الاثنين, 28 سبتمبر 2026
منصة إعلامية يمنية مستقلة متخصصة في تغطية شؤون المجتمع الريفي في اليمن تهدف إلى تسليط الضوء على الأبعاد الاجتماعية والثقافية والاقتصادية.
نقيل

صيادو الساحل الغربي: ضحايا معركة أكبر من قواربهم الصغيرة

ريف اليمن 📅 سبتمبر 28, 2026

بعد تصاعد حدة المعارك في منطقة الساحل الغربي لليمن خلال الأسابيع الماضية وجد ‹قاسم بن قاسم› وهو صياد يبلغ 40 عاما من منطقة ذوباب المندب، نفسه مجبرا على الفرار مع أطفاله وأفراد من عائلته على متن مركب صغير باتجاه جيبوتي.

يقول قاسم ‹لم نأخذ معنا شيئا. تركنا كل شيء في المنزل.  اكتفينا بأخذ بضع بطانيات وملابس للأطفال… أما بقية ممتلكاتنا فقد بقيت هناك”. ويضيف ‹أصعب ما في الأمر هو العيش في ظل خوف دائم من الحرب› وفق «فرانس برس».

ومع أن تجربة النزوح التي عاشها ‹قاسم› كانت قاسية، فإنه يعدّ من المحظوظين مقارنة بكثير من رفاقه الصيادين، فبعضهم دفع حياته ثمنًا لمواصلة الإبحار بحثًا عن لقمة العيش لأسرته وسط المخاطر المتزايدة في البحر.

بينما خسر كثير من الصيادين مصدرهم الوحيد للعيش بعد أن أصبح البحر منطقة للتصعيد العسكري بحسابات إقليمية ودولية معقدة، لا يدركون منها سوى انعكاساتها القاسية على حياتهم ومعيشتهم اليومية.


مواضيع مقترحة


ففي المناطق الممتدة جنوب الحديدة وغربي تعز والمخا وباب المندب ورأس العارة، ضاعفت المواجهات الأخيرة من معاناة  الصيادين بحيث تجاوزت المحنة مجرد مسألة تعطل أنشطة الصيد هناك لتضرب الأمن الغذائي لألاف الأسر اليمنية التي يمثل البحر ومايمنحه من صيد شريان الحياة الرئيس لها ولمستقبل أبنائها.

وأصبح هذا الشريان للأسف الشديد مرتبطاً بمياه أضحت خطراً حقيقياً بدلاً من كونها ملجأ لسد رمق العيش، مع تحول قواربهم البسيطة من وسائل للبقاء على قيد الحياة إلى أهداف محتملة للخطر.

مركز الإنزال السمكي في سواحل مدينة المخا غربي اليمن (ريف اليمن)

أصبحنا وقوداً للحرب

‹لقد أصبحنا وقوداً لحرب لا تترك شيئاً دون أن تمسه، لا نريد صراعات الجيوش ولا طرق الشحن الدولية، كل ما نحتاجه هو أن نعيش بأمان في منازلنا وأن نعود إلى الصيد والحياة البسيطة التي سُلبت منا بين عشية وضحاها› بهذه الكلمات يلخص علي الأهدل، وهو صياد في ستينيات عمره لوكالة «ذا ميديا لاين» محنة آلاف الصيادين على طول الساحل الغربي لليمن.

ويوضح ذلك كيف أصبحت مدينة المخا وهي مدينة صيد رئيسية في اليمن جبهة ثانية في الحرب التي تدور في المنطقة بين إيران والولايات المتحدة فقد أحدثت الهجمات على ميناء المخا أضراراً جسيمة بالبنية التحتية الرئيسية وأثرت على على سبل عيش الآلاف.

خسر كثير من الصيادين اليمنيين مصدرهم الوحيد للعيش بعد أن أصبح ساحل البحر الأحمر منطقة للتصعيد بحسابات معقدة لا يدركون منها سوى انعكاساتها القاسية على حياتهم ومعيشتهم اليومية

وقدرت تكلفة التعافي بنحو 79 مليون دولار أمريكي، وفق شبكة الإنذار المبكر الذي حذر من تأثير التصعيد الأخير للنزاع في اليمن سلبًا على سبل العيش ووظائف السوق، وأشار إلى تأثيرات كبيرة على سبل عيش 1500 عامل في الميناء وآلاف آخرين يعتمدون على أنشطة الميناء المرتبطة به.

ويُعد ساحل البحر الأحمر في اليمن أحد المراكز الرئيسية لصناعة صيد الأسماك في البلاد، والتي كانت قبل الحرب ثاني أكبر مصدر لعائدات التصدير في البلاد بعد النفط.

