تصاعدت وتيرة استيراد المواشي بطرق غير مشروعة عبر السواحل اليمنية المتاخمة للقرن الأفريقي خلال سنوات ما بعد الحرب، وباتت تشكل تهديداً للأمن الغذائي نتيجة نقل العدوى وتفشي للأوبئة الحيوانية التي أفقدت شريحة واسعة من الأهالي أهم مصادر رزقهم، لا سيما في ظل تفاقم الأزمات المعيشية وتوقف صرف الرواتب.
وعلى الرغم من غياب الإحصائيات الدقيقة، فإن بيانات إدارة الإحصاء الزراعي ترصد تراجعاً كبيراً في أعداد الماشية خلال السنوات الأخيرة، ويُعزى التدهور إلى التغيرات المناخية القاسية والتبعات المباشرة للحرب، التي أدت بمجملها إلى شلل أنشطة التلقيح البيطري وتقويض برامج مكافحة الأمراض.
تتدفق المواشي الإفريقية إلى الأسواق المحلية في اليمن عبر شبكة من الوكلاء وتجار الماشية الذين يتولون نقلها عبر شاحنات مخصصة ورغم إجراءات الحجر البيطري والفحوصات المخبرية التي تفرضها وزارة الزراعة والري لضمان خلو الشحنات من الأوبئة، إلا أن مناطق واسعة لا تزال تواجه تفشيًا للأمراض أدى إلى نفوق أعداد كبيرة من الماشية.
مواضيع مقترحة
- الثروة الحيوانية.. ركيزة اقتصادية مهملة في اليمن
- تراجع حاد يهدد الثروة الحيوانية
- انحسار الثروة الحيوانية.. أرقام صادمة تهدد الأمن الغذائي
يؤكد مدير عام مكتب الزراعة والري بمحافظة لحج الدكتور ناصر هزاع أن الفرق البيطرية التابعة للمكتب تتدخل بشكل فوري لمكافحة الأوبئة وتوفير العلاجات اللازمة.
وأوضح هزاع لـ “ريف اليمن” أن المكتب نفذ قبل نحو شهر حملة تحصين واسعة ضد مرض طاعون المجترات الصغيرة استمرت على مدار 15 يومًا، واستهدفت خمس مديريات هي: لبعوس، حالمين، المفلحي، الحد، وطور الباحة، غير أن تلك الجهود لم تحل دون استمرار انتشار الوباء وتسجيل حالات نفوق واسعة بين المواشي في عدة مناطق.
نفوق المواشي
تواجه مناطق ريفية عدة في محافظتي لحج وتعز موجة نفوق مفاجئة وواسعة النطاق لعشرات الرؤوس من الماشية لأسباب لا تزال مجهولة، وسط حالة من القلق والذعر بين الأهالي والسكان الذين يعتمدون كليًا على الثروة الحيوانية كمصدر وحيد للدخل والعيش.
في شهادات خاصة لـ “ريف اليمن”، قال محمد علوه، وهو من سكان مديرية الوازعية بمحافظة تعز والمتاخمة لمديرية المضاربة بلحج، إن بلداتهم شهدت نفوق عشرات الأغنام والأبقار خلال الأسابيع الأخيرة.
وأوضح علوه أن الأعراض تبدأ بظهور تقرحات وجروح حادة في الفم وأنحاء متفرقة من الجسم، يرافقها انتشار للديدان، وفقدان تام للشهية والقدرة على الحركة، قبل أن تنفق الماشية خلال أيام معدودة.
ورجح علوه أن تكون الأزمة ناتجة عن تفشي عدوى وبائية عابرة للحدود، نظرًا لوقوع تلك المناطق ضمن الشريط الساحلي الذي يمر عبره تهريب الحيوانات القادمة من القرن الإفريقي، وتحديدًا عبر سواحل لحج والمخا والحديدة.
علوه:قد تكون الأمراض ناتجة عن تفشي عدوى وبائية عابرة للحدود، نظرًا لوقوع تلك المناطق ضمن الشريط الساحلي الذي يمر عبره تهريب الحيوانات القادمة من القرن الإفريقي
من جانبه، أكد محمد العاطفي، من محافظة لحج، تفاقم الخسائر الاقتصادية جراء الموت المفاجئ للمواشي، ولا سيما أضاحي العيد التي يحرص السكان على تربيتها والاهتمام بها على مدار العام لإحياء شعيرة النحر، خاصة في ظل الارتفاع القياسي لأسعار الأضاحي التي تجاوزت حاجز الـ 1000 ريال سعودي في بعض الأسواق المحلية.
وتتضاعف حدة الكارثة في أرياف المحافظتين نتيجة الغياب التام للمراكز والأطباء البيطريين، إلى جانب عجز الأهالي عن تحمل تكاليف العلاجات والأدوية في ظل اتساع رقعة الفقر وانقطاع المرتبات، مما يهدد بانهيار ما تبقى من أمن غذائي للأسر الريفية.
وكانت منصة “ريف اليمن” نشرت تقريرا، عن نفوق المواشي في طور الباحة في لحج، بعنوان ” لحج.. مرض غامض يتسبب بنفوق المواشي ولا حلول”، حيث كشفت تقديرات عن نفوق أكثر من 150 رأسًا خلال أسابيع في مديرية طور الباحة.
