في قرية العدف، إحدى قرى مديرية جبل حبشي غربي محافظة تعز، حيث تبدو الحياة اليومية مثقلة بتحديات الحرب وقلة الخدمات، تمكن المهندس همام العامري، من تحويل ركام النفايات البلاستيكية إلى وقود، من خلال تصميم مفاعل حراري بجهود ذاتية ومواد بدائية مُعادٍ تدويرها.
لا يشبه المكان المختبرات الحديثة، لكنه يحمل قصة شاب آمن بأن الابتكار يرتبط بقدرة الإنسان في البحث عن حلول للأزمات، تعتمد تجربته على تقنية الانحلال الحراري لتفكيك البلاستيك في غياب الأكسجين، وتكثيف أبخرته وتحويلها إلى سوائل بترولية نجحت أولياً في تشغيل المولدات الكهربائية والدراجات النارية.
يقول العامري إنه يحاول تطوير نموذج أولي لتحويل النفايات البلاستيكية إلى سوائل بترولية باستخدام تقنية الانحلال الحراري، واضعا أمام سكان القرى الريفية فكرة تجمع بين حل مشكلتين متزامنتين؛ تتمثل في تراكم النفايات البلاستيكية، ويساهم في توفير طاقة بديلة تخفف حدة أزمة المشتقات النفطية وارتفاع أسعارها.
مواضيع مقترحة
- الإطارات التالفة: ثروة مهدورة ومبادرات صامدة لحماية البيئة
- كيف تهدد جزيئات البلاستيك الصغيرة الأمن الغذائي؟
- تجميع البلاستيك.. مهنة الفقراء التي تحمي البيئة
رحلة البداية
يستعرض العامري، رحلة المشروع منذ بداية الفكرة وحتى الوصول إلى أول نموذج تشغيلي، وما رافقها من تحديات، ويقول: “بدأت الفكرة بداية عام 2024 عندما طرحت على نفسي سؤالاً بسيطاً يتمثل في: هل يمكن تحويل النفايات البلاستيكية التي تملأ الشوارع والأودية إلى مصدر للطاقة؟، لا سيما في الوقت الذي يعاني فيه السكان من نقص وارتفاع أسعار الوقود”.
ويضيف لـ “ريف اليمن”: “بعد الاطلاع على الدراسات والتجارب العالمية الخاصة بتقنيات الانحلال الحراري، بدأت رحلة بحث علمية استمرت لأكثر من عامين ونصف، جمعت خلالها المراجع الفنية ودرست النماذج المستخدمة في عدد من الدول، قبل أن أنتقل إلى إعداد دراسة جدوى متكاملة شملت الجوانب الفنية والاقتصادية والبيئية والمجتمعية”.
وتابع: “لم أكتف بالجانب الهندسي، إذ صممت برنامجاً مجتمعياً يحمل اسم “نفايتك ربحك”، يهدف إلى تشجيع الأسر على فرز البلاستيك من المصدر مقابل حوافز، بما يوفر المواد الخام للمشروع ويحول النفايات من عبء بيئي إلى مورد اقتصادي”.
أجبر غياب التمويل العامري على تنفيذ نموذج أولي بجهوده الذاتية، موضحاً: “كان هدفي منذ البداية إثبات أن الفكرة قابلة للتطبيق عملياً، وليس إنشاء مصنع تجاري؛ لذلك بدأت ببناء معمل صغير داخل القرية يعتمد على مفاعل حراري وخطوط تكثيف وتقطير وفلترة صنعت معظم مكوناتها بإمكانات ومواد بسيطة”.
وأضاف: “اعتمدت على قطع معدنية مستعملة وأسطوانات معاد تدويرها، فيما أسميه هندسة الضرورة؛ أي استخدام ما هو متاح لصناعة ما هو مطلوب”.

ويؤكد العامري أن المعمل الحالي ليس النموذج الذي يطمح إليه، بل هو مجرد نموذج أولي لإثبات الفكرة، متابعاً: “ما زلنا نواجه تحديات تتعلق بالعزل الحراري، وإحكام الإغلاق، وسعة المفاعل، وجودة بعض المكونات، لكننا أثبتنا عملياً أن المشروع قابل للتنفيذ”.
ماهي تقنية الانحلال؟
تعتمد تجربة العامري على تقنية الانحلال الحراري، وهي عملية تسخين البلاستيك داخل مفاعل مغلق في غياب الأكسجين، حيث تتحول السلاسل الكيميائية إلى أبخرة هيدروكربونية تمر بمراحل التبريد والتكثيف والتقطير والفلترة والتنقية، وصولاً إلى سوائل بترولية قابلة للتطوير لاستخدامها وقوداً بعد استكمال الاختبارات الفنية اللازمة.
