يعد النوم على سطوح المنازل من العادات الريفية القديمة التي يلجأ إليها أهالي القرى في اليمن، لا سيما خلال فصل الصيف، إذ يشكّل النوم على الأسطح أو أمام العتبات تقليدًا متوارثًا منذ عقود طويلة.
يتذكر محمد أحمد (60 عامًا)، أحد سكان منطقة دمنة خدير بمحافظة تعز، ليالي النوم على الأسطح قائلاً لـ “ريف اليمن” إنه قضى سنوات طويلة في السهر والتجمع والنوم فوق سطح منزله خلال فصل الصيف.
ويضيف: “مع حلول فصل الصيف، ينتقل أهالي الريف للنوم على السطوح. كما أن بعض العائلات الكبيرة التي لا تتسع منازلها للجميع كانت تعتمد على الأسطح كخيار أساسي للنوم معظم أيام السنة”.
مواضيع مقترحة
- الرقص الشعبي في صعدة.. إرث يروي الهوية ويعزز التواصل الثقافي
- التراث الثقافي اليمني: معركة مفتوحة بمواجهة الحرب والإهمال
- استقبال العام الهجري.. عادات وطقوس تتوارثها الأجيال
عادة اجتماعية
يؤكد محمد أحمد أن النوم على أسطح المنازل كان يشكل مساحة مثالية للتواصل الاجتماعي بين أهالي القرى، حيث كان الجيران يتسامرون ويتبادلون الأحاديث ويتفقدون أحوال بعضهم البعض بعد يوم شاق من العمل والانشغال، ليكون السطح ملتقاهم الدافئ مع اشتداد عتمة الليل.
ورغم أن آخر تجربة لنوم محمد على السطح كانت قبل نحو ثمانية أعوام، إلا أنه يؤكد أنها لا تزال الذكرى الأحب إلى قلوب الأطفال، إذ تمنحهم مساحة آمنة للعب وتبادل الضحكات مع الأهالي المتواجدين في المكان نفسه. وكان النساء يتجمعن أمام أبواب المنازل، لتسود السكينة والطمأنينة أرجاء القرية وهي تعج بأصوات الكبار والصغار في تناغم يجسد البساطة المعهودة في البيئة الريفية.
وتعتبر ظاهرة النوم على أسطح المنازل، عادة اجتماعية ارتبطت بالريف ارتباطاً وثيقاً، لكونها تعكس نمط الحياة البسيط واعتماد الأهالي على الوسائل الطبيعية للتغلب على حرارة الطقس خلال فترات طويلة من العام. ومع أنها كانت منتشرة على نطاق واسع ولا تزال حاضرة في بعض المناطق، إلا أنها تراجعت بشكل ملحوظ في الآونة الأخيرة.
اليوم، لم يعد الحاج أحمد قادرًا على الصعود إلى سطح بيته بسبب تقدمه في السن، لكنه يحافظ على جوهر تلك العادة بطريقته الخاصة، حيث يجلس أمام باب منزله يسامر جيرانه حتى يحين موعد النوم، ثم ينقل فراشه إلى الداخل، متمسكاً برائحة الماضي التي لا تزول.
حرارة الصيف
يؤكد قائد ناجي (55 عاماً)، أحد أبناء قرية قياض التابعة لعزلة التعزية بمحافظة تعز، أن النوم على أسطح المنازل كان يشكل ضرورة ملحة لسكان الأرياف خلال أيام وليالي الصيف؛ لاسيما في ظل افتقار القرى للخدمات الأساسية ووسائل التبريد الحديثة.
لكن ناجي يلفت في حديثه لـ “ريف اليمن” إلى تراجع العادة بشكل ملحوظ في الآونة الأخيرة، إذ لم يعد الأهالي يلجؤون إليها كما في السابق، بسبب الانتشار العشوائي لإطلاق النار وغياب الأجواء الأمنية التي كانت سائدة قديماً، حيث كان السكان ينامون أحياناً وأبواب منازلهم مفتوحة دون خوف أو قلق.
ويضيف أن تقلبات الزمن ألقت بظلالها على واقع القرى، مما أدى إلى انحسار الكثير من العادات والتقاليد؛ حيث يرى أن هذا التحول يرافقه تطور في الوعي المجتمعي؛ إذ بات الأهالي يدركون أن النوم في الأماكن المفتوحة يمثل مخاطرة حقيقية بالأرواح نتيجة أسباب عدة، وهو ما يعكس تحولاً اجتماعياً عميقاً شهدته المجتمعات الريفية خلال السنوات الماضية.
مخاطر صحية
يحمل النوم على الأسطح مخاطر عديدة تمس سلامة الأهالي أثناء نومهم، حيث أكد محمد أحمد إصابة والدته برصاصة راجعة في كتفها الأيسر أثناء جلوسهم على السطح عندما كان في الثلاثين من عمره، إذ تركت تلك الحادثة أثراً نفساً عميقاً لدى السكان، ما دفع الآباء وكبار السن في القرى إلى توعية الأهالي ومنعهم من النوم والسهر على الأسطح، لاسيما خلال مواسم الأعياد التي تكثر فيها الأعراس وما يرافقها من فوضى إطلاق النار العشوائي.
وإلى جانب الأخطار الأمنية، يشكل النوم في الهواء الطلق تهديداً صحياً وجسدياً مباشراً فهو يضاعف من فرص التعرض للدغات الكائنات والحشرات الضارة كالثعابين والعقارب، بالإضافة إلى البعوض المنتشر بكثافة في البيئات الريفية، وهو المسبب الرئيس لنقل أمراض خطيرة مثل الملاريا وحمى الضنك وغيرها من الحُمّيات الوبائية.
ولا تقتصر المخاطر على ذلك فحسب، بل تمتد لتشمل خطر الإصابة المباشرة بالصواعق الرعدية، أو التعرض للهطول المباغت للأمطار. كما يبرز خطر السقوط من أعلى المباني، وبخاصة لدى الأشخاص الذين يعانون من الاضطرابات النفسية أو الكوابيس المفزعة (فوبيا الأحلام/السير أثناء النوم) إذ تؤدي الحالات إلى نهوض الشخص وحركته دون وعي كامل، مما ينتهي بسقوطه المباشر من السطح.
من جانبها، تُشدد الطبيبة أمل القسيمي، على أن النوم على الأسطح، رغم كونه عادة شائعة في كثير من المناطق الريفية للتغلب على حرارة الصيف، فهو يحمل محاذير صحية وأمنية يجب الانتباه لها. وأوضحت لـ “ريف اليمن” أن السقوط يظل الخطر الأكبر والأشد خطورة، لاسيما بالنسبة للأطفال وكبار السن، أو في حال كانت الأسطح تفتقر إلى أسوار وحواجز حماية كافية.
وحذرت الدكتورة القسيمي من التغيرات الحرارية المفاجئة، مشيرة إلى أن التعرض للبرد أو الصقيع في ساعات الليل الأخيرة حتى بعد يوم صيفي حار قد يسبب نزلات برد وحميات مختلفة.
واختتمت حديثها بالتشديد على ضرورة إيلاء مشكلات الخصوصية والأمان أهمية بالغة، والتأكد من وجود سور أو حاجز حماية آمن يحيط بالسطح، إلى جانب استخدام الناموسيات والوسائل المناسبة للوقاية من الحشرات، مؤكدة أن توفير وسائل حماية بسيطة واتخاذ تدابير الوقاية كفيلة بحد ذاتها بتقليل نسبة الحوادث المرتبطة بتلك العادة اليومية بشكل كبير.





