في حالة نادرة؛ تخوض الطفلة أنسام العريقي ‹13 عاماً› رحلة علاجية معقدة في العاصمة صنعاء، بعد تعرضها لنحو 11 لدغة ثعبان خلال أقل من ثلاثة أشهر في ريف محافظة تعز جنوب غربي اليمن.
يقول مهيب العريقي، وهو شقيق الطفلة، إنها خضعت لنحو 13 فحصاً طبياً في صنعاء، أظهرت نتائجها الأولية ارتفاعاً كبيراً في كريات الدم البيضاء واعتلالاً في وظائف الكلى.
وأوضح مهيب لـ ‹ريف اليمن›: “حاولنا تغيير بيئتها للسماح بتعافيها وتفادي اللدغات، فنقلناها إلى المدينة، ثم إلى بيت عمها، ثم بيت خالها، ثم عزلها في المركز الطبي بالقرية، إلا أن الثعابين استمرت في الوصول إليها ولدغها في كل تلك الأماكن، و هو ما انعكس سلباً على حياة العائلة”.
مواضيع مقترحة
- سموم الأفاعي.. مأساة تفترس الأرواح في بني سعد بالمحويت
- حضرموت: “إبراهيم باسلم” مغامر بين أنياب الثعابين
- خطر الثعابين على الماشية مع ارتفاع درجة الحرارة
تثير حالة أنسام تساؤلات علمية بين الأطباء وخبراء في علم الحيوان لتحديد أسباب الانجذاب المتكرر للثعابين نحوها، وتقييم طبيعة السموم التي نجت منها بأعجوبة، في حادثة تُعد من أغرب الحالات الطبية المسجلة محلياً.
11 لدغة
تعرضت أنسام لنحو 11 لدغة في مناطق وأماكن مختلفة حيث يروي شقيقها تفاصيل الحادثة قائلاً: “بدأت المعاناة في قريتها بمديرية حيفان؛ إذ تعرضت للدغة الأولى في 8 مايو/ أيار عند الساعة الثامنة مساءً بالقرب من منزلها، لتتبعها اللدغة الثانية في 12 من الشهر نفسه وفي التوقيت والمكان ذاتهما”.
وتوالت الحوادث باللدغة الثالثة في 25 مايو داخل منزل عمها، عندما تجاوز الثعبان ابنة عمها ولدغ أنسام في يدها، ثم اللدغة الرابعة في الأول من يونيو أثناء عودتها إلى المنزل، أعقبتها اللدغة الخامسة في 9 يونيو/ حزيران من أفعى كوبرا نفثت سمها في إحدى عينيها.

ويذكر شقيقها أنهم لم يتمكنوا من قتل الثعابين في الحوادث السابقة، غير أن أحد الأقارب لحق بأفعى اللدغة الخامسة وأصابها بجراح قبل أن تفر.
وأمام الخطر المتزايد، قررت الأسرة نقل الطفلة إلى مدينة تعز لتغيير البيئة، حيث أُدخلت المستشفى اليمني السويدي تحت إشراف أخصائي سموم وقضت عشرين يوماً دون حوادث. إلا أن الانتقال إلى منزل خالها في المدينة أدى لتعرضها للدغة السادسة في 29 من يونيو.
وأوضح شقيقها أنهم قصدوا أنهم ذهبوا للعلاج في أحد المستشفيات، لكن عدم توفر المصل المضاد للسموم اضطرهم لنقلها إلى مستشفى الثورة، ثم شرائه على نفقتهم الخاصة لعدم توفره هناك أيضاً.
تعرضت الطفلة أنسام لـ 11 لدغة ثعبان خلال 3 أشهر في تعز مما أثار حيرة لدى الأطباء لتكرار انجذاب الثعابين نحوها
وعادت الحوادث لتتكرر بعد العودة إلى القرية، حيث تعرضت للدغة السابعة في 25 من يوليو/ تموز عقب عودتها من مدرسة لتحفيظ القرآن، ثم اللدغة الثامنة بعد ذلك بيومين بجوار المنزل، تلتها اللدغة التاسعة في 3 أغسطس/ آب في منزل عمها، واللدغة العاشرة في اليوم التالي 4 أغسطس أثناء عودتها من المستوصف.
وعلى إثر ذلك، قرر الطبيب وضع أنسام داخل حجر صحي بمستوصف القرية تحت رقابة مشددة، غير أنها أُصيبت باللدغة الحادية عشرة في السادس من أغسطس وهي داخل غرفة الحجر، ما دفع الأسرة لنقلها فوراً إلى منطقة الحوبان ومنها إلى العاصمة صنعاء لتلقي العلاج.
