تشكل المياه شريان الحياة في الأرياف اليمنية، ومع شح الأمطار والعيون، تصبح الآبار مصدرا رئيسيا للمياه الجوفية، ووسيلة لا غنى عنها للبقاء، لكن هذا المصدر الحيوي قد يتحول إلى خطر حين تحفر الآبار بصورة عشوائية، أو تترك مكشوفة دون وسائل حماية، بما قد يهدد استدامة المياه الجوفية من جهة، ويعرض حياة السكان والمواشي لخطر السقوط فيها.
ويفتح انتشار هذه الممارسات تساؤلات حول مدى الالتزام بالاشتراطات القانونية والفنية المنظمة لحفر الآبار، وآليات تأمينها، ودور الجهات المختصة في الرقابة على أعمال الحفر والتوسعة، وحماية السكان والمخزون المائي من مخاطرها.
ويروي الحاج عبد الله قبول 50 عاما، من أبناء مديرية خيران المحرق بمحافظة حجة، قصة جفاف بئره التي ظلت قائمة لأكثر من 15 عاما بعد استحداث آبار أخرى قريبة جدا منها، وهو ما أدى إلى نقص منسوب جريان المياه الجوفية فيها.
مواضيع مقترحة
‹رداع تريد ماء›.. أزمة عطش مستمرة تخنق سكان البيضاء
البحث عن الكنوز.. مغامرات تدمّر الحياة والتراث
عطش الأرض والإنسان: الجفاف يضاعف معاناة اليمنيين
ويقول قبول لـ”ريف اليمن”، إن منسوب تدفق المياه الجوفية في بئره بدأ تدريجيا بالانخفاض بعد حفر الآبار الجديدة، قبل أن تجف بشكل نهائي، خاصة خلال موسم الشتاء وفترات تأخر هطول الأمطار، ما أثر سلبا على حياة المزروعات الخاصة به من خضروات وغيرها.
وتضع التشريعات اليمنية ضوابط لحفر الآبار، إذ تنص المادة 35 من قانون المياه رقم 33 لسنة 2002 على أنه لا يجوز لأي فرد، أو جماعة، أو جهة حكومية ،أو أهلية أو أي شخصية اعتبارية أو طبيعية حفر أي بئر للمياه إلا بعد الحصول على ترخيص مسبق من الهيئ.
وفي شرح قانوني أشار الأستاذ الدكتور عبدا لمؤمن شجاع، أستاذ الفقه المقارن بكلية الشريعة والقانون في جامعة صنعاء سابقا، إلى أن أحكام الفصل الثالث من الباب الخامس من اللائحة التنفيذية لقانون المياه تتضمن إجراءات وشروط الحصول على تراخيص حفر وتعميق الآبار، كما يشير إلى أن المادة 73 من اللائحة تحدد المسافات بين بئر وأخرى، بحيث لا تقل عن 500 متر في الأحواض الرئيسية.
غياب الرقابة
ويرى الباحث الزراعي حسن زايد، أن حفر الآبار بالطرق العشوائية، ودون إخضاع تلك المواقع لدراسة الظروف الجيولوجية والمائية للأرض، يمثل تهديدا لاستمرار تدفق المياه الجوفية، وقد يصل في بعض المناطق إلى جفافها.
ويشير زايد خلال حديثه لـ”ريف اليمن”، إلى أن استمرار الحفر بصورة غير منظمة يؤثر أيضا على البيئة الزراعية والاقتصادية للأسر الريفية التي تعتمد على المياه الجوفية في الزراعة وتوفير احتياجاتها الأساسية.

ويؤكد على ضرورة تفعيل دور الجهات الرسمية في إصدار تراخيص الحفر، ومتابعة مراحل التجهيز، والتحقق من مطابقتها للشروط والمعايير الفنية ومعايير السلامة، لتجنب المزيد من الخسائر البشرية والحيوانية والبيئية.
موضحا أن حفر بئر بجوار أخرى دون مراعاة المسافات والاشتراطات المحددة قد يؤدي مع مرور الوقت، إلى انخفاض منسوب المياه في إحدى الآبار بحسب طبيعة المنطقة ومعدل سحب المياه ومعدلات تغذية الخزان الجوفي.
