حذر رئيس جمعية النحالين بمحافظة لحج، إبراهيم غانم النجاشي، من تدهور غير مسبوق يهدد قطاع العسل اليمني، نتيجة التغيرات المناخية، والتصحر، وغياب الدعم الحكومي، وانتشار العسل المستورد والمغشوش.
وقال النجاشي في حوار مع “ريف اليمن”، بمناسبة اليوم العالمي للنحل، إن استمرار الوضع الحالي قد يقود إلى اندثار واحدة من أعرق المهن اليمنية، كاشفا عن تراجع أعداد خلايا النحل وهجرة الأسراب بسبب الجفاف وارتفاع درجات الحرارة وتقلص المراعي الطبيعية.
وأوضح أن النحالين يتكبدون خسائر كبيرة بفعل المبيدات الحشرية والسيول والأمراض، مشيراً إلى أن كثيراً من الأسر الريفية فقدت مصدر دخلها الوحيد بعد انهيار مواسم إنتاج العسل.
ودعا رئيس جمعية النحالين إلى تبني مشروع وطني شامل لإنقاذ قطاع النحل، يتضمن حماية المراعي الطبيعية، ومنع استيراد العسل منخفض الجودة، وتفعيل المختبرات الخاصة بفحص العسل، ودعم النحالين، إضافة إلى فتح أسواق تصديرية تعيد للعسل اليمني مكانته.

نص الحوار
• كيف تصفون واقع العسل اليمني اليوم في ظل الحديث عن تراجع أعداد النحل؟
العسل اليمني كان عبر التاريخ واحداً من أشهر المنتجات اليمنية وأكثرها قيمة، حتى إنه نافس في فترات سابقة منتجات اقتصادية كبرى من حيث الأهمية والعائد، لكن اليوم، يشهد القطاع تراجعاً خطيراً نتيجة عوامل متراكمة، أبرزها التغيرات المناخية، وضعف الدعم الحكومي، وانتشار العسل المستورد الذي يُباع أحياناً على أنه عسل يمني.
النحل من أكثر الكائنات حساسية للبيئة، ومع ارتفاع درجات الحرارة ونقص المراعي الطبيعية، شهدنا نفوقاً وهجرة واسعة لأسراب النحل في كثير من المناطق، وإذا استمر الوضع على ما هو عليه دون تدخل جاد، فإن مستقبل هذه المهنة مهدد بشكل حقيقي، خصوصاً في ظل المنافسة الشرسة والغير عادلة من العسل المستورد، وضعف الحماية للمنتج المحلي.
• ما أبرز العوامل التي أثرت على إنتاج العسل خلال السنوات الأخيرة؟
هناك عدة عوامل تداخلت معاً، أبرزها عدم الاهتمام بالنحل من الجانب الحكومي، وعدم دعم النحالين بالشكل الكافي لحماية نحلهم، بالإضافة التصحر وقلة الأمطار وتراجع الغطاء النباتي، إضافة إلى قطع الأشجار والاحتطاب الجائر، وتدهور المدرجات الزراعية التي تمثل بيئة مهمة لمراعي النحل.
كما أن السيول تجرف أحياناً الأشجار والخلايا معاً، فضلاً عن تأثير الحرب والأوضاع الاقتصادية، وارتفاع تكاليف التنقل، وانتشار العسل المستورد منخفض الجودة الذي ينافس المنتج المحلي بشكل غير عادل، وكل هذه العوامل تكاتفت لتفتك بالإنتاج وتضيق الخناق على النحالين.
النجاشي: نحن بحاجة إلى مشروع وطني لإنقاذ قطاع النحل في اليمن ووضع العسل اليمني في مكانة تليق بجودته
• هل أثرت التغيرات المناخية على المراعي الطبيعية للنحل؟
نعم، تغيرت خارطة المراعي بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة متأثرة بالتغيرات المناخية وأصبحت طوائف النحل في مواجهة مباشرة وقاسية من أجل البقاء، فأشجار السدر والسمر والسلم والقرض وغيرها من النباتات الصحراوية والجبلية ما تزال صامدة، لكنها لم تعد كافية ولا تلبي احتياجات النحل البيولوجية والغذائية الأساسية بسبب الجفاف وارتفاع الحرارة، وأصبحت طوائف النحل تواجه معركة بقاء حقيقية، خصوصاً مع تراجع الإزهار الموسمي في كثير من المناطق.
