في ليلة باردة، شعرت طالبة جامعية يمنية تدرس خارج البلاد، بألم مفاجئ في بطنها، حاولت أن تشرح لزميلاتها غير اليمنيات في السكن ما تشعر به، مستخدمة كلمات قد لا تبدو مألوفة إلا لمن عاش في الأرياف اليمنية ‹حولابي.. شكلي حولبت› ويستخدم هذا اللفظ شعبيا لوصف ألم يفسر التعرض للبرد، ويربطه بعض الناس بالحالب في تجويف البطن.
طلبت من زميلاتها ربط يدها اليسرى، لكنهن لم يفهمن معنى طلبها، ولا سبب لجوئها إلى هذه الطريقة، ومع ذلك، تقول إن الألم بدأ يخف بعد ربط يدها وتدفئة جسدها، وهي عادة يقوم بها من يشعر بالبرد حتى يخف الألم.
بقيت الحادثة في السكن مثالا على لغة خاصة يصف بها بعض اليمنيين آلامهم الجسدية، وهي لغة لا تترجم دائما إلى المصطلحات الطبية المتداولة، ففي قرى يمنية كثيرة، لا يصف الناس آلامهم بالضرورة بأسماء تشخيصية طبية حديثة، وقد يقول أحدهم إن “بطنه افترى”، أو إن طفله “اشتلط”، أو إن لديه “عَصَبة”.
وبقدر ما تبدو هذه العبارات شعبية ومحلية، فإنها مفهومة في مناطق يمنية مختلفة، وإن اختلفت التسميات والتفسيرات من منطقة إلى أخرى، وترتبط بها ممارسات موروثة، مثل العَصْاب والمسّاد والقدح، إضافة إلى بعض طرق التعامل التقليدية مع إصابات العظام.
مواضيع مقترحة
- العلاج بالكيّ: نار تحرق أجساد الفقراء في الريف
- الإسعافات الأولية في الأرياف.. بين العشوائية وضرورة الإنقاذ
- الأعشاب.. بين التراث العلاجي والمخاطر الصحية
هذه الممارسات لم تصبح مجرد ذكرى من الماضي، بل ما تزال حاضرة في الحياة اليومية لدى بعض اليمنيين، بوصفها معرفة تتوارثها عائلات ومجتمعات محلية، ووسيلة قريبة للتعامل مع أعراض لا يجد أصحابها دائمًا فرصة لعرضها على طبيب.
اليد الخبيرة
تعرف الحاجة كريمة، البالغة من العمر 65 عامًا، بين أهالي قرية القابل بوادي ظهر في صنعاء، بقدرتها على التعامل مع ما يسمونه العَصَاب والمسّاد والقدح»، وتستقبل حالات يصفها الناس بأنها الفري والعَصَبة والشُلط، كما تدلك من يعانون من الشد العضلي، وتتعامل مع شكاوى نسائية تصفها بعض النساء بأنها نزول الرحم.
تقول رقية، وهي أم لثلاثة أطفال، إن ابنها الأصغر ظل يبكي بعد أن حمله إخوته بطريقة خاطئة، وهو ما تسميه الأسرة الشُلط، لم تعرف رقية ما الذي يمكنها فعله، فاصطحبته إلى الحاجة كريمة.
وتروي لـ”ريف اليمن قائلة: “أمسكت كريمة بذراع الطفل وقالت إن إخوته شلطوه، دلّكت ذراعه، ودهنت الموضع، ثم عصبت له برباط قطني. نام الطفل، وعندما استيقظ لم يعد الألم كما كان.
لا تستطيع رقية تحديد طبيعة ما حدث لذراع طفلها من الناحية الطبية، لكنها تقول إن تحسن حالته كان كافيًا لتشعر بأن كريمة أفادته، بالنسبة إليها، لم تكن زيارة الحاجة كريمة خيارا نظريًا، بقدر ما كانت استجابة متاحة في محيط تعرفه وتثق به
وتروي فاطمة تجربة أخرى مرتبطة بما تسميه الفري، وتصفه بأنه حالة تحدث بعد صدمة خوف مفاجئة، فتشعر بسببها وكأن معدتها تنقلب.