نزيف حيوي
وكشفت تقارير الإحصاء الزراعي الصادرة عن وزارة الزراعة والري عن تراجع ملموس في حجم الثروة الحيوانية في اليمن؛ حيث انخفضت الأعداد من قرابة 21.296 مليون رأس في عام 2014 إلى نحو 19.392 مليون رأس بحلول عام و2018 وفق كتاب الإحصاء الزراعي التابع لوزارة الزراعة في عدن 2018
وحذر مدير عام صحة الحيوان والحجر البيطري بوزارة الزراعة، الدكتور عبد الرحمن الخطيب، من أن المواشي التي تدخل البلاد بطرق غير نظامية عبر منافذ التهريب تشكل تهديداً جسيماً لما تبقى من القطاع الحيواني.
وأوضح الخطيب لـ “ريف اليمن”، أن الشحنات مجهولة المصدر تدخل دون الخضوع للفحص أو الحجر الصحي في بلد المنشأ بالمخالفة للوائح الصحية الدولية، كما تفتقر لتصاريح الدخول الرسمية التي تضمن خلوها من الأوبئة العابرة والامراض المشتركة التي تنتقل بين الحيوان والإنسان، مما يهدد الصحة العامة والبيئة المحلية.
د. الخطيب:المواشي التي تدخل البلاد بطرق غير نظامية عبر منافذ التهريب تشكل تهديداً جسيماً لما تبقى من القطاع الحيواني.
وأشار إلى أن منطقة القرن الإفريقي كانت تاريخياً مصدراً لعدة أوبئة فتكت بالثروة الحيوانية المحلية، وفي مقدمتها: طاعون المجترات الصغيرة، الحمى القلاعية، التهاب الجلد العقدي الفيروسي، وحمى الوادي المتصدع.
ونوه الخطيب إلى أن تفشي هذه الأوبئة تسبب سابقاً في فرض حظر على تصدير المواشي اليمنية إلى دول الجوار، مما ألحق أضراراً بالغة بالاقتصاد الوطني.
كما لفت إلى التحديات التي تواجه العمل البيطري حالياً، والمتمثلة في غياب التنسيق المشترك لتطبيق إجراءات الحجر البيطري الصارمة لا سيما في المنافذ شبه الرسمية بالإضافة إلى تدني الوعي المجتمعي بمخاطر الأمراض حيوانية المنشأ وتأثيراتها الكارثية على الإنسان.
تحديات المناخ
أدت موجات الجفاف الشديد والسيول الجارفة التي ضربت محافظات يمنية عدة خلال الأعوام الماضية، إلى نفوق عشرات الآلاف من الماشية، وبحسب تقرير حديث صادر عن مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، فقد تضرر نحو 279,400 رأس من الحيوانات المجترة، غالبيتها من الأغنام والماعز، جراء تداعيات الموسم المطري لعام 2024، وتحديداً في الفترة الممتدة بين شهري يوليو وسبتمبر.
وبحسب تقارير منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة الفاو فإن السيول الجارفة خلال الفترة نفسها تسببت في تدمير نحو 98,726 هكتاراً من الأراضي الزراعية، إضافة إلى تضرر 24,257 هكتاراً أخرى؛ ما يمثل قرابة 30% من إجمالي الرقعة الزراعية الفعلية في اليمن، والتي تشكل المصدر الرئيس لغذاء الإنسان والحيوان على حد سواء.
توفر الثروة الحيوانية الدخل الرئيسي لأكثر من 3.2 مليون شخص، في جميع أنحاء اليمن، بحسب منظمة الفاو.
من جانبه، أوضح المختص البيطري، علي الصبيحي، أن التغيرات المناخية تزامنت مع تفشي أمراض وأوبئة عدة أجهزت على ما تبقى من مواشي المواطنين في الأرياف.
وأرجع الصبيحي في حديث لـ “ريف اليمن” أسباب تفاقم الخسائر إلى انتشار الجهل بأهمية الطب البيطري بين بعض المربين، والاعتماد على طرق تقليدية ووصفات شعبية غير مجدية لعلاج الماشية المصابة.
واختتم الصبيحي حديثه بالدعوة إلى صياغة خطط إرشادية وتوعوية عاجلة لتعريف المجتمع بأهمية التدخل البيطري لإنقاذ الثروة الحيوانية، مشدداً على ضرورة دعم وتفعيل المراكز البيطرية في الأرياف، وتزويدها بالأدوية اللازمة بأسعار مدعومة تناسب القدرة الشرائية للمزارعين والمربين.
وتشكل الثروة الحيوانية نحو 25 بالمئة من القوى العاملة في الأرياف اليمنية، في حين يستوعب القطاع الزراعي الشريحة الأكبر من الأيادي اليمنية العاملة، وفق بيانات حكومية رسمية. كما توفر الثروة الحيوانية الدخل الرئيسي لأكثر من 3.2 مليون شخص، في جميع أنحاء اليمن، بحسب منظمة الفاو.
*الغلاف:تصوير شهاب العفيف