ويشير إلى أن استنزاف المياه الجوفية قد ينعكس على النشاط الزراعي للأسر الريفية، خصوصا مع اعتمادها على الآبار في ري المزروعات وتوفير احتياجاتها من المياه.
بدوره يقول المهندس أحمد الرباعي، أحد موظفي قطاع الري بوزارة الزراعة أن القطاع يعمل على إيقاف أعمال الحفر المخالفة التي تصل بخصوصها شكاوى، كما تعمل على منح تراخيص للمزارعين قبل حفر الآبار عند استيفاء الشروط لضمان الإدارة الرشيدة للمياه الجوفية وحماية المخزون المائي ومنع الحفر العشوائي.
وأشار الرباعي خلال حديثه لـ”ريف اليمن”، إلى أن الوزارة تقوم بكل هذه الجهود وفق الإمكانات المتاحة لها، وبما تسمح به الموارد البشرية والفنية، إلا أن اتساع الرقعة الجغرافية للمناطق الريفية قد يحدان من شمولية الرقابة على مثل هذه الأعمال.
من آبار إلى مصائد
وبينما تثير الآبار المحفورة بالقرب من بعضها مخاوف بشأن استدامة المياه الجوفية، يواجه سكان مناطق ريفية في محافظة حجة شمالي اليمن، خطرا آخر يتعلق بالآبار المكشوفة وغير المحمية، والتي صارت بمثابة مصائد تلتهم العديد من الأطفال والنساء ممن يغادرون منازلهم لجلب المياه من تلك الآبار.
بصوت مكلوم وعيون تغالبها الدموع، تحكي السيدة عيش محمد، من مديرية أسلم بمحافظة حجة، تفاصيل فقدانها ابنها وابنتها بعد سقوطهما في أحد الآبار بالمنطقة أثناء قيامهما بجلب المياه.

وتقول عيش إنها فقدت ابنها، البالغ من العمر 12 عامًا، عام 2024، بعدما سقط في البئر أثناء جلب الماء، وتضيف أن أصدقاءه عادوا لإبلاغها بالحادثة بعد فشل محاولاتهم في إنقاذه، وتقول، وقد غلبتها الدموع: «بعد سنة من موت ابني، أخته لحقته في نفس البير».
وأضافت أن الفرق بين الحادثتين هذه المرة أن الفتاة تبلغ 21 عاما وتدرس في سنتها الثانية بكلية المجتمع بمديرية عبس، تخصص تمريض، وتقول “عيش” إن ابنتها أبلغتها في ذلك اليوم بذهابها إلى البئر لجلب الماء، لكنها تأخرت في العودة.
ومع تزايد قلق والدتها، أرسلت من يبحث عنها، ليعود إليها بخبر الفاجعة؛ إذ لم يجد سوى حذائها والحمار واقفا بالقرب من البئر، بينما كانت جثة ابنتها في قاع البئر.
ولا تبدو قصة عيش حالة منفردة، إذ يقول مواطنون إن العديد من الأشخاص فقدوا حياتهم، أو خسروا مواشيهم، نتيجة السقوط في الآبار في ظل افتقارها إلى أبسط مقومات وإجراءات السلامة.
وبإجراء معدة التقرير لعملية مسح لعينة من الآبار في مديريتي خيران المحرق وأسلم فأغلبها لا تراعي المعايير القانونية المعتمدة في بناء الآبار، وتظهر دون تغطية حيث تبقى أغلبها مكشوفة ومستوية بالأرض ودون وجود حتى لوحات تحذيرية، أو موانع ترابية أو حجرية حول البئر.
وأجرت معدة التقرير مسحا لعينة من الآبار في مديريتي خيران المحرق وأسلم، أظهر أن عددا كبيرا منها لا يراعي، وفق المعاينة الميدانية، متطلبات الحماية والسلامة، وتظهر بعض الآبار مكشوفة ومستوية تقريبا مع سطح الأرض، من دون لوحات تحذيرية أو حواجز ترابية أو حجرية كافية حول فوهاتها، كما تكشف عن عدم التزام أصحاب الآبار بالاشتراطات الفنية وإجراءات السلامة.
