لم تتخيل هيفاء الأم الأربعينية، أنها ستضطر إلى الفرار من اليمن مرتين، ففي عام 2015، نزحت للمرة الأولى عبر البحر الأحمر إلى مخيم للاجئين في جيبوتي. واليوم، تخوض الرحلة نفسها مرة أخرى، لكن هذه المرة مع زوجها وأبنائها الأربعة.
تصف هيفاء رحلة الهروب الأخيرة قائلة: ‹الصواريخ ضربت بيوتنا بشدة شعرنا بالخوف وخرجنا، كنا أكثر من 50 شخصاً في القارب، وأول ما خرجنا ضربوا الميناء›، وفق ماروت قصتها لـ «بي بي سي».
تركت هيفاء بيتها في مدينة المخا الساحلية غربي محافظة تعز، الواقعة على ساحل البحر الأحمر جنوب غرب اليمن، بعدما دمرته الصواريخ قبل أسابيع من تصاعد المواجهات العسكرية.
مواضيع مقترحة
- اتساع رقعة النزوح في الساحل الغربي وتعز.. والنساء يتصدرن المعاناة
- 200 ألف نازح بلا مأوى.. فجوة إنسانية تتسع في 10 محافظات
- صيادو الساحل الغربي: ضحايا معركة أكبر من قواربهم الصغيرة
وأدى تجدد القتال إلى مقتل نحو 700 شخص وإصابة الآلاف، بينما نزح أكثر من 130 ألف يمني داخلياً، وفرّ أكثر من ثلاثة آلاف بالقوارب عبر البحر الأحمر إلى جيبوتي، بحسب بيانات الأمم المتحدة.
تسير هيفاء بين صفوف الخيام في مخيم “مركزي” للاجئين اليمنيين بمدينة أُبُخ الساحلية شمال جيبوتي، بخطوات تعرف طريقها جيدًا؛ فالمكان لم يعد غريبًا عليها رغم قسوته وأصبح جزءًا من حياته.
فعندما وصلت إلى المخيم عام 2015 كانت حاملاً في شهرها السادس، وظلت في أحد مستشفيات جيبوتي لشهر ونصف قبل أن تضع مولودها الأول في المخيم. وبعد ستة أشهر، عادت إلى اليمن.
أما اليوم، فتجد نفسها في المكان ذاته، بعدما اضطرت إلى مغادرة بلدها مرة أخرى. وقالت إن ‹أعداد الوافدين هذه المرة أكبر بكثير مما شهدته في المرة الأولى، وأتمنى أن يتمكن الجميع من إيجاد سكن وطعام مناسب›.
فرار اليمنيين نحو جيبوتي
عبر خليج عدن والبحر الأحمر يواصل اللاجئون اليمنيون الوصول يومياً وحتى الآن إلى جيبوتي، حيث وصل أكثر من 3200 شخص إلى جيبوتي، وفق المفوضية السامية للاجئين التابعة للأمم المتحدة، كما وصل مئات آخرون إلى أرض الصومال.
يقول عمال الإغاثة إن الوضع ‹مروع ويزداد سوءاً› حيث تكافح جيبوتي للاستجابة لوصول اللاجئين الجدد وسط تخفيضات واسعة النطاق في المساعدات الدولية.
وقد فرّ آلاف اليمنيين بسبب تصاعد حدة القتال عبر البحر الأحمر إلى جيبوتي، حيث أصبحت وكالات الإغاثة ‹مثقلة للغاية› بالوافدين الجدد وسط تداعيات التخفيضات المفاجئة للمساعدات الدولية.
ومن بين الذين وصلوا إلى المخيم للمرة الأولى أحمد 〈70 عاماً〉 الذي فر من إحدى قرى مدينة المخا مع أبنائه الستة وابنة أخيه الذي قُتل في المواجهات، بينما ترك خلفه ثلاثة أبناء آخرين.
يحكي أحمد قصة هروبه فيقول: ‹خرجنا من المنزل نحو الميناء بعد اشتداد القتال› وقد صعد أحمد رفقة العشرات من اليمنيين على متن ‹قارب مهترئ› من المخا عبر البحر الأحمر إلى جيبوتي.
يقول ‹أمضينا في البحر 10 ساعات، كانت الطائرات تحلق فوقنا، فنطقنا الشهادة وأدركنا أننا على وشك الموت في البحر، لكن الله نجانا جميعاً›.
