الثلاثاء, 21 يوليو 2026
منصة إعلامية يمنية مستقلة متخصصة في تغطية شؤون المجتمع الريفي في اليمن تهدف إلى تسليط الضوء على الأبعاد الاجتماعية والثقافية والاقتصادية.
التلوث

مستشفى السحول.. بيئة علاجية على حافة التلوث

📅 يوليو 21, 2026

لم يكن المرضى الذين يقصدون مستشفى السحول العام في محافظة إب يتوقعون أن تكون أولى معاناتهم مع رائحة النفايات قبل تلقي العلاج، فعلى بُعد أمتار قليلة يقع المكب الرئيس للنفايات في المحافظة، ما جعل الروائح المنبعثة منه جزءًا من المشهد اليومي داخل بعض أقسام المستشفى، وفق شهادات مرضى ومرافقين.

افتُتح المستشفى عام 2016 لخدمة سكان عزلة شعب يافع والقرى المجاورة، ويُعد المنشأة الصحية الأبرز في المنطقة، إلا أن موقعه يعد مشكلة بيئية خطيرة تثير تساؤلات حول مدى مراعاة المعايير البيئية والصحية عند اختيار موقعه، في ظل شكاوى متكررة من تأثير الروائح على المرضى، خصوصًا أصحاب الأمراض التنفسية.

روائح تلاحق المرضى

في شهادات ميدانية من داخل المستشفى، أفاد عدد من المرضى والمرافقين لـ” ريف اليمن”، بأن الروائح الكريهة المنبعثة من المكب تصل إليهم بشكل مستمر، خصوصًا في الغرف المواجهة. وقال المريض (س. ص) إن “الرائحة تزداد أحيانًا لدرجة يصعب معها البقاء داخل الغرفة”، فيما أشار المريض (ع. م) إلى أن “الأجواء داخل المستشفى لم تعد مناسبة للمرضى، خاصة لمن يعانون من مشاكل تنفسية”.


مواضيع مقترحة


من جهته، أوضح المرافق (م. أ) أن الطعام يتلف بسرعة بسبب الروائح والهواء الملوث، ما يضطرهم للتخلص منه، بينما أكد المريض (ن. ح) أن “هذه الظروف تزيد من معاناة المرضى بدلًا من مساعدتهم على التعافي”.

وأضاف المرافق (ك. د) أن “محافظة إب معروفة بجمال طبيعتها ونقاء هوائها، لكن وجود المكب بجوار المستشفى حرم المرضى من هذا الامتياز، وتحول إلى عامل مضر للمرضى والمرافقين”، وتنوه ريف اليمن أن جميع من تمت مقابلتهم طلبوا عدم الكشف عن أسمائهم، مفضلين الاكتفاء بالأحرف الأولى، خوفا من أي تبعات.

خلل في التخطيط

رغم أهميته، يثير إقامة المستشفى بالقرب من مكب نفايات تساؤلات جدية حول أسس التخطيط والالتزام بالمعايير البيئية، ويؤكد مدير عام مكتب حماية البيئة بالمحافظة، ناجي النهمي، أن تأثير مكبات النفايات لا يقتصر على المنشآت الصحية المجاورة فحسب، بل يمتد إلى الهواء والمياه والتربة.

وقال لـ”ريف اليمن”، إن موقع المستشفى أُنشئ مع وجود معرفة مسبقة بقربه من موقع المكب، وهو ما يستدعي – بحسب قوله – مراجعة مدى توافق ذلك مع المعايير الصحية والبيئية، مؤكدا أن موقع المستشفى غير مناسب ولا يخضع للمعايير الصحية، فالمستشفيات يجب أن تُقام في بيئات نقية تضمن سلامة المرضى.

ويوضح النهمي أن اختيار موقع أي مكب يجب أن يخضع لاشتراطات فنية، أبرزها أن يكون ملائمًا لاستقبال مختلف أنواع المخلفات، مع توفر إدارة ميدانية وعمال مختصين يعملون بشكل يومي على فرز النفايات والتخلص منها بطرق آمنة.