• هل هناك وسائل يمكن أن تساعد النحالين على مواجهة هذه التغيرات؟
النحال اليمني يعتمد منذ القدم على “النحالة الجوالة”، أي التنقل بالخلايا بين المراعي الموسمية، لكن اليوم أصبحت هذه العملية أكثر صعوبة بسبب ارتفاع أسعار الوقود ووعورة الطرق ووجود الألغام ومخلفات الحرب في بعض المناطق.
لكن هناك حلول بديلة ومبتكرة، منها ‹التنقل› و استحداث مراعي مناسبة في البيئة نفسها من خلال توفير ‹مشاتل› منزلية صغيرة تحتوي على أشجار مزهرة مثل عباد الشمس، الليمون، والديمن، وهذا الحل الفردي يكفي تقريباً لـ 15 خلية، مع ضرورة مراعاة موسمية هذه الأشجار.
كما يجب على النحال توفير مياه قريبة من المناحل، والظلال والتبريد وتحسين التهوية للخلايا، وتجنب الفحص تماماً وقت ذروة الحرارة، لحمايته من الهلاك، وكذلك حمايته من البرودة الزائدة في فصل الشتاء، كون النحل كائن حساس للغاية ويجب الاهتمام به ورعايته ومتابعته بدقة متناهية في كل مراحل نشاطه.
النجاشي: النحال اليمني شغوف ومتشوق للعمل والإنتاج رغم شحة الإمكانيات
• هل هناك تدخلات للمنظمات للتخفيف من معاناة النحالين؟
بالتأكيد، هناك تدخلات إيجابية لا يمكن إنكارها، على سبيل المثال، دعمت ‹مؤسسة ينابيع الخير› 28 نحالا في مديريتي المقاطرة والقبيطة من خلال توفير خلايا نحل، وتوفير التغذية الروتينية والسكرية، وأدوات النحالة المتكاملة وتدريب عملي على نقل الخلايا التقليدية إلى الحديثة، مع متابعة استمرت أربعة أشهر.
كما نفذت منظمات مثل ‹أدرا› و‹كير› و‹أوكسفام› برامج تدريبية نوعية للنحالين المحليين لتعريفهم بالطرق الحديثة المبتكرة في تربية النحل واستخلاص المنتجات المرتبطة به، وكيفية التعامل مع حبوب اللقاح، كما تم تدريبهم على استخدام مصائد حبوب اللقاح، وتعريفهم بالأهمية الاقتصادية والطبية البالغة لحبوب اللقاح نفسها التي يصل سعر الكيلو الواحد منها إلى 100 ألف ريال يمني لفوائدها العظيمة.
• ما أبرز التقنيات الحديثة التي أدخلتها هذه البرامج؟
تم تدريب النحالين على استخدام الفرازات الحديثة، والأساسات الشمعية، ومصائد حبوب اللقاح، إضافة إلى التعرف على منتجات أخرى ذات قيمة اقتصادية مثل ‹العكبر› وحبوب اللقاح.
كما تدريبهم على الطريقة الصحيحة للتدخين باستخدام مخلفات الأشجار النظيفة وليس بقايا الكراتين أو مخلفات الحيوانات الضارة، ومراعاة التدخين غير المضر بالنحل والعسل، وغيرها من الطرق التي سدت فجوة الإنتاج وحافظت على الجودة ونقاء المنتج.
• هل ساعدت هذه التدخلات النحالين وهل هي كافية؟
بالتأكيد هذه التدخلات ساعدت بعض النحالين على تحسين إنتاجهم، حتى انها مكنت بعضهم من المشاركة في المعرض الأول للعسل الذي أقيم في 30 أبريل في عدن، لكنها ما تزال غير كافية مقارنة بحجم التحديات واتساع رقعة النحالين في اليمن.
• كيف انعكس تراجع قطاع النحل على الأسر الريفية؟
كثير من الأسر كانت تعتمد بشكل كامل على تربية النحل كمصدر دخل رئيسي، لكن عدداً كبيراً منها فقد مصدر رزقه بسبب نفوق الخلايا أو الأمراض أو المبيدات أو السيول، بالإضافة إلى الأضرار الفادحة التي تسبب بها طفيل “فروة النحل” (الفاروا) وهو طفيل خبيث يصيب النحل ويتغذى مباشرة على دمه ويشوه جسم النحلة حتى يقتلها.