تتحرك هذه القوارب عادة من مدينة المخا إلى أضيق نقطة في مضيق باب المندب عند منطقة ذوباب أو قرب جزيرة ميون 〈بريم〉 اليمنيتين، ثم تعبر البحر الأحمر إلى ساحل جيبوتي لمسافة تتراوح بين 20 و30 كيلومتراً في أربع ساعات، قبل أن تواصل سيرها بمحاذاة الساحل الجيبوتي إلى مدينة أُبُخ لأربع ساعات إضافية، ليصبح إجمالي الرحلة نحو ثماني ساعات على أقل تقدير.
ويعيش ‹أحمد› وعائلته في غرفة شبه مسقوفة في مخيم، حيث عملوا جميعا على تنظيفها بعدما كانت تستخدم كـ‹حمام› .وقال: ‹باتت الآن آدمية قليلاً›.

معاناة مضاعفة
“محمد” صياد يمني كان يعمل في منطقة ذوب باب المندب قبل أن تدفعه اللجوء في جيبوتي. وقال ‹وصلنا إلى هنا هاربين من الحرب، وهذا أول شيء›.
يضيف ‹إذا سمحت لنا الظروف بالعودة إلى ديارنا فسنعود من دون مشكلة. أهم شيء أن تتحسن الأوضاع في بلادنا، ونحن مستعدون للرجوع› وفق قصة نشرتها قناة «العربي».
وأفادت الأمم المتحدة بأن نحو 160 ألف شخص نزحوا بسبب تصاعد القتال على طول الساحل اليمني في الأسابيع الأخيرة، مع وصول أكثر من 3200 شخص إلى جيبوتي خلال الأيام القليلة الماضية.
وأبلغت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين صحيفة «الإندبندنت» أن مرافق الإيواء التابعة لها في جيبوتي قد تجاوزت طاقتها الاستيعابية بالفعل، حيث استقبلت موجات من الأشخاص الفارين من القصف عبر البحر على متن قوارب صيد، ولاحقاً على متن سفن تجارية.
وتقول المنظمة الدولية بأنها تستعد، لاستقبال ما يصل إلى عشرة آلاف شخصاً، في ظل تصاعد المعارك للسيطرة على المرتفعات المطلة على ساحل البحر الأحمر.
إلا أن استجابة الوكالة تعاني من نقص في الموظفين والموارد، حيث تعرض مكتب جيبوتي لخفض في الميزانية بنسبة 87% وسط تخفيضات واسعة النطاق في المساعدات الإنسانية الدولية، وفقًا لما ذكرته ساندرينا ديزامور، رئيسة مكتب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في جيبوتي.
وقالت ممثلة المفوضية السامية ساندرينا ديزامور ‹إننا نشعر بالذهول الشديد› مضيفة أنهم ‹يسمعون استمرار القصف عبر البحر في اليمن طوال الليل›.
كشفت وزارة التربية الوطنية في جيبوتي أن نحو ألف طفل يمني لاجئ في سن الدراسة، من الوافدين حديثا إلى مخيم أوبوخ شمالي البلاد، يحتاجون إلى الالتحاق بالتعليم، وفق تصريح نقله تقرير «الجزيرة».
الوضع خطير ويزداد سوءاً
يشار إلى أن الارتفاع المفاجئ في أعداد الوافدين الجدد من اليمن يجلب مخاطر سوء التغذية والأمراض المعدية. وقالت ديزامور ‹قبل التصعيد الحالي، اضطر برنامج الأغذية العالمي إلى خفض مساعداته الغذائية الشهرية في جيبوتي إلى النصف بسبب تخفيضات المساعدات، ثم بدأ بعد ذلك في تقديم المساعدات كل شهرين›.
هذا يعني أن اللاجئين الذين يقدر عددهم 4200 الموجودين في مخيم مركزي في جيبوتي وهم من اليمن وإريتريا، وفق ديزامور التي قالت إنهم ‹يتقاسمون الآن ما لديهم من القليل مع المجتمع الجديد›.
وتم بناء مخيم مركزي في أوبوك لاستيعاب 5000 شخص، مما يعني أنه الآن مكتظ للغاية ويتجاوز طاقته الاستيعابية بكثير في ظل محاولة الحكومة المحلية ووكالات الإغاثة التوسع.
