الأربعاء, 14 أكتوبر 2026
منصة إعلامية يمنية مستقلة متخصصة في تغطية شؤون المجتمع الريفي في اليمن تهدف إلى تسليط الضوء على الأبعاد الاجتماعية والثقافية والاقتصادية.
مجتمع

نازحو ريف تعز.. فرار متكرر ومخيمات على خطوط النار

📅 أكتوبر 14, 2026

في ريف تعز، لا تنتهي رحلة النزوح بمجرد توقف الأقدام عن السير؛ فالأمان الذي تبحث عنه الأسر النازحة غالبًا ما يكون مؤقتا، سرعان ما تبدده نيران المعارك القريبة، وبالنسبة إلى عائلات شردتها الحرب، لم تعد مناطق النزوح ملاذا مضمونا للنجاة، بل محطات مؤقتة في دائرة متكررة من الفرار.

تهرب الأسر من خطوط التماس على عجل، ولا تحمل معها سوى ما تستطيع إنقاذه من أفرادها، بينما تترك وراءها منازلها ومقتنياتها البسيطة، وتبحث عن مأوى هش، قبل أن تجد نفسها مجددا في مواجهة القصف والاشتباكات، فتضطر إلى النزوح مرة ثانية وثالثة، وسط ظروف معيشية بالغة القسوة.

تقطع بعض العائلات مسافات وعرة سيرًا على الأقدام، فيما يحمل الآباء أطفالهم الرضع عبر الطرق الجبلية، في رحلة محفوفة بالمخاطر والإرهاق. ومع الوصول إلى مناطق النزوح، تصطدم تلك الأسر بنقص مقومات الإيواء الأساسية، لتبدأ معاناة جديدة لا تقل قسوة عن رحلة الفرار.


مواضيع مقترحة


معاناة متكررة

يروي أبو محمد رحلة فرار أسرته المكونة من سبعة أطفال، بينهم رضيع لم يتجاوز عمره شهرين، قائلًا: «معي سبعة جهال، ولد ابن شهرين عاده، نحنا نازحين من الوازعية، وخرجنا أطفالنا بس، ولا حملنا غير الجهال بس. مشينا أربع أيام رجل».

وبعد رحلة استمرت أربعة أيام سيرًا على الأقدام، وصلت الأسرة إلى منطقة النزوح، لكنها لم تجد مأوى يوفر لها الحد الأدنى من الحماية، ويوضح أن الأسرة “اضطرت إلى النوم تحت قطعة من البلاستيك، دون فراش أو أغطية كافية، فيما لم يعد قادرًا على توفير الاحتياجات الأساسية لأطفاله.

وبحسب إفادة الأسرة، مضى أكثر من عشرة أيام على وصولها دون أن تحصل على مساعدات كافية، لتجد نفسها أمام معاناة جديدة لم تنتهِ بوصولها إلى وجهة النزوح.

وتنام عائلات كاملة على التراب، تحت أغطية رقيقة من البلاستيك مشدودة بالأحجار، بلا فرش تقيها رطوبة الأرض، ولا أغطية تصد برودة الليل ومياه الأمطار، وفي ظل هذه الظروف، لا يعني الوصول إلى منطقة نزوح انتهاء الخطر، بل قد يكون بداية لمعاناة طويلة في البحث عن المأوى والغذاء والمياه والرعاية الصحية.

خيام على مرمى النيران

كشفت موجة النزوح الأخيرة في مديرية الشمايتين، خلال شهري سبتمبر وأكتوبر 2026، عن مخاطر تتجاوز فقدان المنازل ومصادر العيش، مع وقوع بعض مواقع النزوح بالقرب من مناطق المواجهات القادمة من اتجاهات الساحل الغربي والوازعية وموزع.

مع الوصول إلى مناطق النزوح، تصطدم تلك الأسر بنقص مقومات الإيواء الأساسية (الصورة: أحمد الباشا/ أ ف ب)

فمواقع مثل القحفة الحمراء والدار الجديد وبراقة، لم تكن، وفق المعلومات الواردة من الميدان، ساحات عسكرية بحد ذاتها، لكن قربها من خطوط التماس جعل الأسر المقيمة فيها عرضة لمخاطر الأعيرة النارية والشظايا المتطايرة.