ويوضح أن التجارب الأولى لم تحقق النتائج المرجوة فوراً، قائلاً: “كان الوقود الناتج في البداية ثقيلاً ويحتوي على نسب مرتفعة من الشمع والشوائب، لذلك أعدنا تصميم نظام التبريد والتكثيف أكثر من مرة. كانت كل تجربة تضيف معرفة جديدة، بعضها فشل وبعضها نجح، لكننا لم نتوقف”.
ويضيف أنه وثق جميع مراحل التطوير في سجل فني تجاوز 38 صفحة، قبل أن يتمكن من إنتاج عينات وقود أخف وأكثر صفاءً، جرى اختبارها بصورة أولية في تشغيل مولد كهربائي ومحركات دراجات نارية، مؤكدا أن النموذج الحالي حقق، وفق تقييماته الداخلية، كفاءة تشغيلية أولية تقارب 85%، مستدركاً أنه ما يزال بحاجة إلى اختبارات مخبرية واعتماد فني رسمي قبل الانتقال إلى مرحلة الإنتاج التجاري.
عبد الودود أحمد: مشروع تحويل النفايات البلاستيكية إلى وقود يمثل تجربة ابتكارية تستحق الإشادة والدعم
وحول التطبيقات الميدانية، أشار إلى أنه طوّر عدداً من الحلول الهندسية التي تتلاءم مع البيئة المحلية، من بينها استخدام أسطوانات غاز معاد تدويرها كوحدات تكثيف، وتصميم نظام فلترة بالرش لتنقية الغازات، وتطوير مراحل متعددة لتحسين جودة الوقود وتقليل الشوائب والروائح، إلى جانب دراسة استخدام محفزات طبيعية لتحسين عملية التفكيك الحراري.
كما أكد بأن المشروع لا يقتصر على إنتاج الوقود، بل يمثل نموذجاً يسهم في تقليل النفايات البلاستيكية، والحد من الحرق العشوائي، وخلق فرص عمل للشباب، فضلاً عن توفير مصدر دخل إضافي للأسر المشاركة في برنامج “نفايتك ربحك”.
التحديات والدعم
وعن التحديات التي واجهته، قال العامري إنها متعددة، وفي مقدمتها غياب التمويل، موضحاً أن تطوير المعمل يتطلب مفاعلاً أكثر أماناً، وأنظمة تبريد وتنقية متقدمة، ومعدات سلامة صناعية، إلى جانب استكمال الفحوصات المخبرية اللازمة، مؤكدا: “لا أقدّم المشروع باعتباره الحل النهائي لأزمة الطاقة، وإنما محاولة هدفها تقليل التلوث والنفايات من جهة، والاستفادة منها في إنتاج وقود وطاقة تُخفف معاناة الناس”.
يرى المختص في الهندسة البيئية، المهندس ياسر محمد أن تحويل النفايات البلاستيكية إلى وقود يُعد أحد الحلول الواعدة للتعامل مع تحديين محليين في آن واحد؛ وهما الحد من التلوث البيئي وتقليل حجم النفايات المتراكمة، مع الاستفادة منها كمصدر بديل للطاقة.

وأكد لـ “ريف اليمن” أن مثل تلك المبادرات تعكس أهمية الابتكار المحلي في إيجاد حلول عملية للمشكلات البيئية، مشدداً على ضرورة الالتزام بالمعايير البيئية والفنية، وإجراء اختبارات دقيقة لضمان سلامة الانبعاثات وجودة الوقود المنتج، إلى جانب توفير الدعم المؤسسي لتطويرها وتحويلها إلى مشاريع مستدامة ذات أثر اقتصادي وبيئي.
وأشار إلى أن الابتكار يمكن أن يولد حتى في أبسط البيئات، وأن الريف اليمني يحتضن قدرات وعقولاً ابتكارية قادرة على إيجاد حلول حقيقية متى ما وجدت من يؤمن بها ويدعمها.
من جانبه يقول نائب مدير مكتب الصناعة والتجارة بمحافظة تعز، المهندس عبد الودود أحمد، إن مشروع تحويل النفايات البلاستيكية إلى وقود يمثل تجربة ابتكارية تستحق الإشادة والدعم.
وأوضح لـ “ريف اليمن” أن المكتب سيعمل، بعد استكمال دراسة الجدوى، على عرض المشروع على الغرفة التجارية والصناعية لبحث سبل دعمه والمساهمة في تحويله إلى مشروع قابل للتنفيذ تجارياً.
ولفت إلى أن الخطوة تأتي في إطار تشجيع الابتكارات المحلية وفتح المجال أمام أصحاب الأفكار الريادية، مشيراً إلى أهمية مساندة المشاريع المماثلة التي تقدم حلولاً عملية للتحديات البيئية والاقتصادية وتسهم في تحقيق التنمية المحلية.