وقد تأثر القطاع السمكي في اليمن خلال السنوات الماضية، حيث انخفضت صادرات الأسماك من المنطقة بنحو 70 بالمائة، وفقًا لدراسة أجريت عام 2018 فما أوردها تقرير لموقع الجزيرة.

قوارب الصيادين ترسو بالقرب من مركز الإنزال السمكي في مدينة المخا المطلة على البحر الأحمر (ريف اليمن)

وما جعل من الساحل الغربي لليمن محل نزاع شديد منذ الأيام الأولى للحرب هو أن المنطقة تتمتع بأهمية استراتيجية، إذ يقع ميناء الحديدة، على بعد حوالي 160كم شمالاً من المخا، ويحده مضيق باب المندب من الجنوب، ما يتحكم في الدخول إلى أحد أهم الممرات المائية في العالم.

ووفق دراسة أوروبية حديثة فقد عانى قطاع مصايد الأسماك في اليمن من سنوات من الصراع، ونقص الاستثمار، وضعف الأنظمة وارتفاع أسعار الوقود وقد انخفض إنتاج الأسماك بنسبة تُقدّر بنحو 40% عن ذروته في عام 2004 قبل الصراع الأخير.

وكان قطاع مصايد الأسماك ثاني أكبر قطاع تصديري في اليمن، ومساهمًا مهمًا في الناتج المحلي الإجمالي وعائدات العملات الأجنبية، ونظرًا لوفرة الموارد السمكية في خليج عدن وبحر العرب، يُمكن أن تُشكّل مصايد الأسماك الحرفية قطاعًا رئيسيًا للإنعاش الاقتصادي والأمن الغذائي في اليمن.

ضربات ضد الميناء والصيادين

في الفترة الأخيرة بات الصيادون اليمنيون ضحايا لهجمات الطائرات المسيّرة، كما ذكر تقرير لشبكة «سي إن إن» تحدث عن  إجلاء العشرات من جزيرة شمال ميون بعد أن أسفر أحد هذه الهجمات عن مقتل وإصابة عدد من الأشخاص، وفقاً لمسؤولين حكوميين يمنيين.

ياتي ذلك في وقت انخفضت فيه تدفقات النفط انخفاضاً حاداً وسط هذه المخاطرة البحرية، فقبل ثلاث سنوات، كان نحو 10% من تجارة النفط العالمية المنقولة بحراً يمر عبر باب المندب.

وتعرض ميناء المخا على البحر الأحمر لضربات صاروخية قبل أسابيع قليلة من قبل الحوثيين، وسقط أكثر من 25 صاروخاً  على الميناء المترامي الأطراف أثناء تفريغ السفن التجارية لحمولتها، وفقاً لمدير الميناء حينها الذي قال إن 16 شخصاً لقوا حتفهم وأصيب 22 آخرون في ذلك اليوم، بينما غرقت ست سفن تجارية وفُقدت 14 ألف دراجة نارية.

سفينة غارقة في ميناء المخا على البحر الاحمر غربي اليمن جراء هجوم صاروخي شنه الحوثيين في أغسطس 2026 (الصورة: الفرنسية)

كان للميناء دور كبير في التنمية والتجارة،كما أن القصف الذي طال مدينة المخا وميناءها والمناطق المحيطة بها جعل الخروج إلى البحر مخاطرة لا يستطيع كثير من الصيادين تحملها.

وفي 17 أغسطس، خرج صيادون وعمال ميناء في المخا إلى وقفة احتجاجية، وقالت تقارير صحفية إن الهجمات على المدينة والميناء والمياه المحيطة بها أثرت على النشاط البحري.

بحسب البنك الدولي توفر مصايد الأسماك سبل العيش لنحو 60 ألفًا إلى 80 ألف صياد حرفي وأسرهم في اليمن، مع ارتباط أعداد أكبر بالقطاع عبر تجهيز الأسماك وتسويقها ونقلها وبناء القوارب وإصلاحها. وفي 28 أغسطس أفادت تقارير بإصابة ستة صيادين وتدمير أو احتراق 12 قاربًا، فيما وصل أكثر من 120 صيادًا إلى الخوخة.

ويشير البنك الدولي إلى أن ارتفاع تكلفة الوقود وضعف البنية التحتية للصيد والنقل والتخزين يضاعف من الضغوط القائمة على القطاع، ما يجعل استعادة العمل بعد خسارة مفاجئة عملية شاقة على أسرة تعيش أصلًا على دخل يومي.

ويين أن القيمة الاقتصادية للمصايد اليمنية تمتد إلى قطاعات عديدة مرتبطة بالصيد، ما يجعل توقف النشاط في منطقة ساحلية ضربة تتوزع على عدد كبير من الأسر، حتى إن لم تكن تملك قاربًا.

ريف اليمن