مضاعفات وأعباء
تسببت اللدغات المتكررة وجرعات العلاج المكثفة بتدهور الوضع الصحي للطفلة في حين ضاعفت تكاليف العلاج معاناة أسرتها، حيث يؤكد شقيقها بأنها خضعت لـ 13 فحصاً مخبرياً في صنعاء، أظهرت نتائجها الأولية ارتفاعاً كبيراً في كريات الدم البيضاء واعتلالاً في وظائف الكلى، إلى جانب أزمات نفسية متلاحقة.
ويضيف: تكبدت الأسرة التكاليف العلاجية ومصل السموم على نفقتها الخاصة في كل حادثة، حيث بلغ سعر الجرعة الواحدة 30 ألف ريال يمني من الصيدليات الخاصة.
وفي ظل معاناة الطفلة أنسام وأسرتها يوصي نائب مدير مكتب الصحة في تعز، الدكتور إسماعيل الحمودي في حال تعرض أي شخص للدغة ثعبان بسرعة نقله بشكل فوري إلى أقرب مرفق صحي لأخذ المصل المضاد للسموم، المتوفر بحسب حديثه، بالمرافق الصحية الحكومية بشكل مجاني.
في السياق كشف مصدر طبي في المستشفى اليمني السويدي، لـ ‹ريف اليمن› أنه لا يوجد مصل فعال ومضاد لسم الثعابين مجانا في المستشفى اليمني السويدي بينما قد يكون موجودا في بعض المستشفيات، وهو نوع سائل، مشيراً إلى أن ثمن حقنة التسمم يصل إلى 30 ألف ريال، يشتريها المريض من الصيدليات على حسابه الخاص.
غموض حادثة أنسام
أثارت حادثة الطفلة أنسام تساؤلات حادة في الأوساط الأكاديمية والطبية لمخالفتها الصريحة للسلوك الطبيعي للزواحف؛ إذ أوضح أستاذ علم الحيوان بجامعة عدن، الدكتور سالم محفوظ بسيس، أن الحالة تُعدّ ظاهرة فريدة تتطلب تشخيصاً علمياً دقيقاً.
وأكد في حديث لـ ‹ريف اليمن› أن الثعابين تُعامل البشر بالحذر وتتجنبهم عادة، ولا تهاجم إلا دفاعاً عن النفس عند الشعور بالخطر. ورجّح -مستدلاً بعدم ظهور مضاعفات سمية قاتلة لدى الطفلة مبكراً- أن تكون اللدغات ناتجة عن أنواع غير شديدة السمية.
و تُطرح فرضية علمية تفيد بأن اللدغة الأولى ربما خلّفت مركباً أو رائحة كيميائية على جسد الفتاة أدت إلى جذب باقي الثعابين إليها. وهو ما دعمه شقيقها قائلاً إن الدكتور عبد القوي المخلافي، الذي أشرف على علاجها بالمستشفى اليمني السويدي، أبدى رغبة جادة في إعداد دراسة أكاديمية متخصصة حول الحالة.

إرشادات السلامة والإسعاف
كما تسلط الحادثة الضوء على إرشادات الوقاية والتعامل الصحيح مع الزواحف السامة خصوصاً في المواسم الدافئة، إذ يزداد نشاط وتكاثر وتزاوج الثعابين في فصلي الربيع والصيف وتتزايد بلاغات اللدغ مع ارتفاع درجات الحرارة وهطول الأمطار، مع التذكير بما أشار إليه الدكتور بسيس من أن الثعابين تؤدي أدواراً محورية في الحفاظ على التوازن البيئي والقضاء على الآفات.
إسماعيل الحمودي: عند التعرض للدغة ثعبان يجب نقل المصاب فوراً لأقرب مرفق صحي لأخذ المصل المضاد
وللوقاية من المخاطر، يوصي الدكتور إسماعيل الحمودي بضرورة تنظيف محيط المنازل وإزالة الأعشاب المتراكمة وأكوام الحطب والمخلفات التي تشكل مأوى للثعابين، مع اتباع خطوات الإسعاف الأولية الصحيحة عند التعرض للدغ.
وبحسب الحمودي فإن خطوات الإسعاف الأولية تبدأ بالحفاظ على هدوء المصاب وتقليل حركته لتبطيء انتشار السم، ونزع الإكسسوارات كالخواتم والساعات فوراً تجنباً لمضاعفات التورم، ونقل المصاب فوراً إلى أقرب مركز صحي للحصول على المضاد، مع التحذير الشديد من الربط الشديد أعلى اللدغة لما قد يسببه من قطع للدورة الدموية وتلف العضو المصاب.
يُذكر أن البيئة اليمنية تضم نحو 28 نوعاً من الثعابين، بينها 11 نوعاً ساماً، ومن هذه الأخيرة 3 أنواع فقط لا تشكل خطراً على حياة البشر وتقتصر آثار لدغاتها على التورم والآلام الموضعية. وتتحدد خطورة الثعبان السام بعلامات فارقة، مثل رفع الرأس بشكل بارز، أو ذيله القصير، أو لونه الأسود الداكن.