ففي مخيم القحفة الحمراء، تعيش أسرة مكونة من خمسة أفراد نزحت من مديرية الوازعية، بعد أن تركت منزلها ومصدر دخلها بسبب الحرب، كانت الأسرة تتحمل أعباء علاج ابنتها التي تقول إن حالتها تتمثل في ضمور الدماغ، وقد نقلتها في وقت سابق إلى مدينة تعز لتلقي العلاج، بينما تركت ثلاثة أطفال آخرين لدى الجيران.

ومع تصاعد القتال، تعذر على الأسرة العودة، واضطر الأطفال الآخرون إلى النزوح سيرًا على الأقدام، ما أدى إلى تفرق أفراد الأسرة خلال رحلة الفرار.

لم تقتصر المخاطر على نقص الخدمات؛ إذ أفادت معلومات ميدانية بأن عائلات عاشت ساعات من الخوف مع سقوط الرصاص بالقرب من خيامها

وفي المخيم، واجهت الأسرة نقصًا في المأوى المناسب، والفراش والمياه النظيفة والغذاء، وتقول إن الطفلة لا تستطيع تناول الطعام المعتاد، وتعتمد على السوائل وبعض الأغذية المعلبة أو التغذوية، فيما تقدر تكلفة العملية التي تحتاج إليها بنحو 2.5 مليون ريال يمني.

وتكشف هذه الحالة حجم العبء الذي تتحمله الأسر النازحة التي تحتاج إلى رعاية صحية متخصصة، في وقت تفقد فيه مصادر دخلها وتواجه صعوبة في تأمين أبسط متطلبات الحياة.

ولم تقتصر المخاطر على نقص الخدمات؛ إذ أفادت معلومات ميدانية بأن عائلات عاشت ساعات من الخوف مع سقوط الرصاص بالقرب من خيامها، فيما تعرضت خيام لأضرار كلية أو جزئية، ما دفع بعض الأسر إلى إخلاء مساكنها المؤقتة ومغادرتها، تاركة وراءها مقتنياتها البسيطة وما تبقى لديها من مواد غذائية.

ولم تنته المعاناة مع تراجع حدة المواجهات؛ إذ واجه بعض السكان الذين عادوا بحذر إلى مواقعهم أضرارًا في خزانات المياه وشبكات الإمداد، إلى جانب الخيام الممزقة، ما أعاق استئناف حياتهم في أماكن الإيواء، في ظل استمرار الحاجة إلى المياه والمأوى الملائم.

وهكذا، يجد النازحون أنفسهم أمام خيارين كلاهما صعب إما البقاء في مواقع تتهددها المواجهات، أو المغادرة مجددا إلى مناطق أخرى لا تتوافر فيها بالضرورة مقومات الحياة الأساسية.

المرضى يدفعون الثمن

لا تقتصر آثار النزوح على فقدان المنزل والغذاء؛ ففي المناطق الريفية المعزولة، يتحول الانتقال المتكرر إلى عائق أمام الوصول إلى الرعاية الصحية، خصوصًا بالنسبة إلى الأسر التي تضم أطفالًا يعانون حالات صحية تستلزم متابعة مستمرة.

لا تقتصر آثار النزوح على فقدان المنزل والغذاء؛ ففي المناطق الريفية المعزولة، يتحول الانتقال المتكرر إلى عائق أمام الوصول إلى الرعاية الصحية

وتشير إفادات أسر نازحة إلى وجود أطفال يعانون حالات مرضية معقدة، من بينها ضمور الدماغ وأورام الرأس ونوبات التشنج، وتتطلب هذه الحالات، بحسب ما ترويه الأسر، متابعة طبية وغذائية، وقد تستدعي تدخلات علاجية وجراحية مرتفعة التكلفة، تفوق إمكانات عائلات فقدت مصادر دخلها وممتلكاتها بسبب الحرب.

وفي منطقة الدار الجديد، تعيش أسرة لديها فتى يبلغ 15 عاما، يعاني، بحسب إفادة ذويه، من إعاقة ذهنية وتأخر في الإدراك، إضافة إلى ورم كبير في الرأس.

وتقول الأسرة لـ”ريف اليمن”، إن حالته الصحية تدهورت، وإنها لاحظت خروج إفرازات من مؤخرة الرأس، إلى جانب تعرضه لنوبات تشنج وفقدان متكرر للوعي، فيما انقطع عنه الدواء.