هذه الممارسات لم تصبح مجرد ذكرى من الماضي، بل ما تزال حاضرة في الحياة اليومية لدى بعض اليمنيين بوصفها معرفة متوارثة
في إحدى المرات، سقط صاروخ بالقرب منها، فأصابها خوف شديد أعقبه دوار واستفراغ واضطراب في البطن. تقول: “افتريت”، ذهبت فاطمة إلى الحاجة كريمة، التي قامت بعصب بطنها وتدليكه، وتقول إنها شعرت بتحسن بعد يومين حتى تعافت.
يمكن للخوف الشديد والضغط النفسي أن يترافقا مع أعراض جسدية، من بينها الغثيان والدوخة واضطرابات الجهاز الهضمي. لكن ذلك لا يجعل «الفري» تشخيصًا طبيًا، ولا يثبت أن العَصْاب أو التدليك كانا وحدهما سبب تحسن الأعراض.
وتكشف رواية فاطمة، في المقابل، عن الطريقة التي يربط بها الناس بين تجربة الخوف وما يشعرون به في أجسادهم، ثم يبحثون عن ممارسة مألوفة تساعدهم على استعادة توازنهم والتعامل مع الألم.
تسميات محلية
تقع الممارسة الطبية الشعبية في المسافة بين الإحساس بالجسد وتسمية الألم وتفسيره استنادًا إلى معرفة موروثة شفهيًا، فالكلمة التي يستخدمها الشخص لوصف ألمه ليست مجرد تعبير عابر؛ فهي تختصر أحيانًا فهمًا محليًا للجسم، وقد تحدد الشخص الذي يُرجح أن يلجأ إليه للحصول على المساعدة.
ومن هنا، فإن العَصْاب والمسّاد والقدح ليست كلمات منفصلة عن سياقها الاجتماعي، بل ترتبط بممارسات تؤدى في البيوت والمجتمعات المحلية، وغالبًا ما يمارسها أشخاص اكتسبوا شهرتهم من الخبرة أو ورثوا هذه المعرفة عن أفراد أسرهم.
وتحضر النساء بقوة في نقل هذا النوع من المعرفة، خصوصًا فيما يتعلق بالآلام اليومية والعناية بالأطفال وبعض الشكاوى المرتبطة بالحمل والولادة والجسد الأنثوي.
وتنتقل هذه المعرفة من يد إلى يد، فيما يمكن للتثقيف الصحي التشاركي، وباستخدام لغة قريبة من الناس، أن يفتح مساحة للتواصل بين الممارسات التقليدية والطب الحديث، بدل التعامل معهما باعتبارهما عالمين منفصلين تمامًا.
يتزايد اللجوء إلى بعض هذه الوسائل في ظل الصعوبات التي يواجهها القطاع الصحي الذي تضرر بشدة جراء الحرب وتراجع التمويل والكوادر والخدمات.
تشير الأدبيات التي تناولت الطب التقليدي في اليمن إلى أن هذا النوع من الممارسات يعتمد بدرجة كبيرة على الخبرة المتوارثة وانتقال المعرفة داخل الأسرة والمجتمع.
ويتزايد اللجوء إلى بعض هذه الوسائل في ظل الصعوبات التي يواجهها القطاع الصحي اليمني، الذي تضرر بشدة جراء الحرب وتراجع التمويل والكوادر والخدمات.
وفي بعض المناطق، قد تكون المسافة إلى أقرب مرفق صحي طويلة، وقد تتطلب الرحلة عبور طرق صعبة أو تحمل نفقات لا تستطيع بعض الأسر توفيرها، وفي مثل هذه الظروف، يصبح المعالج أو المعالجة الشعبيان قريبين جغرافيًا واجتماعيًا، قبل أن يكون اللجوء إليهما موقفًا ثقافيًا أو تمسكًا بالموروث.
وتشير بيانات وتقارير دولية إلى أن الوصول إلى الرعاية الصحية في اليمن يواجه عوائق مرتبطة بالصراع ونقص التمويل والكوادر. وأوضحت منظمة الصحة العالمية، في تحديث منشور عن الوضع الصحي في اليمن، أن نسبة 46 % من المرافق الصحية تعمل بصورة جزئية أو خرجت من الخدمة، بسبب نقص الموظفين والتمويل والكهرباء والأدوية والمعدات، وفق آخر تحديث منشور لصفحة المنظمة عن أزمة اليمن في أبريل/نيسان 2024.