ناهيك عن أمراض ‹الاسهالات› التي تصيب النحل، وهجمات الدبابير، وفراشة النحل، وطائر “الوروار” (آكل النحل)، ونتيجة لهذه الأسباب هناك أسر أصبحت بلا أي دخل بعد خسارة مناحلها، خصوصاً في المناطق الريفية التي تعاني أساساً من ضعف الفرص الاقتصادية.
دعم المنظمات ساهم في إنعاش هذه الأسر، ولكن كل هذه التحديات والأمراض تؤكد أن التدخلات الحالية تظل غير كافية، إذ يتوزع النحالون على مختلف مناطق الجمهورية بمختلف تضاريسها والجميع بحاجة ماسة ومستمرة للمساعدة والدعم والتأهيل للتوعية بمواسم الإزهار ومكافحة الآفات لزيادة الإنتاج واستقرار الأسر.
• لماذا يصر المختصون على أهمية الحفاظ على السلالة اليمنية من النحل؟
لأن النحل اليمني متأقلم بطبيعته مع كافة تقلبات الظروف البيئية والمناخية القاسية في اليمن، ويتحمل الظروف المناخية القاسية بشكل أفضل من السلالات المستوردة، ومقاوم بشكل كبير للأمراض، وذو إنتاجية عالية الجودة.
شهدنا سابقاً محاولات تهجين بسلالات أجنبية في محافظة الحديدة وتحديداً في ‹وادي سردد› لكنها فشلت، بسبب تفاوت الأحجام واختلاف الخصائص بين السلالة اليمنية الأصيلة والسلالة الأجنبية وأدت إلى خسائر كبيرة للنحالين، لذلك فإن الحفاظ على السلالة المحلية يمثل خياراً استراتيجياً لحماية التنوع البيولوجي وضمان استدامة الإنتاج.
إبراهيم النجاشي: الحفاظ على السلالة المحلية يمثل خياراً استراتيجياً لحماية التنوع البيولوجي وضمان استدامة الإنتاج
• ما الخطوات المطلوبة لتعزيز مكانة العسل اليمني في الأسواق العالمية؟
الخطوات الاستراتيجية لفتح مسارات تصديرية آمنة وتعزيز المكانة العالمية تكمن أولاً في المطالبة الفورية بتفعيل المختبر الموجود في كلية الزراعة بجامعة لحج، والذي تم تنفيذه وتجهيزه بدعم من منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة “فاو” (FAO)، لضبط جودة المنتج ومنع الغش المنتشر بكثرة ومحاربة بعض بائعي العسل عديمي الذمة عبر تدخل الهيئة العامة للمواصفات والمقاييس وضبط الجودة.
أيضا من الخطوات فتح سوق رسمية ومنظمة للعسل اليمني لتسهيل التصدير إلى دول الخليج والعالم أجمع، بالتعاون والتنسيق الكامل مع “المركز الوطني للعسل” في عدن وتفعيل دوره الرقابي الصارم للمحافظة على العسل اليمني من خلال إصدار شهادات منشأ معتمدة، شهادات جودة مخبرية، وتحديد تواريخ الإنتاج والانتهاء بدقة.
• ما أبرز المشكلات التي تواجه النحالين مع المبيدات الزراعية؟
المبيدات الحشرية لعبت الدور الأكبر والأسوأ في الفتك بالخلايا النحلية وإبادتها، والنحالون يجدون أنفسهم ضحايا لغياب الوعي والتنسيق المسبق؛ وأذكر نحالاً من مديرية المقاطرة نقل 700 خلية إلى منطقة القاعدة في إب بحثاً عن المراعي، لكنه عاد ليجد جميع الخلايا قد نفقت بعد رش مزارع مجاورة للخلايا المبيدات دون أي تنسيق أو إشعار مسبق بينهما، هذه الكارثة دمّرت مصدر رزقه بالكامل، قبل أن يتدخل الصندوق الاجتماعي للتنمية ويدعمه بخمسين خلية ليستعيد نشاطه تدريجياً.

• ماذا عن التغذية السكرية التي يستخدمها بعض النحالين؟
التغذية السكرية مجرد محاولة إنعاش وإنقاذ مؤقت للنحل في فترات الجفاف، وتسمى ‹المحاليل السكرية الإنعاشية› لكنها علمياً لا تعتبر تغذية كاملة للنحل أبداً، إذ تأخذ النحلة هذا السكر وتحوله داخل الخلية إلى طاقة تساعدها على جلب وبناء حبوب اللقاح.