وكانت الأسرة قادرة في السابق على توفير العلاج، لكن الحرب دمّرت مصدر دخلها واستنزفت مدخراتها وممتلكاتها، لتجد نفسها عاجزة عن مواصلة الرعاية التي يحتاج إليها الفتى.

تعيش الأسرة حاليًا في منطقة وعرة ومعزولة، وسط نقص في المأوى والفراش والبطانيات والمياه النظيفة والغذاء، وفي ظل هذه الظروف، لا تقتصر معاناة النزوح على فقدان المنزل، بل تمتد إلى صعوبة الوصول إلى العلاج وتأمين الاحتياجات الصحية الأساسية.

ومع صعوبة الوصول إلى المراكز الصحية ونقص الأدوية الأساسية في بعض المناطق الريفية، تتضاعف معاناة هذه الأسر، التي تجد نفسها مضطرة إلى الموازنة بين تكاليف العلاج ومتطلبات النزوح، في ظل محدودية الموارد وصعوبة التنقل عبر الطرق الجبلية الوعرة.

وتجعل هذه الظروف الأطفال المرضى والفئات الأكثر هشاشة بحاجة إلى استجابة تراعي احتياجاتهم الصحية الخاصة، ولا تقتصر على توفير الغذاء والمأوى العام.

70% خارج المخيمات

تعكس البيانات الميدانية الصادرة عن الوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين في مديرية الشمايتين حجم الاحتياجات المرتبطة بالنزوح، ووفق جدول الحصر الرسمي الوارد في التقرير، بلغ عدد الأسر المدرجة 3,595 أسرة، مع الإشارة إلى أن النساء يشكلن النسبة الأكبر ضمن الفئات المتأثرة، وهي معلومة تحتاج إلى توضيح إحصائي يحدد المقصود بها.

وسجلت المديرية 472 أسرة نزحت داخليًا بين العزل، إلى جانب 442 أسرة غادرت مناطقها بسبب القتال، و54 أسرة واصلت نزوحها إلى خارج المحافظة، باتجاه لحج وعدن، لكن التحدي الأبرز يتعلق بتوزع النازحين جغرافيًا.

وتشير البيانات إلى أن نحو 30% من النازحين يقيمون في 11 موقعًا ومخيمًا رسميًا موزعة على أربع عزل، فيما ينتشر نحو 70% في قرى وعزل جبلية نائية أو لدى المجتمعات المضيفة، كما في عزلة العلقمة.

ويجعل هذا الانتشار الواسع الوصول إلى النازحين وحصر احتياجاتهم أكثر صعوبة، خصوصًا عندما تكون القرى متباعدة والطرق وعرة. كما يضيف أعباء على المجتمعات المضيفة التي تعاني بدورها محدودية المياه والخدمات الأساسية.

ولا يقتصر التحدي على توفير المساعدات، بل يشمل تحديد أماكن الأسر التي لا تقيم داخل المخيمات الرسمية، والوصول إليها بصورة منتظمة، وتحديث بياناتها كلما تغيرت خطوط المواجهات أو اضطرت إلى النزوح مجددًا.

فجوات إغاثية

تكشف الأوضاع الميدانية في ريف تعز عن فجوة بين احتياجات الأسر النازحة وما يصل إليها من خدمات ومساعدات، في ظل استمرار مخاطر المواجهات وتشتت السكان في مناطق يصعب الوصول إليها.

وتتداخل هذه الفجوة مع مشكلات الإيواء ونقص المياه والغذاء، وصعوبة الوصول إلى الرعاية الصحية، فضلًا عن تضرر مواقع الإقامة المؤقتة واضطرار بعض الأسر إلى إخلائها أكثر من مرة.

وتعني هذه الظروف أن الاستجابة الإنسانية لا يمكن أن تقتصر على توفير المساعدات عند وقوع موجة نزوح جديدة، بل تتطلب متابعة الأسر المتنقلة بين القرى والعزل، وتحديد المواقع الآمنة نسبيًا للإيواء، وإصلاح مصادر المياه المتضررة، وتأمين المأوى والاحتياجات الصحية، مع إيلاء اهتمام خاص للأطفال والمرضى والفئات الأكثر هشاشة