ويضيف: “من المعايير الأساسية أيضًا تأمين المكب بسور يحول دون تسرب النفايات وانتشارها في المناطق المجاورة، بما يحد من الأضرار البيئية والصحية”. كما يشدد على أن أي منشأة خدمية أو تنموية يجب أن تُنشأ بناءً على دراسات جدوى وتقييم أثر بيئي مسبق.

روايتان متناقضتان

وفي ظل تصاعد شكاوى المرضى والمرافقين، قلل مدير المستشفى أيمن السادات من الأمر، وقال: “المستشفى مزوّد بوسائل تهوية وتعقيم تهدف إلى الحد من وصول الروائح والبكتيريا إلى الأقسام الداخلية”.

وأكد لـ”ريف اليمن”، أن الإدارة تبذل جهودًا للحفاظ على بيئة صحية مناسبة للمرضى والعاملين. غير أن هذا التصريح يتعارض مع شهادات عدد من المرضى والمرافقين الذين أكدوا وصول الروائح الكريهة إلى داخل الأقسام، خاصة في الغرف المواجهة لمكب النفايات.

ونشير إلى أن مدير مكتب الصحة بمحافظة إب، الدكتور نجيب الكامل، كان قد وعد بالرد على أسئلة المنصة، وتحديد موعد لذلك، إلا أنه لم يستجب لاحقًا، ما أبقى التساؤلات قائمة بشأن أسباب اختيار موقع المستشفى والإجراءات المتخذة لمعالجة المشكلة.

تحذيرات

ويحذر مختصون في الصحة العامة والبيئة من خطورة وجود مكبات النفايات بالقرب من المنشآت الصحية، مؤكدين أن الروائح الملوثة والجسيمات العالقة في الهواء قد تتسبب في مشكلات تنفسية وتهيّج للجهاز التنفسي، فضلًا عن زيادة احتمالات انتقال الأمراض عبر الهواء والحشرات.

ويقول المختص في المناخ والبيئة والطاقة المتجددة الدكتور عمر الحياني، إن قرب مكب النفايات من المستشفى يشكل تهديدًا مباشرًا لصحة المرضى والعاملين، موضحًا أن التلوث الهوائي الناتج عن المكبات يؤدي إلى انتشار روائح وجسيمات ملوثة قد تكون أشد خطورة على أصحاب الأمراض المزمنة وضعيفي المناعة.

ويضيف لـ”ريف اليمن”، أن مكبات النفايات تُعد بيئة مناسبة لتكاثر البكتيريا والفيروسات، كما تجذب الحشرات الناقلة للأمراض، ما يزيد من احتمالات انتقال العدوى داخل محيط يُفترض أن يكون مخصصًا للعلاج والتعافي.

ولم يقتصر الأمر على المنشاة الصحية فحسب، إذ يحذر الحياني أيضًا من احتمال امتداد التلوث إلى المياه الجوفية، مشددا على ضرورة التحرك العاجل لمعالجة هذه الإشكالية، مقترحا نقل مكبات النفايات إلى مواقع مدروسة بعناية، وفق معايير بيئية تضمن الحد من التلوث وحماية صحة السكان.

وتتصاعد المخاوف من موقع مستشفى السحول، حيث وصف الناشط في مجال حقوق الإنسان مرسل الشبيي الموقع بأنه “كارثي”، وغير مناسب حتى كمركز حجر صحي، في ظل القرب الشديد من مكب النفايات وما يرافقه من روائح شديدة ومؤذية للمرضى، متسائلًا: “إذا كانت المنطقة غير صالحة للسكن، فكيف تُقام فيها منشأة صحية؟”.

فيما اعتبر الناشط الاجتماعي محمد المسلمي أن المستشفى “أُنشئ على عجل ودون رقابة أو معايير واضحة”، لافتًا إلى غياب مراعاة حقوق المرضى، لأن الهدف من إنشائه كان مرتبطًا بالحصول على دعم المنظمات أكثر من تلبية احتياجات المواطنين، حسب قوله.

وطالب الناشطون بضرورة عمل إجراءات لحماية المرضى داخل المنشأة الصحية، من خلال بحث إمكانية نقل المكب إلى مكان آخر بعيدا عن السكان والمستشفيات التي يعتمد عليها آلاف السكان في الحصول على الرعاية الصحية، حتى لا يتحول البحث عن العلاج إلى مصدر قلق إضافي للمرضى.