فالنحلة تمر بمراحل نموها الطبيعية المعتادة؛ وتستغرق بدقة 21 يوماً، وتضع ملكة النحل في الوضع الطبيعي والمعدل المعتاد ما بين 1500 إلى 2000 بيضة يومياً، لكن عندما تنقص حبوب اللقاح الطبيعية ينقص وضع البيض مباشرة، وبالتالي يقل عدد أفراد الطائفة وينكمش الإنتاج بشكل حاد، وهنا تظهر أهمية المراعي الطبيعية الشحيحة حالياً.
• يحظى العسل الدوعني بشهرة عالمية واسعة ما السر برأيك؟
السر يعود إلى مهارة النحال الحضرمي، حيث يمتلك خبرة متوارثة دقيقة تعمل على عزل أكبر كمية ممكنة من الرطوبة من داخل خلايا النحل أثناء الموسم، حيث يعمل باحترافية على نزع المياه والرطوبة الزائدة من العسل، ليتبقى في المنتج النهائي النقي ما يقارب 25% فقط من نسبة الرطوبة والمياه، مما يمنحه قواماً ثقيلاً، ونقاءً فريداً، وقدرة عالية على الحفظ لفترات طويلة دون أن يفقد خصائصه العلاجية.
النجاشي: النحال الحضرمي يمتلك خبرة متوارثة دقيقة ويعمل باحترافية على نزع المياه والرطوبة الزائدة من العسل
• هل هناك قصص نجاح تمنح الأمل رغم كل هذه الظروف؟
النحال اليمني شغوف ومتشوق للعمل والإنتاج رغم شحة الإمكانيات، ومن تجارب النجاح التي رصدناها في القرى، قيام أحد النحالين بتحويل 10 خلايا نحل إلى 150 خلية، وآخر تم دعمه بست خلايا واستطاع بجهده ومثابرته مضاعفتها لتصل إلى 60 خلية خلال فترة وجيزة.
ومن قصص النجاح المتميزة تجربة التاجر “عبد السلام الباروت” من منطقة الصُحى بمديرية المقاطرة؛ حيث قام بعمل مشتل زراعي مخصص في بيته، وبدأ بخليتين فقط، ثم توسع تدريجياً حتى أصبحت لديه 13 خلية ممتازة تديرها أسرته حتى أثناء سفره، ويعتبر مشروعهم العائلي مثالاً ونموذجاً حياً للمشاريع الناجحة في الأرياف.
• هل واجهتم مواقف إنسانية خلال عملكم؟
للأسف نعم، من أكثر القصص إيلاماً قصة نحال أصيب أحد أبنائه بمرض السرطان وتحت وطأة العجز، اضطر الأب مكرهاً ومفجوعاً لبيع جميع خلاياه التي كانت مصدر رزق أسرته الوحيد، لعلاج ابنه خارج اليمن، لكنه خسر ابنه في النهاية، ليعود مكسور القلب والوجدان، وقد فقد ابنه وفلذة كبده، وفقد في ذات الوقت مصدر دخله وعيشه الوحيد، هذه القصة تختصر حجم المأساة الإنسانية الشديدة التي يعيشها المواطن والنحال اليمني.
• أخيرا، ما رسالتكم عبر ريف اليمن في اليوم العالمي للنحل؟
نحن بحاجة إلى مشروع وطني حقيقي لإنقاذ قطاع النحل في اليمن، ووضع العسل اليمني في مكانة تليق بجودته، وحماية النحلة التي تعمل على تحقيق توازن بيئي وحيوي كبير، وهذا يبدأ بحماية المراعي الطبيعية، ومنع العسل المستورد منخفض الجودة.
ونطالب من خلالكم بدعم النحالين وتأهيلهم، وتفعيل دور المؤسسات الرقابية والمختبرات، لأن حماية النحل ليست قضية اقتصادية فقط، بل قضية بيئية وغذائية تمس مستقبل اليمن كله.
كما نطالب بحماية محمية ‹جبل إراف› الطبيعية بمديرية المقاطرة بمحافظة لحج، وحصر ودعم النحالين في المناطق البعيدة، وتجهيز مقر الجمعية بمحافظة لحج لكي نتمكن من عقد اجتماعات دورية تأهيلية وإرشادية للنحالين للاستفادة من الخبرات المتراكمة، ولتكون الجمعية مرجعية رسمية وسنداً حقيقياً لكل النحالين.