ويشير السكان إلى أن كثيرا من هذه الآبار لا تراعي المعايير المعتمدة في بنائها وحمايتها، إذ تبقى مكشوفة ومستوية مع سطح الأرض، من دون وسائل حماية كافية أو لوحات تحذيرية، ما يزيد مخاطر السقوط العديد من الأطفال فيها، خصوصا أثناء جلب المياه أو في ساعات الليل.
خسائر
محمد، اسم مستعار، يشتكي من خسارته لبعض قطيعه من الضأن بعد سقوطها في آبار المياه المتوزعة في منطقته في مديرية أسلم، ويقول إنها تستحدث بصورة مستمرة، ويقول إن المخاطر لا تقتصر على المواشي إذ يمكن أن تتعرض الدراجات النارية والسيارات أيضا لخطر السقوط في بعض هذه الآبار، خاصة في مناطق الوديان ليلا، عندما يصعب على المارة والسائقين رؤيتها.

وتكشف هذه الشهادات أن مشكلة الآبار في أرياف حجة لا تتعلق فقط بتوفير المياه، وإنما تمتد إلى الطريقة التي تحفر بها الآبار وكيفية تأمينها، ومدى التزام أصحابها بالاشتراطات الفنية والقانونية، ودور الجهات المختصة في متابعة ذلك الحفر، والتحقق من مطابقتها للشروط والمعايير الفنية ومعايير السلامة، لتجنب المزيد من الخسائر البشرية والحيوانية والبيئية.
وبحسب بيانات ميدانية جمعتها معدة التقرير، فقد تم حصر ما مجموعه 45 بئرا في الجزء الشمالي فقط من عزلة الدانعي بمديرية خيران المحرق، المغطى من هذه الآبار 5 آبار فقط، وفي قرية واحدة لا تتجاوز عدد المنازل 15 بيتا، توجد بها 8 آبار، وتصل المسافة بين بعضها وأخرى ما بين 30 إلي 50 مترا كما أن هناك بئران المسافة بينهما أقل من 30 متر تقريبا، وهو ما ينافي اللوائح والشروط القانونية.
مسؤولية الجميع
ويقول حسن ذياب، أحد وجهاء مديرية أسلم، إن حفر الآبار من دون إنشاء منطقة حماية لها وتركها مستوية مع سطح الأرض تعتبر سببا رئيسيا في سقوط بعض الأطفال والنساء فيها أثناء جلب المياه إلى منازلهم، وسقوط بعض المواشي أثناء الرعي.
ويؤكد خلال حديثه لـ”ريف اليمن”، أن معالجة المشكلة تتطلب تدخل مختلف الجهات المعنية، الحكومية والمجتمعية، وإلزام أصحاب الآبار بحمايتها، إلى جانب توفير وسائل حديثة وأكثر أمانا لاستخراج المياه، مثل المضخات والصنابير.
وأشار ذياب إلى أن قانون المياه لا يضع مسؤولية حماية الموارد المائية على عاتق السكان وحدهم؛ بل ينظم عملية حفر الآبار، كما تنص المادة 75 على مسؤولية التعويض عن الأضرار التي تلحق بمصادر المياه وحقوق الانتفاع أو الأضرار المادية والصحية التي تلحق بالغير إذا نتجت عن أعمال مخالفة لأحكام القانون.
وبينما يواصل سكان أرياف محافظة حجة الاعتماد على الآبار باعتبارها مصدرا أساسيا للمياه، تكشف قصص عبد الله قبول وعيش محمد وغيرهما وجها آخر للمشكلة؛ فالبئر التي يفترض أن تكون وسيلة للحياة قد تتحول إلى مصدر لفقدان المياه أو إلى خطر يهدد حياة من يذهبون إليها بحثا عن المياه.
وفي ظل استمرار حاجة السكان إلى المياه، تبدو الرقابة على أعمال حفر الآبار وتأمين الآبار القائمة، والتحقق من التراخيص والالتزام بالاشتراطات الفنية، جزءا أساسيا من معالجة المشكلة، وحماية السكان والمواشي ومصادر المياه الجوفية من مزيد من الخسائر.