خيار سهل
وفي المقابل، أشار بيان أممي صدر في أبريل/نيسان 2026، استنادًا إلى خطة الاحتياجات والاستجابة الإنسانية لليمن لعام 2026، إلى أن 59.3% فقط من المرافق الصحية تعمل بكامل طاقتها.
وفي بيئة صحية متردية، تقدم الممارسة الشعبية نفسها كخيار حاضر وسهل، خصوصًا عندما تكون كلفتها منخفضة ولا تتطلب انتظارًا أو سفرًا، كما يرتبط اللجوء إلى هذه الممارسات بالظروف الاقتصادية للأسر.
وبحسب البنك الدولي فإن الوضع الاقتصادي في اليمن من بين أشد الأزمات الإنسانية والاقتصادية حدة، وأشار إلى انخفاض نصيب الفرد الحقيقي من الناتج المحلي بنسبة 58% منذ عام 2015.
يحذر أطباء من أن تأخير الفحص الطبي في بعض الحالات قد يؤخر اكتشاف أمراض تحتاج إلى علاج متخصص كما أن استخدام الأعشاب أو الوصفات من دون معرفة كافية قد يؤدي إلى مضاعفات صحية
وفي تقرير لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، استنادًا إلى مسح التنمية البشرية في اليمن لعام 2021، قُدرت نسبة السكان الذين يعيشون في فقر متعدد الأبعاد في المناطق التي شملها المسح بـ82.7%، مقابل 89.4% في المناطق الريفية و68.9% في المناطق الحضرية.
وتساعد هذه المعطيات على فهم استمرار بعض الممارسات العلاجية التقليدية، من دون اختزالها في فكرة رفض الطب الحديث أو التمسك بالماضي فقط.
بين الخبرة والحاجة
قد تمنح التدفئة أو التدليك بعض الأشخاص شعورًا بالراحة، كما قد تتراجع بعض الأعراض تلقائيًا أو بعد زوال سببها المباشر، لكن بعض الأعراض قد تكون مؤشرًا إلى حالة تحتاج إلى تشخيص متخصص، وهو ما يجعل معرفة حدود الممارسة الشعبية جزءًا مهمًا من التعامل معها.
ويحذر أطباء من أن تأخير الفحص الطبي في بعض الحالات قد يؤخر اكتشاف أمراض تحتاج إلى علاج متخصص. كما أن استخدام الأعشاب أو الوصفات من دون معرفة كافية أو متابعة قد يؤدي إلى مضاعفات صحية.
ولا يعني ذلك أن الحديث عن العَصْاب أو المسّاد ينبغي أن يتحول إلى إدانة شاملة للممارسة أو لمن يلجأون إليها. فكثير من الناس يتعاملون معها بوصفها خبرة قريبة ومألوفة، ولأنها متاحة في لحظة الألم.
تركز استراتيجية منظمة الصحة العالمية للطب التقليدي 2025–2034 على تعزيز الأدلة العلمية، وضمان السلامة والجودة، وإدماج ما يثبت نفعه في النظم الصحية.
وفي السياق اليمني، قد يبدأ أي نقاش حول التكامل من الاعتراف بأن هذه الممارسات موجودة فعلاً، وأن لها حضورًا في حياة الناس وذاكرتهم وثقتهم المحلية، ويمكن للتثقيف الصحي أن يشرح للممارسين الشعبيين والأسر العلامات التي تستوجب الإحالة إلى المرافق الصحية.
وبذلك يمكن أن تصبح المعرفة المحلية، في بعض السياقات، مدخلًا للتواصل والإحالة إلى الخدمات الصحية، من دون أن تحل الممارسات الشعبية محل التشخيص الطبي أو العلاج المتخصص،
ما تزال يد المعالج الشعبي أقرب من الطبيب، في قرى يمنية كثيرة، لكن حكايات الفري، والعَصَبة، والشُلط، لا تتحدث فقط عن ممارسات موروثة؛ بل تكشف كيف يفهم الناس في المجتمعات المحلية أجسادهم، وكيف يفسرون الألم، والسؤال ليس فقط متى تختفي هذه الممارسات، وإنما كيف يمكن أن يعرف الناس حدودها، ومتى يكون الألم بحاجة إلى طبيب وتشخيص متخصص.





