء اللواتي لم يحصلن على فرصة للتعليم في الصغر، يمكن أن تتحول القراءة والكتابة من مهارة مدرسية إلى حاجة مرتبطة بتفاصيل الحياة اليومية؛ فقراءة وصفة دوائية، أو معرفة تاريخ انتهاء منتج، أو قراءة رسالة، أو كتابة اسم في وثيقة، أو متابعة دراسة الأبناء، كلها مواقف قد تصبح صعبة أمام من لا يجيد القراءة والكتابة.

وترى أم نشوان، 45 عامًا، إحدى الملتحقات ببرنامج محو الأمية، أن تعلمها لا يتعلق بها وحدها، وإنما بأطفالها أيضًا، إذ يمكن للمعرفة التي تكتسبها أن تساعدها في متابعة أبنائها، وفهم ما يُكتب أمامها، والتعامل بصورة أكثر استقلالية مع متطلبات الحياة اليومية.

الفقر والتكاليف غير المباشرة للتعلم يخفضان الطلب على برامج التعليم خصوصا في المناطق الريفية والنائية(ريف اليمن)

وتكشف مثل هذه التجارب أن محو الأمية بالنسبة للنساء لا يرتبط فقط بالعودة إلى الدراسة، بل باستعادة القدرة على الاعتماد على النفس في مواقف كانت تتطلب سابقًا الاستعانة بالآخرين.

استمرار الأمية

لا يوجد سبب واحد لاستمرار الأمية في الريف اليمني، وإنما تتداخل عدة عوامل، بينها الفقر، وبعد المسافات، ومحدودية فرص التعليم، وارتفاع تكاليف الوصول إليه، إضافة إلى مسؤوليات النساء المنزلية.

وتؤكد التربوية ميمونة السعيدي أن الفقر والتكاليف غير المباشرة للتعلم يخفضان الطلب على برامج التعليم غير النظامي، خصوصًا في المناطق الريفية والنائية، مشيرة إلى ضعف الوصول إلى برامج محو الأمية ومحدودية جودتها وارتباطها باحتياجات المتعلمين.

كما توثق الأمم المتحدة ضعف البنية التحتية، وبعد المسافات، وغياب الأماكن المناسبة، باعتبارها من العوامل التي ساهمت في اتساع الأمية في المناطق الريفية اليمنية.

وتعني هذه التحديات أن وصول المرأة إلى فصل محو الأمية قد يكون بحد ذاته خطوة صعبة، خصوصًا عندما تكون المسافة بعيدة أو يتعارض وقت الدراسة مع مسؤوليات المنزل والأسرة. ولهذا، فإن مواجهة الأمية لا تتطلب فقط إنشاء فصول جديدة، وإنما الوصول إلى القرى الأكثر احتياجًا، وتوفير أوقات مناسبة للنساء، ودعم المعلمين، وتوفير وسائل تعليمية مرتبطة باحتياجات الكبار.

تقدم تجربة مركز محو الأمية في البيضاء نموذجًا يمكن البناء عليه، فالجمع بين التعليم والمهارات، مثل الخياطة والنقش والتجميل والإسعافات الأولية، يتيح للمستفيدات اكتساب معارف عملية إلى جانب القراءة والكتابة.

مواجهة الأمية لا تتطلب فقط إنشاء فصول جديدة، وإنما الوصول إلى القرى الأكثر احتياجًا، وتوفير أوقات مناسبة للنساء(ريف اليمن)

كما أن وجود نحو 200 دارسة في المركز، وفق إفادة وكيلة المركز، يعكس حجم الحاجة إلى هذا النوع من التعليم، ويؤكد أن محو الأمية لا يزال مطلوبًا لدى فئات عمرية مختلفة، وليس مقتصرًا على كبار السن.

احتياجات

لكن استمرار نجاح هذه البرامج يحتاج إلى توفير الأدوات والتجهيزات، وتحديث المناهج، وربط التدريب باحتياجات المجتمع وسوق العمل، إلى جانب ضمان استمراريتها ووصولها إلى المناطق الأكثر احتياجًا.

تجلس أم نشوان اليوم أمام كتابها وقلمها، وتحاول التقدم خطوة أخرى في رحلة بدأت متأخرة، لكنها بالنسبة إليها لا تزال تستحق المحاولة، فما تبحث عنه ليس شهادة دراسية بقدر ما هو قدرة على قراءة حياتها بنفسها؛ أن تعرف ما يُكتب أمامها، وتفهم الأوراق التي تتعامل معها، وتساعد أبناءها، وتمتلك مهارة يمكن أن تستفيد منها.

وتقول السعيدي إن محو الأمية في ريف البيضاء يبدو أكثر من مجرد درس في الحروف، بل محاولة لفتح باب ظل مغلقًا أمام كثيرين لسنوات، وخصوصًا النساء.

وبينما لا تزال التحديات الاقتصادية والجغرافية والاجتماعية قائمة، فإن توفير فصول قريبة، وأوقات مرنة، وتعليم مرتبط بالمهارات والحياة اليومية، يمكن أن يجعل من محو الأمية طريقا نحو استقلال أكبر، لا مجرد تعلم القراءة والكتابة، فحين تتعلم امرأة كتابة اسمها وقراءة ما تحتاج إليه، فإن الأثر لا يتوقف عندها، بل يمكن أن يمتد إلى أسرتها وأبنائها والمجتمع الذي تعيش فيه.