كذلك هناك خطر على الصحة حيث يصل بعض الأشخاص بدون تطعيمات، بينما أحضر آخرون ماشية معهم، مما يعني أن الحيوانات والناس يتشاركون نفس المساحة المحدودة.
وقالت ديزامور ‹إن الأمر يتفاقم بسبب المخاوف من أن الفيضانات المتوقعة من «ظاهرة النينيو» القادمة قد تؤدي إلى تفاقم انتشار المرض›.
تتمثل الاحتياجات الأكثر إلحاحاً في المأوى والماء والدواء، حيث لا يتوفر سوى حوالي 200 خيمة لآلاف العائلات، كما يحتاج المخيم إلى مرافق طهي ووقود وأدوات طعام للأشخاص الذين وصلوا دون القدرة على إعداد الطعام.
ومن الأمور التي تثير قلقاً خاصاً عدد الأمهات المرضعات اللواتي يصلن ولايوجد ما يكفي من الطعام لإعالة أنفسهن لإنتاج الحليب.
وبحسب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ‹فإن حوالي 60 في المائة من الذين وصلوا في الأسبوع الأول كانوا من النساء والأطفال›.
كما حذرت السيدة ديزامور من عواقب عدم مساعدة اللاجئين على الاعتماد على أنفسهم، وهو أمر قد يكون خطيراً بشكل خاص بالنسبة للفتيات.
وقالت: ‹إذا لم نتمكن من مساعدة اللاجئين على الاعتماد على أنفسهم بسرعة كبيرة، فهناك العديد من الفتيات الصغيرات اللاتي قد يتم بيعهن للزواج. لقد رأينا ذلك في العديد من الأزمات الأخرى›.
وقد تجاوز العدد اليومي للاجئين اليمنيين الواصلين إلى جيبوتي بالفعل أعلى معدل يومي تم تسجيله منذ عام 2015، وتناشد المفوضية وشركاؤها توفير 13.5 مليون دولار بصورة عاجلة لضمان حصول الوافدين الجدد على التسجيل والاستقبال والحماية والخدمات الأساسية الأخرى.

مخيم أنشأ في 2015
وأنشأت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين المخيم في مدينة أُبُخ عام 2015، بالتعاون مع المكتب الوطني لمساعدة اللاجئين وضحايا الكوارث في جيبوتي “أونارس”، لاستقبال آلاف اللاجئين اليمنيين الذين فروا عبر مضيق باب المندب.
وبعد سنوات من انخفاض أعداد اللاجئين في المخيم بسبب استقرار الأوضاع في اليمن، تسبب تصاعد العمليات العسكرية الأخيرة في موجة لجوء جديدة واسعة النطاق.
وتقول المفوضية إن المخيم لا يتسع حالياً إلا لنحو 5,000 لاجئ إضافي، في حين تتأهب المنظمات لاستقبال أكثر من 10 آلاف، لأنه المخيم الوحيد الذي يستقبل لاجئين يمنيين في جيبوتي.
وتقول مايلال نيغا،مسؤولة الإعلام والاتصال لدى المنظمة الدولية للهجرة،عن الصعوبات التي تواجههم في المنظمة ‹كنا نستقبل في 2015 نحو 200 لاجئ يومياً، أما الآن فقد وصل العدد إلى 1400 يومياً، وهو ما يفوق قدرتنا الفعلية على الاستجابة؛ إذ يفتقر الموقع إلى الخيام والطعام والدواء›.
وتضيف: ‹نبذل قصارى جهدنا لضمان توفير الأمان والرعاية لهؤلاء الأشخاص وحفظ كرامتهم، وهو ما يحتاجونه حقاً بعد رحلتهم الشاقة›.
وأطلق وزير الخارجية الجيبوتي والناطق باسم الحكومة الجيبوتية عبد القادر حسين عمر ‹نداء دولياً للتضامن مع اللاجئين اليمنيين› مطالباً المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية بتقديم مساعدات عاجلة للمخيم.
كما صرح وزير الداخلية الجيبوتي عمر عبدي سعيد بأن مدينة ‹أوبوخ› استقبلت تدفقاً مفاجئاً من اللاجئين، غالبيتهم من النساء والأطفال، بما يعادل 9 في المئة من إجمالي عدد سكان المنطقة التي تستقبلهم.





